مجموعة من حلفاء حلف شمال الأطلسي "ناتو"، ومعظمهم من الدول الأصغر، التزمت بإنشاء مؤسسة جديدة لتمويل مساعي الغرب لتعزيز قدراته العسكرية، غير أن تردد القوى الأوروبية الكبرى يثير شكوكا حول حجم **القدرة التمويلية** التي يمكن أن تحشدها في نهاية المطاف.
وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، يوم الثلاثاء خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، عن تسع دول مؤسسة لبنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود ("دي إس آر بي")، واصفا إياه بأنه أساس لأمن الحلفاء الجماعي. وستتولى الدول الموقعة، وهي كندا وألبانيا وبلجيكا واليونان ولاتفيا ولوكسمبورغ ورومانيا وتركيا وأوكرانيا، صياغة القواعد الأولى للبنك قبل إطلاقه المقرر في عام 2027.
وطُرحت فكرة بنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود لأول مرة في عام 2024 من جانب مجموعة من مستشاري "ناتو" السابقين وقادة عسكريين كبار ومصرفيين، على أن يكون مقره الرئيسي في كندا، مع التخطيط لإقامة قاعدة أوروبية له في لوكسمبورغ.
وتستعير فكرة بنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود نموذج عمل بنوك التنمية؛ فمن خلال تجميع رؤوس أموال الأعضاء والسعي للحصول على تصنيف ائتماني ثلاثي "A"، يهدف البنك إلى الاقتراض بكلفة منخفضة من الأسواق الدولية وتمرير هذه الكلفة المخفَّضة عبر قروض وضمانات، بما يتيح تعبئة ما يصل إلى 100 مليار جنيه إسترليني (117 مليار يورو) لمشاريع دفاعية. والغاية النهائية هي توفير تمويل طويل الأجل وأقل كلفة للحكومات وشركات الدفاع، إلى جانب تقديم ضمانات للبنوك التجارية. وإذا نجح، فقد يعيد تشكيل طريقة تمويل الحكومات الغربية لإنفاقها الدفاعي، مكمّلا الميزانيات السنوية، على غرار الدور الذي يلعبه بنك الاستثمار الأوروبي في تمويل البنية التحتية في أوروبا أو البنك الدولي في الدول النامية. وقد اصطفّت خلف المشروع بالفعل مؤسسات إقراض كبرى، بينها "جي بي مورغان" و"دويتشه بنك" و"كومرتس بنك" و"آي إن جي"، إلى جانب أكبر البنوك الكندية.
رغم هذا الطموح، تبدو لائحة المشاركين خفيفة الوطأة في أعلى الهرم. فلا أي من اقتصادات مجموعة السبع، باستثناء كندا، قد انضم حتى الآن، كما أن كبار المنفقين العسكريين في أوروبا، أي بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ما زالوا يتريثون، وهو ما يحذر محللون من أنه قد يحد من مدى البنك المالي. وقال لينوس تيرهورست من "المعهد الملكي للخدمات المتحدة": "هذه بداية، لكن ربما كانوا يأملون في دعم لاعبين أوروبيين أكبر"، مضيفا أن الالتزامات الحالية ينبغي أن تكون كافية لكي ينطلق البنك فعليا. وقد انضمت ألمانيا إلى المناقشات بصفة مراقب، فيما تقول كندا إن المحادثات تتقدم مع كوريا الجنوبية.
وتهدف هذه الآلية أيضا إلى الإطلاق في عام 2027، لكنها مصممة كأداة مشتركة للمشتريات أكثر منها كبنك، إذ تتيح للأعضاء شراء المعدات وتخزينها بصورة جماعية وإبقائها خارج ميزانياتهم الوطنية.
وقالت وزيرة الخزانة البريطانية رايتشل ريفز في مجلس العموم الشهر الماضي، خلال مناقشة "خطة الاستثمار في الدفاع": "إن الآلية الدفاعية متعددة الأطراف ستمكّننا من الشراء المشترك وتخزين المعدات خارج الميزانية، بما يضمن أفضل قيمة مقابل المال لدافعي الضرائب". وبدلا من تصوير الآليتين كمشروعين متنافسين، تقدّم لندن المبادرتين على أنهما متكاملتان؛ إذ تقول ريفز إن بريطانيا تعمل مع كندا على كلتيهما، وإن بنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود سيُخصَّص بدرجة أكبر لإقراض شركات سلاسل التوريد الأصغر.
وتُبرز إمكانية تداخل هذه الأطر، إلى جانب أداة القروض الدفاعية "SAFE" التابعة للاتحاد الأوروبي، مدى العجلة، بل والنهج التجريبي، اللذين تتبناهما الحكومات الغربية في مسعاها لحشد رأس المال الخاص لصالح الدفاع. وتؤكد كندا أن الباب لا يزال مفتوحا أمام أعضاء جدد. وإلى حد كبير، سيتوقف مستقبل بنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود على ما إذا كانت أكبر اقتصادات أوروبا ستنضم إليه في نهاية المطاف، أم ستدعم مبادرات منافسة، أم ستواصل الاعتماد على الآليات القائمة داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيحسم ما إذا كان سيغدو ركنا رئيسيا في تمويل الدفاع الغربي أم سيظل مؤسسة أصغر حجما.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة