آخر الأخبار

إيرباص وبروكسل.. هل أصبحت قوانين أوروبا عبئا على صناعاتها الكبرى؟

شارك

لم تعد معركة إيرباص تدور حول بيع مزيد من الطائرات، فدفاتر طلبات الشركة الأوروبية ممتلئة، والطلب العالمي على السفر الجوي يواصل تعافيه، بينما تحافظ الشركة على موقع متقدم أمام منافستها الأمريكية بوينغ في قطاع الطائرات التجارية، ومع ذلك، تصاعدت في الآونة الأخيرة تحذيرات إدارة إيرباص من أن البيئة التنظيمية الأوروبية باتت تفرض أعباء متزايدة قد تقوض القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية في مواجهة أمريكا والصين.

ونقلت رويترز عن الرئيس التنفيذي لإيرباص غيوم فوري قوله خلال الشهر الجاري، إن "العبء التنظيمي الأوروبي يجعل المنافسة العالمية صعبة للغاية"، وذلك في وقت تتوقع فيه الشركة تسليم نحو 870 طائرة خلال العام الجاري رغم استمرار الضغوط المرتبطة بسلاسل التوريد.

وتتجاوز هذه الانتقادات حدود الخلاف التقليدي بين شركة والجهات التنظيمية، وتعكس نقاشا أوسع داخل أوروبا بشأن مستقبل نموذجها الاقتصادي؛ فبينما تسعى بروكسل إلى ترسيخ مكانتها بوصفها رائدة عالميا في مجالات المناخ والاستدامة، تتزايد المخاوف من أن تؤدي كثافة القواعد التنظيمية إلى إضعاف القاعدة الصناعية الأوروبية في مواجهة منافسين يعتمدون سياسات أكثر مرونة ودعما للصناعة.

انتقادات متصاعدة.. وليست حادثة معزولة

نقل موقع "ساينس بيزنس" في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 عن فوري وصفه بعض القواعد الأوروبية بأنها "غير قابلة للإدارة"، معتبرا أن أهداف إزالة الكربون مشروعة، لكن آليات تنفيذها قد تأتي بنتائج عكسية.

مصدر الصورة فوري: الأعباء التنظيمية الأوروبية تهدد القدرة التنافسية للصناعة (أسوشيتد)

وأشار آنذاك إلى أن المستثمرين أصبحوا يتساءلون عن جدوى الاستثمار في أوروبا في ظل تعقيد البيئة التنظيمية، محذرا من انتقال رؤوس الأموال إلى أسواق أكثر جاذبية.

كما انتقد غيوم فوري، وفق ديجيتال ووتش أوبزيفيرتوري"، قواعد المنافسة الأوروبية التي يرى أنها تعيق تكوين كيانات صناعية كبيرة قادرة على مجاراة شركات أمريكية مثل " سبيس إكس"، لا سيما في ظل المحادثات المتعلقة بدمج بعض أنشطة الفضاء التابعة لإيرباص مع شركتي ليوناردو الإيطالية وتاليس الفرنسية.

إعلان

ويرى مراقبون أن الهدف من هذه التصريحات ليس رفض التنظيم من حيث المبدأ، بل التأثير في المراجعات التشريعية المرتقبة داخل الاتحاد الأوروبي.

أين يكمن "العبء التنظيمي"؟

يتصدر نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS) قائمة الاعتراضات المطروحة من قطاع الطيران.

فحسب بيانات أوردتها منصة "أيروسبيس غلوبال نيوز"، خفض الاتحاد الأوروبي المخصصات المجانية لشركات الطيران بنسبة 25% في 2024، ثم 50% في 2025، قبل إلغائها بالكامل اعتبارا من مطلع 2026، ما يعني إلزام الشركات بشراء حصص انبعاثات لتغطية كامل الانبعاثات المشمولة بالنظام.

وبالتوازي مع ذلك، دخلت قواعد مبادرة "إعادة تزويد الطيران الأوروبي بالوقود المستدام" حيز التنفيذ، لتفرض نسبا متزايدة من وقود الطيران المستدام في مطارات الاتحاد الأوروبي، ووفقا للإدارة الأمريكية للتجارة الدولية، ارتفعت النسبة الإلزامية إلى 2% في 2025، ومن المقرر أن تصل إلى 6% بحلول 2030، ثم 20% في 2035، قبل أن تبلغ 70% بحلول منتصف القرن.

مصدر الصورة تحذيرات إيرباص الأخيرة انعكاس لمخاوف أوسع تتجاوز حدود قطاع الطيران التجاري (غيتي)

لكن العديد من العاملين في القطاع يرون أن المشكلة تكمن في الفجوة بين الطموحات التنظيمية والقدرات الإنتاجية الفعلية، فقد أشارت شركة "كابوستون" الاستشارية إلى أن عددا كبيرا من مشاريع الوقود الاصطناعي لا يزال بانتظار قرارات الاستثمار النهائية، بينما يرى محللون أن الأهداف الأوروبية الحالية قد تكون أكثر طموحا من الإمكانات المتاحة.

كما أن المفوضية الأوروبية أقرت ضمنيا بوجود أعباء زائدة عندما أطلقت حزم التبسيط التشريعي الأوروبية الهادفة إلى تبسيط قواعد الإفصاح والاستدامة وتقليص المتطلبات الإدارية. وأكد مجلس الاتحاد الأوروبي أن هذه الخطوات تستهدف تعزيز القدرة التنافسية للقارة.

هل تدعم الأرقام رواية إيرباص؟

تبدو إيرباص في وضع قوي نسبيا، وتشير تقديرات "سيف فلاي أفياشن" إلى أن طراز A320neo تستحوذ على نحو 60% من سوق الطائرات ضيقة البدن، متقدمة على طائرات 737 MAX التابعة لبوينغ، كما تستهدف الشركة تسليم نحو 870 طائرة خلال 2026، بعد تسليم 793 طائرة في العام السابق.

لكن في المقابل، تواجه الشركة تحديات تشغيلية كبيرة، من بينها اختناقات سلاسل الإمداد ونقص المحركات لدى الموردين الرئيسيين مثل سي إف إم إنترناشونال وبرات آند ويتني.

الصين تستخدم الطيران كورقة نفوذ

أضافت التطورات الصينية بعدا جديدا لتعقيدات المشهد، فحسب تقرير نشرته بلومبيرغ في مايو/أيار 2026، أبطأت السلطات الصينية بعض إجراءات الاعتماد اللازمة لتشغيل طائرات إيرباص، ما أدى إلى تعطيل تسليم نحو 20 طائرة.

مصدر الصورة المنافسة الصينية المتصاعدة عامل ضاغط على عمالقة صناعة الطائرات (رويترز)

وجاء ذلك بالتزامن مع سعي شركة كوماك الصينية للحصول على اعتماد أوروبي لطائرتها C919، في خطوة تعد محورية لطموحات بكين في منافسة إيرباص وبوينغ.

وتشير بيانات شركة "سيريوم" المتخصصة في بيانات وتحليلات الطيران إلى أن إيرباص سلمت 16 طائرة فقط إلى شركات الطيران الصينية خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مقارنة بـ47 طائرة خلال الفترة نفسها من العام السابق.

إعلان

ويرى محللون أن الصين بدأت تنظر إلى إجراءات الاعتماد باعتبارها أداة ضمن المنافسة الصناعية، وليست مجرد مسألة فنية مرتبطة بالسلامة.

بروكسل تدافع عن نموذجها

في المقابل، لا تعتبر المؤسسات الأوروبية أن انتقادات إيرباص دليل على فشل السياسات الصناعية، بل تراها جزءا من نقاش مشروع حول كيفية تحقيق التوازن بين التنافسية والاستدامة.

وتؤكد بروكسل أن التنظيم يمكن أن يشكل حافزا للابتكار، مستشهدة بتجارب أوروبية سابقة في قطاعات السيارات وسلامة الأغذية، حيث تحولت المعايير الأوروبية إلى مرجع عالمي.

ولهذا، لا تتحدث المفوضية عن التخلي عن التشريعات البيئية، بل عن تبسيطها وتحسينها، وهو ما انعكس في "بوصلة التنافسية الأوروبية" التي أطلقتها في يناير/كانون الثاني 2025.

التحذير الأكبر

اكتسب النقاش زخما إضافيا بعد صدور تقرير ماريو دراغي بشأن مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية، فقد حذر الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي من اتساع الفجوة بين أوروبا وكل من أمريكا والصين في مجالات الابتكار والاستثمار والإنتاجية، مشيرا إلى أن الشركات الأوروبية تعمل ضمن بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الطاقة، وتجزيء أسواق رأس المال، وتعقيد الإجراءات التنظيمية.

مصدر الصورة تحذيرات دراغي انعكاس لمخاوف متزايدة بشأن مستقبل الصناعة الأوروبية (الفرنسية)

ورغم أن التقرير لم يدعُ إلى تفكيك المنظومة التنظيمية الأوروبية، فإنه شدد على ضرورة إعادة تصميمها بما يحافظ على الأهداف البيئية دون إضعاف القاعدة الصناعية للقارة.

ولا تبدو إيرباص وحيدة في هذه المخاوف، فقد دعت مجموعة من الشركات الأوروبية الكبرى، إلى إنشاء صندوق سيادي أوروبي وتوسيع تطبيق مبدأ "اشترِ أوروبيا"، وفق تقرير لشبكة سي إن بي سي في مارس/آذار 2025.

وأعربت شركات طيران أوروبية والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) وتحالف "إيرلاينز فور يوروب" عن مخاوف مماثلة تتعلق بسرعة تطبيق متطلبات الوقود المستدام مقارنة بوتيرة تطور القدرات الإنتاجية.

لكن هل التنظيم هو المشكلة الحقيقية؟

تواجه إيرباص تحديات بخلاف التتظيم الأوروبي، تتمثل في اضطرابات سلاسل التوريد، ونقص المحركات، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.

كما أن المنافسة الصينية تعتمد على دعم حكومي واسع النطاق وسوق محلية ضخمة، فيما تستفيد الشركات الأمريكية من سوق موحدة ورأس مال أكثر عمقا وسياسات صناعية أكثر وضوحا.

بالتالي، قد يكون جزء من المشكلة مرتبطا بالبنية الاقتصادية الأوروبية الأوسع، وليس بالتشريعات وحدها، ومن المتوقع أن تشكل المراجعات المقبلة لسياسات الطيران الأوروبية اختبارا حقيقيا لهذا الجدل.

مصدر الصورة مستقبل الصناعة الأوروبية رهين بقدرتها على التكيف مع عالم يتسم بمنافسة أكثر شراسة (رويترز)

ومن المرتقب مراجعة نظام تداول الانبعاثات الأوروبي خلال 2026، بينما تخضع قواعد مبادرة "إعادة تزويد الطيران الأوروبي بالوقود المستدام" لتقييم خلال 2027. وتشير تحليلات كابستون إلى أن هذه المراجعات قد تفتح الباب أمام تعديلات في الجداول الزمنية ومتطلبات الوقود الاصطناعي إذا ثبت أن القدرات الإنتاجية لا تواكب الأهداف المعلنة.

معضلة جديدة

لا يتعلق النقاش بالاختيار بين التنظيم والتحرر الاقتصادي، بل بكيفية تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الطموحات البيئية وضمان قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة والاستثمار والنمو.

ولهذا، تبدو مواجهة إيرباص مع بروكسل أكثر من مجرد خلاف بين شركة وجهة تنظيمية؛ فهي تعكس اختبارا حقيقيا لقدرة أوروبا على تطوير نموذج اقتصادي جديد يحافظ على تنافسيتها من دون التخلي عن أهدافها الاستراتيجية.

وإذا كانت إحدى أبرز قصص النجاح الصناعي الأوروبي ترى أن قواعد القارة أصبحت أكثر ثقلا، فإن السؤال الذي يواجه صناع القرار في بروكسل لم يعد يتعلق بالحاجة إلى التنظيم، بل بنوع التنظيم القادر على حماية مستقبل الصناعة الأوروبية في عالم تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار