آخر الأخبار

نساء أردنيات يصنعن الاقتصاد الصغير.. مشاريع تكبر وأثر يمتد

شارك

في منزلها بالعاصمة الأردنية عمّان، تستيقظ شهناز بني طعان باكرا لتبدأ يوما جديدا من إعداد الأطباق التراثية التي حملتها معها من مسقط رأسها في بلدة بيت راس شمالي الأردن.

وبينما تتصاعد رائحة "المكمورة" و"قراص العيد" و"تشعاشيل"، وهي أطباق تشتهر بها محافظة إربد شمال الأردن من مطبخها، لا تنظر السيدة المتقاعدة إلى مشروعها بوصفه وسيلة لتحصيل دخل إضافي فحسب، بل باعتباره رسالة للحفاظ على الموروث الأردني، ونقل نكهات الأجداد إلى الأجيال الجديدة، وتحويل التراث الشعبي إلى مصدر رزق مستدام.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 الهدر الدوائي بملايين الدنانير في الأردن.. أزمة صامتة بين تكرار الوصفات وتكدس الأدوية
* list 2 of 4 كيف تتعامل الأسر الأردنية مع ارتفاع كلفة الاحتفال بعيد الأضحى؟
* list 3 of 4 صندوق النقد يوصي بتعزيز استقلالية البنوك المركزية بالشرق الأوسط
* list 4 of 4 أموال المغتربين الأردنيين بمواجهة الأزمات.. ركيزة للأسر ودعامة للدينار end of list

قصة شهناز ليست استثناء، ففي مختلف محافظات الأردن، تتجه نساء أردنيات إلى إنشاء مشاريع منزلية صغيرة في مجالات الأغذية التراثية والحرف اليدوية والمخبوزات والخدمات المنزلية، في محاولة لخلق فرص عمل لأنفسهن ولأسرهن، وسط معدلات بطالة مرتفعة بين النساء وصعوبات مستمرة في الوصول إلى الوظائف التقليدية.

وتعكس هذه المشاريع ملامح ما بات يُعرَف بـ"الاقتصاد الصغير"، وهو الاقتصاد القائم على المبادرات الفردية والمشاريع المنزلية والإنتاج المحلي، الذي أصبح يشكل مصدرا مهما للدخل لدى آلاف الأسر الأردنية.

تكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في ظل استمرار الفجوة بين معدلات بطالة الذكور والإناث. وبحسب أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، بلغ معدل البطالة بين الأردنيات 32.7% خلال الربع الأول من عام 2026، وهو معدل يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بالذكور.

من التقاعد إلى مشروع يحيي التراث

بعد أكثر من 22 عاما أمضتها موظفة في الجامعة الأردنية، قررت شهناز بني طعان أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها المهنية، لكن هذه المرة من داخل منزلها.

لم تكن فكرة الجلوس في المنزل خيارا بالنسبة لها، بعد التقاعد المبكر عام 2012، فاختارت استثمار خبرتها وشغفها بالأكلات التراثية الشمالية في مشروع منزلي متخصص بإعداد أطباق شعبية اشتهرت بها منطقة شمال الأردن.

إعلان

وأوضحت شهناز للجزيرة نت أن الإقبال على منتجاتها لم يعد يقتصر على سكان المنطقة، بل يمتد إلى المغتربين الأردنيين الذين يزورون المملكة خلال الصيف، أو يطلبون هذه المنتجات عبر أقاربهم، بحثا عن نكهة ترتبط بالذاكرة والهوية.

وتعتمد شهناز بشكل رئيسي على التسويق الإلكتروني عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تعرض منتجاتها وتتلقى الطلبات من مختلف المحافظات، مؤكدة أن وسائل التواصل أصبحت أداة لا غنى عنها لنجاح المشاريع المنزلية.

لكن الأهم بالنسبة لها هو الرسالة التي تحاول إيصالها للنساء الأخريات، فهي ترى أن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال، بل مصدر للطاقة والثقة والاستقلالية، وتؤكد أن كل امرأة تمتلك مهارة يمكن أن تحولها إلى مشروع منتج مهما كانت الظروف.

مصدر الصورة المهندسة وسام جابر تعمل بفن المكرميات (الجزيرة)

فن المكرميات

تعمل المهندسة المعمارية الأردنية وسام جابر على تصميم وتنفيذ قطع فنية يدوية باستخدام فن المكرمية، الذي يعتمد على نسج الخيوط وتشكيلها عبر العقد المختلفة لإنتاج جداريات ومرايا وحوامل نباتات ومفارش وأدوات زينة منزلية.

وتنجز وسام أعمالها في أوقات فراغها، إذ تستغرق بعض القطع عدة ساعات من العمل المتواصل، مع تنفيذها بألوان وأحجام مختلفة وفق طلب الزبائن.

وقالت وسام للجزيرة نت إن توجهها إلى فن المكرمية جاء بديلا مؤقتا عن الرسم، الذي تمارسه إلى جانب تخصصها في الهندسة المعمارية، بسبب تأثير روائح الألوان على أطفالها الصغار.

وتحول فن المكرمية بالنسبة إليها إلى مساحة للتعبير الإبداعي ومصدر دخل إضافي، إذ تسوق منتجاتها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتسعى مستقبلا إلى دمج خبرتها في الهندسة المعمارية مع أعمال المكرمية لتطوير قطع فنية وتصاميم أكثر تنوعا.

مصدر الصورة الأردنية يسرى الحياري وسط منتجاتها التي تستخرجها من خيرات منزلها الريفي (الجزيرة)

الطبخ الشعبي بوابة إلى العالم

في مدينة السلط، اختارت يسرى الحياري طريقا مختلفا للحفاظ على التراث وتحويله إلى مشروع اقتصادي.

تقدم يسرى الأكلات الشعبية الأردنية بالطريقة التقليدية التي اعتادت عليها الجدات، مستخدمة الحطب وأساليب الطهي القديمة التي بدأت تختفي تدريجيا من الحياة اليومية.

وتقول يسرى الحياري للجزيرة نت إن مشروعها انطلق بدافع الحفاظ على الموروث الشعبي الأردني وإحيائه للأجيال الجديدة، لكنه تحول مع الوقت إلى وجهة يقصدها زوار من داخل الأردن وخارجه.

ويشمل مشروعها إعداد أطباق شعبية مثل المنسف والمقلوبة والمجدرة والرشوف والفطور الفلاحي، وهي أطباق أصبحت جزءا من التجربة السياحية والثقافية التي يبحث عنها الزوار العرب والأجانب.

مصدر الصورة مشروعات صغيرة الحجم لكنها كبيرة التأثير (الجزيرة)

وتشير إلى أن طلبات تصلها من زوار قادمين من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، مما يؤكد أن التراث المحلي يمكن أن يتحول إلى منتج اقتصادي قادر على جذب الزبائن من مختلف الجنسيات.

وتضيف أن نجاح المشروع لم يكن نتيجة رأس مال كبير، بل ثمرة سنوات من الخبرة والإصرار والعمل المتواصل، إلى جانب المحافظة على الجودة والأصالة.

جيل جديد من الرائدات

لا تقتصر المشاريع النسائية على الأكلات التراثية فقط، ففي قطاع المخبوزات والحلويات المنزلية، وجدت الشابة الأردنية مريم محمود صايمة فرصة لبناء مشروعها الخاص بعد رحلة من التعلم الذاتي والقراءة والتجربة.

إعلان

بدأت مريم بتطوير مهاراتها في إعداد الحلويات والمخبوزات من المنزل، قبل أن تطلق مشروعا صغيرا يعتمد على التسويق الإلكتروني للوصول إلى الزبائن.

وتؤمن أن المشاريع المنزلية تمثل فرصة حقيقية للفتيات اللاتي لم يتمكنّ من الحصول على وظائف في سوق العمل، خصوصا أن كثيرا من هذه المشاريع لا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة عند الانطلاق.

وبحسب مريم، تبقى مشكلة التسويق أبرز العقبات التي تواجه المشاريع الصغيرة، خاصة مع المنافسة الكبيرة على منصات التواصل الاجتماعي وارتفاع تكاليف الإعلانات الرقمية.

وترى مريم في حديث للجزيرة أن جودة المنتج وحدها لم تعد كافية، بل أصبح النجاح مرتبطا بالقدرة على الوصول إلى الجمهور وبناء قاعدة من العملاء والمحافظة على ثقتهم.

الاقتصاد الصغير بأرقام كبيرة

رغم أن هذه المشاريع تبدو صغيرة على المستوى الفردي، إلا أن أثرها الاقتصادي يتجاوز حدود المنازل التي تنطلق منها.

وفق بيانات غرفة صناعة الأردن، أصبحت المرأة عنصرا أساسيا في النشاط الاقتصادي والصناعي بالمملكة، إذ تشكل نحو 37% من إجمالي القوى العاملة الصناعية، بينما يوفر القطاع الصناعي وحده فرص عمل لأكثر من 42 ألف امرأة أردنية.

مصدر الصورة الشابة مريم صايمة اختارت صناعة الحلويات وتسويقها إلكترونيا ليكون مصدر رزق لها (الجزيرة)

ورغم قصص النجاح المتزايدة، ما تزال صاحبات المشاريع يواجهن تحديات متعددة، أبرزها محدودية التمويل، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، وارتفاع تكاليف التسويق الرقمي، إضافة إلى المنافسة المتزايدة.

كما تواجه بعض النساء تحديات اجتماعية تتعلق بنظرة المجتمع إلى العمل المنزلي أو محدودية الفرص التدريبية المتاحة لهن في بعض المناطق.

ومع ذلك، تشير التجارب الميدانية إلى أن الإصرار والتكنولوجيا الحديثة ساهما في تجاوز جزء كبير من هذه العقبات، خصوصا مع انتشار التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت للمشاريع المنزلية الوصول إلى أسواق أوسع من أي وقت مضى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار