في مطلع عام 2026، كانت أسواق الصرف الأجنبي ترسم ملامح عالم تقليدي إلى حد ما: اقتصاد أمريكي يتباطأ بما يكفي ليتيح لمجلس الاحتياطي الفدرالي خفض الفائدة مرتين، وبنك مركزي أوروبي حذر، ومعظم البنوك المركزية الأخرى راضية باتّباع دفة واشنطن.
لكن اندلاع النزاع في إيران أطاح بهذا السيناريو تقريباً بين ليلة وضحاها.
قفزت أسعار الطاقة، وتبدّلت توقعات التضخم، وبدأت البنوك المركزية تتحدث عن رفع الفائدة. أما الاحتياطي الفدرالي، الذي يواجه مزيجاً من تضخم تقوده الطاقة وضبابية متزايدة بشأن النمو، فآثر التريّث.
هذا التباين فتح الباب أمام طيف واسع من العملات لتحقيق مكاسب أمام الدولار الأمريكي، لكن لكل عملة صاعدة حكايتها الخاصة.
سجّل الريال البرازيلي مكاسب تقارب 11% منذ بداية العام، في أفضل أداء لأي عملة رئيسية أمام الدولار الأمريكي في 2026. ويتحرك وراء ذلك عاملان يعملان في الاتجاه نفسه.
أول هذه العوامل هو **العائد التفاضلي**، أو ما يُعرف بتجارة الفائدة "الكاري تريد". فمعدل "سيليك" المرجعي في البرازيل يبلغ 14.75%، وحتى بعد أن خفّضه البنك المركزي بمقدار 25 نقطة أساس في 18 آذار/مارس، ما زال أعلى بنحو 11 نقطة مئوية من هدف الاحتياطي الفدرالي.
هذا الفارق يقترب من أعلى مستوياته منذ دورة التشديد العالمية في 2022، ويخلق حافزاً ميكانيكياً قوياً: فالمستثمر الذي يقترض بالدولار الأمريكي ويستثمر العائد في أصول مقومة بالريال البرازيلي يجني هذا الفارق كدخل صافٍ يومياً ما دام سعر الصرف مستقراً.
وحين يزداد الريال قوة فوق ذلك، كما حدث هذا العام، تتراكم العوائد بسرعة.
هذه هي تجارة الفائدة في أبسط صورها، وتقدّم البرازيل حالياً أعلى عائد من هذا النوع بين جميع الأسواق الناشئة ذات السيولة المرتفعة.
العامل الثاني هو **السلع الأساسية**. فالبرازيل أكبر مصدّر في العالم لفول الصويا وخام الحديد ولحوم البقر والسكر، كما أنها منتج مهم للنفط الخام.
وعندما ترتفع الأسعار العالمية للسلع، كما حدث في بيئة صدمة الطاقة في 2026، تتحسّن شروط التبادل التجاري للبرازيل، وتزداد إيرادات التصدير، ويتعزّز الطلب على الريال عبر قناة مستقلة تماماً.
تفاعل عائد الفائدة مع هذه المداخيل الإضافية من السلع يعزز أحدهما الآخر، ولهذا تفوّق الريال حتى على عملات أخرى عالية العائد تفتقر إلى مزيج الصادرات البرازيلي.
رفع بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة النقدي في 17 آذار/مارس إلى 4.1% بعد زيادة في شباط/فبراير، في قرار دفع الفارق بين الفائدة الأسترالية والأمريكية إلى المنطقة الإيجابية لأول مرة منذ عام 2017.
بعد سنوات ظلت فيها الفائدة الأسترالية أدنى من نظيرتها الأمريكية، يشير هذا التحول إلى تغيير حقيقي في توجه السياسة النقدية النسبية، وهو ما يعكسه ارتفاع الدولار الأسترالي بنحو 7% منذ بداية العام.
وتسير الكرونة النرويجية على النهج نفسه تقريباً، إذ ارتفعت هي الأخرى ما يقرب من 7% منذ مطلع 2026. وبوصفها مصدّراً مهماً للنفط، تُعد النرويج من الاقتصادات القليلة التي تتحسّن شروط التبادل التجاري لديها مع ارتفاع أسعار الخام.
وقد تبنّى بنك النرويج المركزي نبرة تميل إلى التشديد في تواصله، كما استفادت العملات الإسكندنافية عموماً من السردية المتشددة للتشديد النقدي في أوروبا.
وينسحب القالب ذاته على البيزو الكولومبي: فصادرات النفط تهيمن على إيرادات البلاد الخارجية، والعملـة تتحرك هذا العام بشكل وثيق مع أسعار الطاقة.
تحقيق الفورنت الهنغاري مكاسب بنسبة 6.32% منذ بداية العام يخفي حدة التحوّل الأخير؛ ففي الأسبوعين الماضيين وحدهما قفزت العملة بنحو 8%، ما يضع شهر نيسان/أبريل 2026 على مسار ليكون أفضل شهر للفورنت منذ تموز/يوليو 2020.
وكان المحفز واضحاً تماماً. ففي 12 نيسان/أبريل أُجريت انتخابات برلمانية في هنغاريا خسر فيها فيكتور أوربان، الذي ظل في الحكم ستة عشر عاماً متتالية، بصورة حاسمة أمام بيتر ماغيار، الذي حصد أغلبية ثلثي مقاعد البرلمان.
بالنسبة لأسواق الصرف، لم يكن ذلك مجرد تغيير روتيني في الحكومة، بل إعادة تسعير كاملة لمخاطر هنغاريا السياسية.
ففي عهد أوربان، كانت هنغاريا في مواجهة طويلة الأمد مع الاتحاد الأوروبي بشأن معايير سيادة القانون، ما أدى إلى تجميد مليارات اليورو من أموال الهيكلة الأوروبية.
وصول حكومة مؤيدة للاتحاد الأوروبي تحمل تفويضاً إصلاحياً يغيّر المعادلة بالكامل؛ إذ ترى الأسواق مساراً موثوقاً لتطبيع العلاقات مع بروكسل وفك تجميد الأموال المتوقفة، بما يزيل علاوة المخاطر السياسية التي أثقلت كاهل الأصول الهنغارية لسنوات.
وأشار فرانتيشيك تابورسكي، استراتيجي أسواق الصرف والدخل الثابت لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في "ING"، في مذكرة بتاريخ 14 نيسان/أبريل، إلى أن موجة الصعود التي أعقبت الانتخابات قادها خصوصاً الطرف الطويل من منحنى العائد، حيث تفوقت أسعار الفائدة على السندات وارتفع سعر الصرف بوتيرة أبطأ من المتوقع، في إشارة إلى أن مراكز استثمار كبيرة كانت قد بُنيت في السوق قبل الاقتراع.
وخلف هذه القصص المنفصلة جميعاً يقف محرك كلي واحد: عجز مجلس الاحتياطي الفدرالي عن التحرّك في مواجهة تضخم يغذّيه النزاع المسلح.
ففي حين أوضح الاحتياطي الفدرالي أنه سيتعامل مع صدمة التضخم الناتجة عن النفط كعامل عابر، اتجهت بنوك مركزية أخرى في الاتجاه المعاكس؛ إذ رفع بنك الاحتياطي الأسترالي الفائدة بالفعل، وتبحث عدة مؤسسات أخرى بجدية في زيادات جديدة.
وتُظهر أسواق التوقعات على منصة "Polymarket" أن احتمال إقدام البنك المركزي الأوروبي على رفع الفائدة في 2026 يبلغ 76%، واحتمال قيام بنك إنجلترا بذلك 57%، وبنك كندا 36%، مقابل 15% فقط لمجلس الاحتياطي الفدرالي؛ وهي صورة تعكس تباعد السياسات النقدية بوضوح أكبر من أي توقعات تقليدية.
وطرح كبيرا المحللين في بنك "Danske" أنتّي إلفونن ورونه تيغه يوانسن مبرراً هيكلياً لقيود الاحتياطي الفدرالي في تقريرهما "Global Inflation Watch" الصادر في نيسان/أبريل.
فقد ارتفع التضخم العام في الولايات المتحدة بنسبة 0.9% على أساس شهري في آذار/مارس، ليصل إلى 3.3% على أساس سنوي، مدفوعاً بقفزة قدرها 10.9% في مكوّن الطاقة. أما التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، فجاء عند 0.2% على أساس شهري، أي دون توقعات السوق البالغة 0.3%، بينما تراجع مؤشر خدمات "السوبر كور" من 0.35% إلى 0.18%.
وخلصا إلى أن الأثر التضخمي للحرب ما زال حتى الآن متركزاً تقريباً بالكامل في قطاع الطاقة، مع انتقال محدود جداً إلى المكونات الأساسية الأخرى للتضخم.
وهذا التمييز يدعم توقعهما بأن يستأنف الاحتياطي الفدرالي خفض الفائدة في أيلول/سبتمبر.
في المقابل، سلّط جورج كول وويليام مارشال، استراتيجيا أسعار الفائدة في "Goldman Sachs"، الضوء على حجم التحول في الضفة الأخرى من المعادلة.
فقد ارتفعت العوائد في جميع أسواق مجموعة الدول العشر "G10" منذ اندلاع الحرب في أواخر شباط/فبراير، ويتوقع "Goldman" الآن أن ترفع ستة بنوك مركزية في هذه المجموعة أسعار الفائدة خلال 2026، ارتفاعاً من ثلاثة فقط قبل النزاع.
وقال كول: "حتى الآن، طغت الجوانب التضخمية لصدمة أسعار السلع على المخاوف المتعلقة بالنمو".
ولا يزال الاحتياطي الفدرالي البنك المركزي الوحيد المتوقع أن يُقدم على خفض الفائدة. فحتى 15 نيسان/أبريل، تشير الأسعار الضمنية في السوق إلى احتمال يبلغ 38% فقط لخفض واحد على الأقل هذا العام، بحسب بنك "BBVA".
وقال داريوش كوفالتشيك، رئيس إستراتيجية الأصول المتعددة لمنطقة آسيا في "BBVA": "نعتقد أن تسعير السوق لا يزال أقل ميلاً إلى التيسير مما ينبغي، ونتوقع أن يتجه إلى استيعاب خفض واحد على الأقل للفائدة في وقت لاحق من هذا العام".
ما لم ترَ الأسواق تدهوراً حاداً في آفاق نمو الاقتصاد العالمي، فمن المرجح أن يظل التسعير الجديد لمسارات البنوك المركزية ثابتاً.
وبالنسبة لعملات السلع الأساسية على وجه الخصوص، مثل الكرونة النرويجية والدولار الأسترالي والبيزو الكولومبي، يبقى المتغير الحاسم الآخر هو النفط.
ولفت "BBVA" إلى تقديرات وكالة الطاقة الدولية "IEA" التي تشير إلى أن استعادة 50% من حجم صادرات الخليج الفارسي قبل الحرب عبر مضيق هرمز ستستغرق أسبوعين بعد إعادة فتحه، وأن الوصول إلى 80% سيحتاج إلى شهر تقريباً.
وأي عودة أسرع من المتوقع لإمدادات الطاقة إلى طبيعتها من شأنها أن تقلّص العلاوة السلعية التي دفعت هذه العملات إلى الأعلى.
وأبدى فرانشيسكو بيسولي من "ING" نبرة حذرة حيال الصورة الأوسع. فقال هذا الأسبوع: "لا تزال الأسواق تميل بقوة إلى تفسير متفائل للأحداث. وهذا يعني أن كثيراً من الأنباء الإيجابية باتت مُسعَّرة بالفعل، ما يزيد من احتمال تعافي الدولار إذا تجددت التوترات".
فالعملات المتصدرة لقائمة الأداء هذا العام ارتفعت على افتراض استمرار تدفق الأنباء الجيدة. وإذا خابت هذه الفرضية، فقد يكون الهبوط المرتد بالحدة نفسها التي شهدها الصعود.
المصدر:
يورو نيوز