آخر الأخبار

الدفاع أولا.. كيف تخنق فاتورة التسلح المالية العامة للدول؟

شارك

لم يكن التحول الأبرز في نقاشات الدفاع العالمية عام 2026 ناتجا عن تعديل تقني في الموازنات، بل عن رقم صريح أُعلن سياسيا. ففي يناير/كانون الثاني الحالي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن ميزانية الدفاع لعام 2027 "يجب أن تصل إلى 1.5 تريليون دولار"، مقارنة بـ901 مليار دولار أُقرت لعام 2026، أي زيادة تقارب 600 مليار دولار خلال عام واحد، وفق بيانات الميزانية الفدرالية.

وبرر ترامب الزيادة بإيرادات الرسوم الجمركية، وهو طرح أثار جدلا واسعا في ظل العجز القائم وارتفاع كلفة الدين. وبهذا الإعلان، خرجت ميزانيات الدفاع من إطارها الأمني لتتحول إلى اختبار اقتصادي كلي يطال النمو، و التضخم، و أسعار الفائدة، واستدامة المالية العامة داخل أميركا وخارجها.

عسكرة الموازنات قبل إعلان ترامب

وقبل هذا الإعلان، كانت ميزانيات الدفاع العالمية قد دخلت بالفعل مرحلة تصاعد غير مسبوقة. ووفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في عام 2024 نحو 2.718 تريليون دولار، بزيادة حقيقية نسبتها 9.4% مقارنة بعام 2023، وهو أعلى مستوى مسجل تاريخيًا.

مصدر الصورة التوسع السريع في ميزانيات الدفاع يمثل اختبارا مباشرا لاستدامة المالية العامة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية (الفرنسية)

وأشار المعهد إلى أن هذا الإنفاق يعادل نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويستحوذ على قرابة 7.1% من إجمالي الإنفاق الحكومي العالمي، مع تسجيل أكبر زيادات في أوروبا والشرق الأوسط.

ويُظهر هذا المسار أن رقم ترامب لم يكن بداية مرحلة جديدة بقدر ما كان تتويجا لاتجاه قائم، أعاد تحويل التسلح من ملف أمني إلى متغير بنيوي في الاقتصاد العالمي.

الولايات المتحدة.. توسع استراتيجي وحدود مالية ضيقة

وأقرّ الكونغرس الأميركي ميزانية دفاع لعام 2026 بقيمة 901 مليار دولار، لكن طرح ترامب لميزانية تبلغ 1.5 تريليون دولار في 2027 أعاد رسم التوقعات المالية. ونقلت وكالة رويترز عن محلل أول في وكالة موديز، ديفيد روغوفيتش، تحذيره من أن "زيادة بهذا الحجم، خصوصا إذا مولت عبر الدين، ستوسع العجز المالي الأميركي، وترفع عبء الفائدة، وتقلص المرونة المالية للحكومة".

إعلان

وبحسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي لعام 2025، فإن تنفيذ هذا المسار قد يرفع مدفوعات الفائدة على الدين العام إلى أكثر من 17% من إيرادات الحكومة الفدرالية بحلول عام 2027، وهو مستوى يحد بشدة من قدرة الدولة على تمويل بنود غير دفاعية.

وقدر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أن إيرادات الرسوم الجمركية لا يمكنها تغطية أكثر من 5% إلى 6% من الزيادة المقترحة، ما يترك فجوة تمويلية كبيرة.

أوروبا.. إعادة التسلح تحت قيود العجز


* في ألمانيا، خصصت الحكومة في موازنة 2026 نحو 82.7 مليار يورو (نحو 97 مليار دولار) للإنفاق الدفاعي، وفق الخطة المالية متوسطة الأجل. ويحذر مجلس الخبراء الاقتصاديين الألمان من أن هذا المسار، رغم مبرراته الجيوسياسية، يزاحم استثمارات البنية التحتية والطاقة، ويضعف الأثر التحفيزي عند تجاوز 2.5% من الناتج المحلي، مع زيادة هشاشة الدين العام.
* وفي فرنسا، بلغت ميزانية الدفاع لعام 2026 نحو 57.1 مليار يورو (حوالي 67 مليار دولار)، بزيادة 6.7 مليارات يورو، وفق مشروع قانون المالية، فيما تشير دراسة في مجلة المراجعة الاقتصادية الأوروبية لعام 2025 إلى أن مضاعف الإنفاق الدفاعي لا يتجاوز 0.75، مقابل أكثر من 1.2 للبحث العلمي والبنية التحتية.
* أما في المملكة المتحدة، فبلغت ميزانية الدفاع لعام 2025/2026 نحو 62.2 مليار جنيه إسترليني (حوالي 83 مليار دولار)، مع خطة للزيادة إلى 73.5 مليار جنيه (نحو 98 مليار دولار) بحلول 2028/2029، غير أن تقارير اقتصادية تحذر من أن التضخم وكلفة الردع النووي تلتهم جزءا كبيرا من هذه الزيادات
مصدر الصورة أوروبا تواجه معضلة مزدوجة بين متطلبات الأمن والانضباط المالي المفروض بقواعد العجز (رويترز)

آسيا.. الدفاع كرافعة صناعية لا مجرد إنفاق


* في الصين، بلغت ميزانية الدفاع لعام 2025 نحو 1.78 تريليون يوان (نحو 256 مليار دولار)، بزيادة 7.2%، مع توقع استمرار المسار نفسه في 2026، ويرى باحثون في مجلة الاقتصاد بجامعة تسينغهوا أن هذا الإنفاق مرتبط مباشرة بأهداف التحديث الصناعي، خاصة في الذكاء الاصطناعي والفضاء وسلاسل الإمداد.
* وفي الهند، تتجه الحكومة إلى رفع الإنفاق الرأسمالي الدفاعي بمعدل 8–10% سنويًا، وفق تقارير نقلتها رويترز، بالتوازي مع تخفيف قيود الاستثمار الأجنبي في الصناعات الدفاعية لتحويل الإنفاق إلى طاقة إنتاجية محلية وتقليل الضغط على الحساب الجاري.
* أما اليابان، فقد خصصت في 2026 نحو 8.809 تريليونات ين (حوالي 56 مليار دولار) ضمن برنامج "تعزيز القدرات الدفاعية"، مع دمج ممنهج بين السياسة الدفاعية والسياسة الصناعية طويلة الأجل، خاصة في التقنيات مزدوجة الاستخدام.
مصدر الصورة الاقتصاد المصري أكثر هشاشة أمام ضغوط الأمن الإقليمي في ظل محدودية الحيز المالي (رويترز)

الشرق الأوسط.. الدفاع أولوية هيكلية


* في مصر، تبلغ الموازنة العامة لعام 2025/2026 نحو 4.6 تريليونات جنيه مصري (حوالي 97 مليار دولار) دون تفصيل للإنفاق الدفاعي، بينما تقدر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري بنحو 3.1 مليارات دولار في 2023، مع توقعات بانكماش لاحق بفعل ضغوط الدين الخارجي والصراعات الإقليمية.
* وفي السعودية، خُصص في موازنة 2026 نحو 240 مليار ريال سعودي (حوالي 64 مليار دولار) للدفاع، أي 18% من الإنفاق الحكومي، وسط تقلب أسعار النفط وارتفاع الفائدة.
* أما تركيا، فقد بلغت ميزانية الدفاع لعام 2026 نحو 822.9 مليار ليرة تركية (حوالي 19 مليار دولار)، مع تركيز على توطين الصناعات الدفاعية، غير أن التضخم وتراجع العملة يرفعان كلفة المدخلات المستوردة، وفق دراسات أكاديمية.
* وفي إسرائيل، خُصص نحو 112 مليار شيكل (حوالي 35.4 مليار دولار) للدفاع في 2026، لترتفع النسبة إلى أكثر من 6% من الناتج المحلي، وفق تقديرات مراكز أبحاث، عقب تصاعد التوترات الإقليمية.

حين يتحول الدفاع إلى عقيدة مالية

لم يعد الإنفاق الدفاعي بندا أمنيا، بل تحول إلى عقيدة مالية تؤثر في قرارات الموازنة والسياسة النقدية وأسواق الدين. وتظهر دراسات مقارنة أن التوسع العسكري غير المقترن بإنتاج مدني يولد ضغوطا تضخمية مزمنة ويجبر البنوك المركزية على التشديد، مع تآكل الأجور وتشوهات سعرية ناتجة عن "الاستهلاك العسكري".

مصدر الصورة الدين السيادي أصبح قناة رئيسية لانتقال المخاطر من المجال العسكري إلى الاقتصاد الكلي (الفرنسية)

وفي أسواق السندات، أعاد التمويل بالدين إحياء مزاحمة القطاع الخاص، إذ رفعت الإصدارات الدفاعية عوائد السندات الطويلة بين 40 و70 نقطة أساس خلال 2024–2025، ما زاد كلفة تمويل البنية التحتية والطاقة وأجّل استثمارات أكثر إنتاجية.

بين التحفيز المؤقت والاستنزاف الطويل

رغم تقديم الإنفاق الدفاعي كأداة تحفيز، تظهر دراسات أكاديمية أن أثره يتلاشى خلال 3 إلى 4 سنوات ما لم يُربط بسلاسل إنتاج مدنية. وتشير أبحاث في شبكات اقتصادية أوروبية ودوريات مقارنة إلى أن توسيع الدفاع على حساب البحث العلمي والبنية التحتية يضعف الإنتاجية ويقلّص الاستثمار الخاص، ليتحول التحفيز المؤقت إلى "استنزاف مالي مؤجل".

إعلان

وبحلول 2026، بات واضحًا أن رقم 1.5 تريليون دولار الذي طرحه ترامب يعكس مرحلة تُدار فيها القوة العسكرية بمنطق الاقتصاد الكلي، حيث لم يعد السؤال حجم الإنفاق بل نوعيته وأثره على الدين والتضخم والاستقرار طويل الأجل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار