تمثل استعادة الحكومة السورية سيطرتها على عدد من حقول النفط والغاز، بالتوازي مع استعادتها سدي تشرين والفرات وبحيرة الطبقة في شمال شرق البلاد، نقطة تحول حاسمة في مسار الاقتصاد الوطني، وفق خبراء.
ويرى مسؤولون وخبراء اقتصاد أن عودة هذه الموارد إلى إدارة الدولة تشكل خطوة استراتيجية لإعادة البناء على أسس أكثر استقرارا واستقلالية، بعد أكثر من عقد من الاستنزاف والتخريب.
وتستمد هذه التطورات أهميتها من كونها تعيد إلى الدولة السورية مصادر كانت تشكل قبل عام 2011 القاعدة الإنتاجية الرئيسية لقطاع الطاقة، إذ بلغ إنتاج النفط حينها نحو 400 ألف برميل يوميا، فيما امتلكت البلاد قدرة توليد كهربائية تقارب 9 آلاف ميغاوات بإنتاج سنوي ناهز 49.3 مليار كيلووات/ ساعة.
ومع توسع نطاق السيطرة الحكومية في شمال شرق البلاد، عاد مستقبل هذه الموارد إلى واجهة النقاش الاقتصادي، ضمن مقاربة رسمية تضع إطارا انتقاليا يبدأ باستعادة الإدارة والسيطرة، تمهيدا لإعادة التأهيل ثم رفع الإنتاج.
باشرت الشركة السورية للبترول تنفيذ الإجراءات الفنية الأولية لتقييم الواقع التشغيلي في حقول النفط والغاز شرق الفرات فور تثبيت السيطرة الحكومية على المنطقة.
وقال مدير إدارة الاتصال في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد للجزيرة نت إن الفرق الفنية أجرت تقييما أوليا لعدد من الحقول ومحطات الغاز شرق الفرات، بينها العمر وجفرة وكونيكو، موضحا أن البنية التحتية تعرضت لدمار واسع.
وأضاف أن إنتاج حقل العمر لا يتجاوز حاليا 5 إلى 6 آلاف برميل يوميا، بعد أن كان من أكبر الحقول المنتجة قبل الحرب، فيما لاتزال محطة كونيكو للغاز متوقفة بالكامل، مع التحضير لأعمال صيانة أولية لإعادتها جزئيا إلى الخدمة بالاعتماد على كوادر محلية.
وأشار شيخ أحمد إلى أن الإنتاج المحلي بدأ فعليا بعد استعادة السيطرة، غير أن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب تحتاج وقتا طويلا، مؤكدا أن تحقيق الاكتفاء الذاتي أولوية قبل التفكير في استئناف التصدير خلال عام إلى عامين.
وبدأت الشركة السبت بالفعل استخراج النفط من الحقول المحررة، حيث وصل 20 صهريجا من النفط الخام إلى الشركة السورية للنفط في بانياس كأول دفعة بعد السيطرة على منطقة الجزيرة.
وبيّن المسؤول أن الحقول التي عادت لسيطرة الدولة كانت تنتج قبل الحرب أكثر من 100 ألف برميل يوميا، في حين يتراوح الإنتاج الحالي بين 20 و26 ألف برميل فقط.
وأشار إلى توجه حكومي للتواصل مع شركات محلية كانت لديها عقود سابقة، إلى جانب التعاقد مع شركات جديدة، بينها أديس السعودية وكونوكو فيليبس، فضلا عن مشاورات أولية مع شركات عالمية لاستثمار النفط البحري مثل شيفرون الأميركية.
وبحسب شيخ أحمد، تلقت الشركة السورية للبترول عروضا استثمارية واسعة، إذ أبدت نحو 100 شركة اهتمامها بالاستثمار النفطي في سوريا.
وأكد أن استكمال السيطرة على الحقول المتبقية من شأنه تلبية جزء من احتياجات الدولة المقدرة بنحو 2.5 مليون برميل شهريا، إضافة إلى احتياجات منطقة شرق الفرات التي لا تزال قيد التقدير.
وشدد شيخ أحمد على أن تحقيق الاكتفاء الذاتي هدف استراتيجي على المدى المتوسط، لما له من أثر مباشر في تخفيف الأعباء عن المواطنين، وخفض أسعار المحروقات، وزيادة فرص العمل، ودعم الاقتصاد الوطني، فضلا عن تمويل مشاريع إعادة الإعمار.
وختم بالإشارة إلى خيارين لإعادة التأهيل: الاعتماد على كوادر وشركات محلية أو على شركات أجنبية، مرجحا الخيار الثاني نظرا لحجم الأضرار والحاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات.
بالتوازي، تشكل استعادة السيطرة على سدود شرق الفرات خطوة أولية على طريق استعادة القدرة الإنتاجية في قطاعي الكهرباء والزراعة.
وقال مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة السورية عبد الحميد سلات للجزيرة نت إن استعادة إدارة سدود الفرات وتشرين وكديران تمثل خطوة استراتيجية في إصلاح قطاع الكهرباء، لكنها لا تعني تحقيق نتائج فورية.
وأوضح أن الطاقة الإسمية للسدود تقارب 1600 ميغاوات، في حين لا يتجاوز الإنتاج الفعلي حاليا 130 ميغاوات، بسبب الجفاف وتراجع الوارد المائي والحاجة الماسة إلى الصيانة وإعادة التأهيل.
وأكد سلات أن عودة الإدارة الحكومية تتيح تشغيل المنشآت بعقلية مستدامة، وتنفيذ برامج صيانة وإدارة الموارد المائية بشكل علمي، بما يسمح برفع الإنتاج تدريجيا وتحسين استقرار الشبكة الكهربائية على المدى المتوسط.
وأشار إلى أن سد الفرات وبحيرته يشكلان ركنا أساسيا للأمن المائي والزراعي في شرق وشمال البلاد، وأن استعادة السيطرة تتيح تأمين الري لمئات آلاف الهكتارات، وإحياء الزراعة وزيادة إنتاج المحاصيل الإستراتيجية وخلق فرص عمل ريفية.
بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم قوشجي للجزيرة نت أن استعادة موارد النفط والمياه تعزز الإيرادات العامة، وتساعد في تقليص العجز المالي وتمويل الرواتب والدعم ومشاريع إعادة الإعمار دون الاعتماد الكامل على المساعدات الخارجية.
وأضاف أن تقليص استيراد المشتقات النفطية يخفف الضغط على الليرة السورية، ويمنح السياسة النقدية مرونة أكبر، إلى جانب توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
وأكد قوشجي أن التحكم بمصادر الطاقة يمنح الدولة أدوات سيادية في إدارة الاقتصاد، ويعزز استقلالية القرار الاقتصادي، مشددا على أن الطاقة تشكل قاعدة لا غنى عنها لتحريك قطاعات الصناعة والزراعة والنقل.
المصدر:
الجزيرة