في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما نفذت القوات الأميركية عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس في 3 يناير/كانون الثاني، قدّمت واشنطن الحدث بوصفه ذروة مسار قضائي طويل مرتبط بملفات تهريب المخدرات.
غير أن اللغة القانونية، مهما بدت مكتملة، تخفي خلفها مسارا اقتصاديا أكثر تماسكا، لعبت فيه مصالح شركات الطاقة الأميركية دورا محوريا في دفع السياسة الأميركية من مرحلة العقوبات والاحتواء إلى التدخل القسري المباشر.
لسنوات، لم تكن فنزويلا بالنسبة لواشنطن مجرد أزمة دبلوماسية، بل معضلة مالية غير محسومة. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لكن هذه الثروة ظلت محجوبة خلف سياسات التأميم، و العقوبات، ونزاعات التحكيم الدولية التي تركت شركات طاقة أميركية أمام أصول مجمّدة ومطالبات مالية غير قابلة للتحصيل.
وبهذا المعنى، لم يأتِ اعتقال مادورو بوصفه قطيعة مفاجئة، بل كنقطة نهاية لمسار سياسي صيغ بدرجة كبيرة وفق منطق النفط والميزانيات، لا وفق منطق العدالة الجنائية وحده.
وتعود جذور التصعيد الحالي إلى قرارات تأميم قطاع النفط خلال عهد هوغو شافيز، والتي أنهت سيطرة الشركات الأميركية على الحقول الفنزويلية. ورغم صدور أحكام تحكيم دولية بمليارات الدولارات لصالح شركات مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، فإن تحويل هذه الأحكام إلى أموال فعلية ظل شبه مستحيل بفعل الحصانة السيادية والعقوبات والجمود السياسي.
اقتصاديا، لم تختفِ هذه النزاعات، بل تراكمت، ومع مرور الوقت، جرى دمج المطالبات القانونية ضمن بنية أوسع من العقوبات الأميركية، صُممت ليس فقط لخنق إيرادات كاراكاس، بل أيضا للحفاظ على "خيار الاسترداد" في المستقبل. وقد أشار محللون في قطاع الطاقة إلى أن العقوبات لم تكن أداة ردع أخلاقي بقدر ما كانت إطارا ماليا مؤجل التنفيذ، يُعيد ترتيب من يملك حق الوصول إلى عائدات النفط عندما تتغير المعادلة السياسية.
من هنا، يصبح التصعيد منطقيا من منظور اقتصادي بحت، فعندما تُعاد صياغة السياسة الخارجية حول السيطرة على الإيرادات بدل تغيير السلوك، يصبح الانتقال من الضغط الاقتصادي إلى الإكراه السياسي خطوة متوقعة، حتى وإن بدت متطرفة.
ولا تجسّد هذه الديناميكية أكثر من شيفرون، ففي حين خرجت معظم الشركات الأميركية من فنزويلا، احتفظت شيفرون بحضور محدود عبر مشاريع مشتركة مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية "بي دي في إس إيه"، مستندة إلى إعفاءات مدروسة من نظام العقوبات الأميركية، هذا الوضع لم يجعلها مراقبا محايدا، بل أداة سياسية واقتصادية في آن واحد.
إذ إن كون شيفرون الشركة الأميركية الكبرى الوحيدة العاملة داخل القطاع النفطي الفنزويلي حوّل رخصتها إلى صمام تحكم سياسي. فواشنطن كانت قادرة على توسيع أو تضييق هذا الهامش وفق أهدافها، ما خلق تطابقا بين مصلحة الشركة وخيار التصعيد.
فأي إضعاف لسيطرة الدولة الفنزويلية على إدارة النفط كان يعني تلقائيا تعزيز موقع شيفرون بوصفها لاعبا أوليا في أي مرحلة "ما بعد مادورو".
وقد تعزز هذا التصور في الأشهر التي سبقت القبض على الرئيس مادورو، حين خضعت إعفاءات شيفرون للمراجعة المتكررة بدل الإلغاء، في إشارة إلى أن الهدف لم يكن حصارا شاملا، بل إعادة ضبط انتقائية لمسارات النفط.
ولم يقتصر تأثير الطاقة على الشركات المنتجة، فالمصافي الأميركية، خصوصا في ساحل الخليج، تعتمد تاريخيا على النفط الثقيل الذي يتلاءم مع بنيتها التقنية، وهو ما جعل الخام الفنزويلي ذا قيمة إستراتيجية متجددة. ومع القيود المفروضة على الإمدادات البديلة، عاد النفط الفنزويلي ليُنظر إليه كحل اقتصادي عملي.
بهذا المعنى، تحولت سياسة فنزويلا من ملف خارجي مجرد إلى قضية ذات عائد داخلي مباشر، تتعلق بهوامش أرباح المصافي واستقرار سلاسل الإمداد.
وقد ساعد هذا التحول على تطبيع خيارات أكثر حدة، عبر دمج التدخل الخارجي في خطاب "الكفاءة السوقية" و"الأمن الطاقي".
الدليل الأوضح على مركزية العامل النفطي جاء بعد القبض على مادورو، فبدل التوجه نحو مسار قضائي بحت، سارعت الإدارة الأميركية إلى إعلان خطط لإعادة تصدير عشرات الملايين من براميل النفط الفنزويلي التي كانت محجوبة بالعقوبات، مع وضع العائدات تحت إشراف أميركي مباشر.
هذا التسلسل الزمني كاشف بحد ذاته، فلو كان الهدف الأساس تطبيق القانون، لكان التركيز على الإجراءات القضائية. لكن الأولوية كانت للنفط، من يبيعه، من يدير عائداته، ومن يقرر مصيره.
ولا يتطلب هذا التحليل افتراض مؤامرة سرية، فالنفوذ في الاقتصاد السياسي الحديث لا يعمل بهذه الطريقة. إنه يتجسد عبر الحوافز البنيوية، وشبكات الضغط، وتصميم السياسات التي تجعل نتائج معينة أكثر ترجيحا من غيرها.
ولم تحتج شركات الطاقة الأميركية إلى المطالبة الصريحة باعتقال مادورو، يكفي أنها حافظت على الضغط لاسترداد الأصول، ودعمت أطر عقوبات تحفظ لها أفضلية مستقبلية، واستعدت للعودة السريعة.
بهذا المعنى، وفّرت اللغة القانونية الغطاء، لكن زخم القرار جاء من الحسابات النفطية.
بالنسبة لفنزويلا، يمثل ما جرى مساسا جوهريا بالسيادة، أما على المستوى الدولي، فإن السابقة أخطر، إذ توحي بأن النزاعات التجارية المؤجلة، حين تقترن بالموارد الإستراتيجية، قد تتحول إلى مبرر لتدخل مباشر، خاصة حين تتلاقى المصالح الاقتصادية مع السرديات الأمنية.
وكما قال دبلوماسي أوروبي بشكل غير رسمي، فإن ما حدث يشير إلى انتقال من "معاقبة الدول" إلى "إدارتها"، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالنفط، وما إذا كان هذا المسار سيؤدي إلى استقرار فنزويلا أو إلى تعميق تفككها لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات.
لكن ما بات واضحا هو أن الطريق إلى اعتقال مادورو لا يمكن فهمه دون وضع شركات الطاقة الأميركية في قلب القصة، لا كفاعلين خفيين، بل كقوى اقتصادية كبرى ساهمت تدريجيا في تضييق هامش الخيارات السياسية حتى بدا التدخل القسري، في حسابات واشنطن، خيارا "فعالا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة