في خطوة كانت منتظرة أعلن عبد القادر حصرية حاكم مصرف سوريا المركزي إطلاق عملة جديدة سيصار من خلالها إلى الوصول إلى حالة استقرار اقتصادي مستدامة في سوريا.
وتم وضع الأمر في سياق إنشاء حزمة سياسات نقدية تعالج حالة الاضطراب المالي والاقتصادي الذي لا تزال تعيشه البلاد بعد التغيير السياسي المتمثل في سقوط نظام الأسد وقيام سلطة جديدة في البلاد تهدف إلى القطيعة مع إرثه الذي لا يزال صامدا في حيز عملة محلية لا تزال تحمل صورته حتى اليوم.
وإذا كانت دمشق قد حسمت الجدل بشأن أن روسيا ستكون وجهتها القادمة في طبع العملة الجديدة حيث يتمتع الروس بخبرة كبيرة في هذا الشأن تحول دون القيام بأية عملية تزوير للعملة فإن الخلاف بين الاقتصاديين السوريين لا يزال قائما حول الجدوى الاقتصادية من حذف صفرين من العملة السورية والخوف من أن تؤدي تلك الخطوة إلى تداعيات اقتصادية قد يصعب على الحكومة الجديدة احتواؤها سيما وأن تجارب مشابهة في مجال حذف الأصفار لبلدان أخرى أكثر استقرارا من سوريا لم تكن مشجعة وصرفت اضطرابات في المشهد السياسي الداخلي.
فلمصلحة من سيحسم الجدل بين الفريقين المتخاصمين؟! وهل ستثبت السياسية النقدية السورية أنها تعرف موطئ قدميها جيدا في مسار طويل وشائك؟ أم أن منتقديها سيرفعون صوتهم عاليا بالقول: "وقد أسمعت لو ناديت حيا.. ولكن..؟؟؟؟!!!!!"
خطوة في مسار الإصلاح الاقتصادي
يرى الخبير الاقتصادي السوري مجد حميدي أن نية المصرف المركزي السوري حذف صفرين من العملة التي ينوي طبعها في روسيا خطوة محفوفة بالمخاطر ولكنها قرار في السياق الصحيح ولا غنى عنها لأسباب اقتصادية وآخرى عاطفية.
وفي حديثه لـRT أشار حميدي إلى أن الخطوة المرتقبة ستسهم في تعزيز عملية الإصلاح الاقتصادي والنقدي في سوريا من خلال تسهيل العمليات المالية وتعزيز ثقة المتعاملين على ما ذهب إليه حاكم مصرف سوريا المركزي.
وأضاف أن الأمر يتجاوز حالة اليسر في التعاملات المالية التي تبيحها عملية حذف الأصفار، في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها سوريا حاليا وفي ظل التضخم المرعب الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة والذي بلغ معدلات مرعبة، إلى إعادة تعزيز الثقة من قبل المواطنين والمستثمرين في النظام المالي، مشيرا إلى أن باكورة الإصلاح الاقتصادي في النظام المالي السوري تبدأ من حذف الأصفار. لكن الأمر وفق حميدي يحتاج إلى خلق آلية دقيقة لسحب الأوراق النقديه القديمة من السوق خلال مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر وعدم التدخل بأي شكل من الأشكال في عمل المصرف المركزي الذي ينبغي أن يحافظ على استقلاليته في العمل المتعلق بالسياسة النقدية وما ترتأيه هذه السياسة من عملية استبدال العملة أو حذف الأصفار بحيث تؤول الأمور في نهاية المطاف إلى خلق ثقة متينة مع المواطنين.
واستعرض المحلل السياسي أوجه النجاح في التجربة التركية عام 2005 والتي أفضت إلى قيام الحكومة التركية في حينه بحذف ستة أصفار من عملتها التي تضخمت على مدى عقود طويلة بحيث كان يتوجب على المواطن التركي حمل ملايين الليرات من أجل شراء سلعة بسيطة الأمر الذي دفع عرابي السياسة النقدية التركية آنذاك إلى عملية حذف الأصفار ضمن شبكة واسعة من الإصلاحات المالية والاقتصادية الأوسع والتي أعادت لليرة التركية شيئا من قوتها من خلال سياسات نقدية مدروسة بعناية شديدة ومدعومة دوليا، وهو الأمر الذي لا تحظى به سوريا حاليا بسبب العقوبات الغربية التي لم ترفع عنها بشكل نهائي.
وحول تكاليف طباعة الأوراق الماليه الجديدة لفت حميدي إلى أن الأمر ينطوي على كلفة عالية جدا في بداية الأمر، مشيرا إلى أن التميز الدولي في هذا الشأن ينحصر في بلدان ثلاثة هي روسيا والولايات المتحدة وألمانيا وهي دول تملك تكنولوجيا متطورة في طباعة العملة ولديها معايير أمان عالية تمنع التزوير وبناء على العلاقات التاريخية معها والتجارب السابقة في هذا المجال تبدو روسيا وفق حميدي مرشحة فوق العادة لطباعة العملة السورية الجديدة.
ثمة ما يثير القلق
وعلى الرغم من محاولة بعض الخبراء الاقتصاديين تغليب التفاؤل وتبني الخطوات التي أعلن عنها حصرية فإن هنالك من حاول قراءة الأمور من زاوية اقتصادية تثير الكثير من المخاوف بشأن إزالة الصفرين من العملة السورية.
فقد أكد الخبير الاقتصادي السوري حبيب غانم أن من ينتظر جدوى اقتصادية من وراء حذف الأصفار مع بقاء المؤشرات الاقتصادية الحالية على وضعها المتهالك فهو واهم وعلى عكس المرجو فإن هذه العملية تنطوي على الكثير من المغامرات والمخاطر.
وفي حديثه لـRT أوضح غانم أن هذه العملية لن تقوي الليرة السورية ولن تحد من خطورة التضخم الذي بلغ مستويات قياسية بسبب سياسة التمويل بالعجز التي اتبعها النظام السابق ومع استمرار غياب مقابل إنتاجي حقيقي في السوق المحلية. مشيرا إلى أن الدولار الواحد يعادل اليوم قرابة الـ11000 ليرة سورية وفي حال حذف الصفرين ستصبح قيمة الليرة مقابل الدولار 110 ليرة لكن القيمة الشرائية لها لن تتغير وستبقى نفسها بالنسبة لقيمة الدولار الحالي وبالتالي فإن الأمر وفق غانم سيبقى في سياق السعي لتجاوز إرث النظام السابق وإزالة رموزه من على وجهي العملة.
واستشهد الخبير الاقتصادي بحالة عدد من الدول التي حذفت الأصفار من عملتها دون أن يعني ذلك حصول أي تطور أو ارتفاع لمؤشراتها الاقتصادية مثل فنزويلا التي أزالت 18 صفرا على مدى سنوات وهي عملية وفق الخبير الاقتصادي لن تغن عن قيمة الليرة شيئا وإن انحصر نفعها في سياق سهولة التداول المالي من أجل عمليات البيع والشراء. فلا يتجشم المواطن السوري عناء حمل أكياس من المال بقيمة شرائية منخفضة.
وحصر غانم إيجابيات حذف الصفرين من العملة السورية بتسهيل المعاملات المالية وتعزيز ثقة المواطن بالعملة على خلفية نفسية صرفة لا ترتبط البتة ببقاء قيمتها الشرائية على حالها فضلا عن توفير أموال الطباعة والتداول بشكل تدريجي نتيجة حلول الفئات النقدية الصغيرة ( 10-25-50 ليرة جديدة) محل الأوراق الكبيرة الحالية (5000) ليرة الأمر الذي سيسهل بالتالي عملية وتخزين العملة.
وأبدى غانم قلقه الشديد من استنساخ التجارب الفاشلة لبعض الدول حول حذف الأصفار من العملة والتي كانت تسبقها أو تعقبها ارتفاعات ضخمة في سعر الصرف نتيجة إقدام مواطني تلك الدول على تحويل أموالهم إلى الدولار أو شراء الذهب للحفاظ عليها وهو أمر، إن حصل، في سوريا فستكون له عواقب وخيمة على سعر الصرف الذي قد يقفز وفق غانم إلى حدود الـ15000 ليرة للدولار الواحد.
ورسم الخبير الاقتصادي من وجهة نظره معالم السيناريو الأمثل للتعامل مع حالة العملة السورية والذي يتمثل في قيام المصرف المركزي السوري بطباعة العملة الجديدة مع احتفاظ الليرة السورية بقيمتها تجاه العملات الأجنبية إلى الوقت الذي تدور فيه عجلة الإنتاج الحقيقي في البلد وتتدفق الاستثمارات على نحو "حقيقي وليس استعراضي" كما يجري اليوم، الأمر الذي يمكن أن يسهم في إعادة الليرة إلى قيمتها الحقيقية في حين يرى غانم أن إزالة الأصفار في هذا التوقيت ستساهم في تعقيد المشهد المالي والنقدي في سوريا.
وشدد الخبير الاقتصادي على وجوب استقلالية المصرف المركزي عن أية سلطة سياسية أو أمنية يكون لها حساباتها الخاصة بالتزامن مع إصلاح شامل للقطاع المصرفي يشجع على عملية الإيداع المالية ويضمن أمان الودائع ويطور البنية الرقمية التحتية وتفعيل سوق دمشق للاوراق المالية وتحويل السوق المحلية إلى سوق إنتاج حقيقي تنافسي وليس ريعيا بما يساهم في توزيع الدخل الوطني بشكل أكثر عدالة.
وشهدت الليرة السورية انهيارات كبيرة وصلت إلى حدود غير مسبوقة بسبب الصراع الطويل الذي شهدته البلاد والذي توج بسقوط النظام السابق فيما تعهد النظام الحالي بإعادة إعمار البلاد وجلب الاستثمارات الخارجية وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
المصدر: RT