في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أمام مشهد تشييع أكثر من 120 شهيدا، في 4 أغسطس/آب 2026، أقف غير حائرة، ولا أدعي أنني غير مصدقة؛ فقد رأينا الموت يحوم فوق غزة بلا برقع لثلاث سنوات، وعلى الهواء مباشرة. كل ما في الأمر، أن ذاكرتي استدعت فجأة لحظة مرور محمد عساف في برنامج "أراب أيدول".
شهداء عائلات بأكملها تُسجّى أمامنا، في مشهد يبدو وكأنه يلخص مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني المعاصر. لماذا تذكرت عساف في هذه اللحظة بالذات؟ لأن غزة التي حاكت الأمل يوما، ها هي اليوم تشيعه.
أذكر كيف كنا نتحلق في السهرة، نراهن على صوته.. كان ذلك قبل 13 عاما تقريبا. بعد فوز محمد عساف باللقب، خرج الفلسطينيون والعرب إلى الشوارع. كان انتصارا رمزيا لفلسطيني استطاع أن يعبر الحصار ويصل إلى منصة عربية جامعة، وأن يقدم صورة مختلفة عن غزة: مدينة تعرف الغناء، وتحب الحياة. كانت تلك المرة الأولى التي عبرت فيها غزة منذ حصارها إلى الحياة، ورآها العرب حرة تغني.
لست هنا في معرض المقارنة بين محمد عساف والشهداء، إنما أقارن بين لحظتين فارقتين في الوعي العربي.
في عام 2013، كان العربي يبحث عن بطل مدني. بعد سنوات الربيع العربي، وما تلاها من انقسامات وهزائم سياسية، وجد الناس في عساف قصة يستطيعون الانتماء إليها. شاب خرج من مخيم في غزة، يحمل صوتا جميلا، ويتحدى الحدود والإغلاق، وينجح من دون سلاح أو سلطة أو مال. كان مشروعا عربيا جامعا، ربما لأن الجميع استطاع أن يرى نفسه فيه: الفلسطيني رأى كرامته، واللاجئ رأى حلمه، والعربي رأى إمكانية أن ينتصر الجمال على القبح.
أما اليوم، وهذا اليوم بالذات (وللمفارقة هو تاريخ الذكرى السنوية لتفجير مرفأ بيروت)، فإن أكبر جنازة في غزة تقدم صورة معاكسة تماما. لم يعد البطل هو الشاب الذي يغني للحياة؛ فالمشهد يدمي القلوب، ويُشعر أي حر في هذا العالم بالنقص والعجز والخذلان.
اليوم، تجتمع الجماهير العربية حول مأساة جماعية، تكشف عجز النظام الدولي، وانكسار النظام العربي، وتراجع قدرة الشعوب نفسها على تحويل التعاطف إلى فعل.
في المرتين، كانت غزة في مركز المشهد العربي. وفي المرتين، خرجت الجماهير تبحث عن معنى يتجاوز الحدث نفسه. لكن ما كانت تبحث عنه اختلف جذريا:
في زمن عساف، كان السؤال: هل ما زال الأمل ممكنا؟
أما في زمن الجنازة، فأصبح السؤال: كم بقي من القدرة على الاحتمال؟
"لعل المفارقة أكثر قسوة من الشبه بين اللحظتين؛ في عام 2013 كانت غزة تعبر نحو العالم العربي بصوت واحد وصل إلى كل بيت عربي. وفي 2026 تعبرها النعوش وسط صمت مئات الأصوات التي غابت دفعة واحدة"
في 2013، نقلت الكاميرات لحظة تتويج، وفي 2026 تنقل لحظة وداع، كادت تخلو من صحفيين يوثقونها. في 2013 كان التصفيق هو اللغة المشتركة، وفي 2026 صار البكاء هو اللغة المشتركة.
لعل المفارقة الأكبر أن محمد عساف كان محبوبا لأنه يغني بإتقان، ولأنه جسّد فكرة أن الفلسطيني يستطيع أن يكون رمزا للحياة والإبداع. لقد كسر صورة الضحية أو المقاتل، ومنح العرب فرصة نادرة لرؤية فلسطين بوصفها منتجة للفرح. أما اليوم، فإن حجم المأساة يعيد الفلسطيني، رغما عنه، إلى صورة الضحية المطلقة التي تستنزف التعاطف وتخنق الخيال.
لا أدري كم عدد الذين تابعوا التشييع، لكنّ المقارنة وإن كانت دون أرقام، تكشف تحولا مرعبا في المزاج العربي نفسه. ففي العقد الماضي، كان الجمهور يعتقد أن النجاح الفردي يمكن أن يكون مدخلاً لنهضة جماعية. أما اليوم، فتغلب مشاعر الإنهاك والعجز، حتى باتت الأحداث الكبرى تُستقبل بكثير من الحزن، وأقل بكثير من الإيمان بإمكانية التغيير.. وربما باللامبالاة أو الشعور بالخدر التام.
لذلك، فإن المسافة بين ليلة فوز محمد عساف ويوم أكبر جنازة في غزة تتخطى كونها مسافة بين احتفال وحداد، لتغدو مسافة بين زمن كان العرب يحلمون فيه بالخروج من المأزق، وزمن أصبحوا يحاولون النجاة منه. إنها انتقال قاهر من "فلسطين التي كانت تُلهم الأمل"، إلى "فلسطين التي أصبحت تختبر الضمير الإنساني والعربي كل يوم".. إنها مسافة تقف تماما على شفير موت أمة أو حياتها.
المصدر:
الجزيرة