في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة – "تغاريد تحت القصف"، مجموعة قصصية شارك في كتابتها أدباء وكتاب من فلسطين ومصر وعدد من الدول العربية، في محاولة لتحويل الأخبار العاجلة إلى حكايات إنسانية باقية، تحفظ الذاكرة وتمنح الضحايا، وخصوصا الأطفال، صوتا يتجاوز حدود المكان والزمان.
تضم المجموعة 39 قصة كتبها 39 كاتبا، تبدأ كل واحدة منها بتغريدة أو خبر حقيقي شكّل الشرارة الأولى للسرد، قبل أن تتطور إلى نص أدبي يستعيد ما خلفته الحرب من أحلام مكسورة وذكريات مؤجلة وأسئلة مفتوحة حول الحياة والموت والنجاة.
وتستند المجموعة الواقعة في 227 صفحة، والصادرة عن دار الصومعة للنشر والتوزيع والترجمة في مصر هذا العام، إلى وقائع وشهادات إنسانية حقيقية، مستلهمة تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف و الحصار والنزوح، لتقدم شهادة أدبية جماعية على واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ غزة الحديث.
ومن بين المشاركين في المجموعة الكاتب الفلسطيني أحمد عيسى، أحد الناجين من الحرب، ساهم بأربع قصص هي: "أغنية أخيرة"، "صدام الروح"، و"عبود"، و"أمنية الفتى الطائر"، مستنداً إلى مشاهدات وتجارب حقيقية عاشها خلال الحرب.
يقول عيسى للجزيرة نت: "صدمة الحرب والفقد ما زالت تسكن ذاكرتنا الحية. كانت الكتابة بالنسبة لنا محاولة للتعافي، واستعادة قصص حقيقية لأطفال فقدوا أحباءهم أو فقدوا حياتهم وسط أتون المعركة".
ويستحضر عيسى في "أمنية الفتى الطائر" قصة الطفل عماد، الناجي الوحيد من مجزرة استهدفت منزله، قائلاً: "الفتى كان يحب الوقوف قرب النافذة وكأنه يحلم بالطيران. وبعد قصف المنزل، قذفته قوة الانفجار إلى مسافة بعيدة، ليستقر جسده فوق شجرة على بعد أكثر من 100 متر، فيما استشهدت والدته وإخوته وأفراد من عائلته"، مضيفا: "لو رويت هذه القصة لمن لم يعش واقع غزة لظن أنها محض خيال أدبي، لكنها حدثت بالفعل أمام أعيننا"
يشير عيسى إلى أن الكتاب الفلسطينيين المشاركين كتبوا من واقع التجربة والمعايشة المباشرة، بينما استلهم المؤلفون العرب قصصهم من الأخبار والتقارير والشهادات الإنسانية، ومن بينها قصة "روح الروح" التي توثق استشهاد الطفلة ريم (3 سنوات) حفيدة الشيخ خالد نبهان الذي نعاها بروح الروح، ليلتحق بها شهيدا بعد ذلك ويجمعهما قبر واحد.
وقصة الطبيبة آلاء النجار، التي كانت شاهدة على محرقة أطفالها التسعة بينما كانت على رأس عملها تداوي الأطفال المصابين في مستشفى ناصر، وغيرها من القصص المأساوية.
ويرى عيسى أن الكتابة عن الإنسان الفلسطيني ليست ترفا أدبيا، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية. ويقول: "الوجع الفلسطيني حقيقي، والإنسان الفلسطيني لا يجوز أن يتحول إلى رقم في نشرات الأخبار. من واجب الأدب أن يعيد للضحايا أسماءهم ووجوههم وأحلامهم، وأن يخاطب العالم بلغة إنسانية تذكّر بأن وراء كل شهيد قصة حياة كاملة"
ويضيف: "نحن في الأدب اعتدنا على أنسنة الأمكنة والأشياء والذكريات، فكيف يمكن أن نغفل الإنسان نفسه، وهو جوهر الحكاية كلها؟"
وتعكس الأرقام حجم الكارثة التي يعيشها أطفال غزة. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الشهداء الأطفال 21 ألفا و283 طفلا من بين 72 ألفا و289 شهيدا حتى نهاية عام 2024، أي ما يقارب ثلث الضحايا.
كما استشهد 450 رضيعا و1029 طفلا لم يكملوا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 طفلا دون سن الخامسة، في مشهد يعكس حجم الخسائر التي طالت جيلاً كاملاً قبل أن يبدأ حياته.
ولم تقتصر المأساة على القصف المباشر؛ إذ توفي 157 طفلا بسبب الجوع، فيما قضى 25 طفلا آخرين نتيجة البرد والصقيع في خيام النزوح، بينما لا يزال نحو 9500 مفقود تحت الأنقاض، غالبيتهم من الأطفال والنساء.
أما على صعيد الإصابات، فقد بلغ عدد الجرحى حتى ذلك التاريخ 172 ألفا و40 مصابا، بينهم ما لا يقل عن 44 ألفا و486 طفلا، فيما يعاني أكثر من 10 آلاف و500 طفل إصابات غيّرت مجرى حياتهم، بينها أكثر من ألف حالة بتر أطراف، وسط انهيار المنظومة الصحية ونقص حاد في خدماتها العلاجية.
كما أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( يونيسيف) بأن أكثر من 58 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما نتيجة الحرب، ما تركهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أسري أو رعاية كافية.
وفي هذا السياق، تبدو "تغاريد تحت القصف" أكثر من مجرد مجموعة قصصية؛ فهي محاولة أدبية لحفظ ذاكرة جيل كامل، وتحويل الأخبار العابرة إلى شهادات إنسانية باقية، تذكّر العالم بأن خلف كل رقم طفلا كان يحلم بحياة طبيعية قبل أن تعيد الحرب صياغة عالمه بالكامل.
من جهته يرى مؤسس الفكرة، الكاتب والشاعر المصري سامي جويلي، أن المشروع جاء استجابة لعجز كثيرين عن تقديم شيء لغزة سوى الكلمة. ويقول للجزيرة نت: "حين عجزنا عن حمل شيء إلى غزة سوى أقلامنا، قررنا أن نقاتل بها. قيل لنا إن الأدب لا يوقف حربا ولا يطعم جائعا، لكن البديل كان الصمت، والصمت في مثل هذه اللحظات انحياز للرواية الأقوى لا للحقيقة"
ويضيف أنهم سعوا إلى تجاوز حدود التضامن العاطفي التقليدي، من خلال المزج بين التوثيق والأدب، بحيث تبدأ كل قصة بخبر حقيقي أو تغريدة توثق حدثاً وقع بالفعل، ثم تتحول إلى نص أدبي يكشف ما وراء الخبر من ألم إنساني. "أردنا أن يتحول الرقم إلى وجه، والخبر إلى حكاية، والضحية إنسانا له اسم وصوت وحلم"
ويتابع: "لم تتوقف الفكرة عند حدود الكتابة، بل خُصص جزء من عائدات السلسلة لدعم أطفال غزة، إيمانًا بأن المعركة ليست أدبية فقط، وإنما أخلاقية وإنسانية أيضا"
ويؤكد العديد من الكتاب المشاركين في المجموعة القصصية أن قوة الأدب تكمن في قدرته على ترسيخ الذاكرة الإنسانية في مواجهة النسيان، ويؤدي دورا جوهريا في حفظ أصوات الضحايا وتوثيق معاناتهم ضمن إطار إنساني يتجاوز اللحظة الآنية.
وفي هذا الجانب تقول الكاتبة مروة أبو العلا من مصر للجزيرة نت: "الأخبار تتدفق بسرعة، وقد يتحول الضحايا مع مرور الوقت إلى أرقام مجردة. أما القصة فتبقى؛ لأنها تخاطب المشاعر قبل العقول، وذاكرة المشاعر أكثر بقاء من ذاكرة الأخبار"
أما الكاتبة الجزائرية ابتسام فلاح، فترى أن الأدب يقدم الرواية التي تعجز الكاميرا عن نقلها. وتقول للجزيرة نت: "في (تغاريد تحت القصف) لا نكتب عن الأطفال فقط، بل نحاول أن نرى العالم من خلال عيونهم. القصة هنا أشبه بصندوق أسود لذاكرة يحاول الركام محوها، وهي محاولة لحفظ أصوات الأطفال وأحلامهم ودهشتهم المكسورة من الابتلاع في صمت النسيان"
وترى فلاح أن الكاتب في زمن الحروب لا يؤدي دور الفنان فحسب، بل يتحول إلى حارس للذاكرة وشاهد على الحقيقة.
وتذهب الناقدة الأدبية ريهام عبد الرازق، من مصر، إلى أن المجموعة لا تكتفي بتوثيق معاناة الأطفال، بل تطرح أسئلة إنسانية وفكرية أعمق تتعلق بالهوية والذاكرة ومعنى النجاة.
وتقول للجزيرة نت إن النصوص لا تتوقف عند سرد الألم، بل تكشف كيف أعادت الحرب تشكيل مفهوم الطفولة نفسه؛ "فالأطفال هنا لا يظهرون بوصفهم منشغلين باللعب والاكتشاف، وإنما شهودا على الحرب وناجين منها، يحملون أسئلة أكبر من أعمارهم وتجارب تفوق قدرتهم الطبيعية على الاحتمال"
وتضيف "الحرب اختزلت أحلام الأطفال إلى مطلب واحد كان يُعد بديهيا في أي مكان آخر: الأمان. كما تطرح القصص، بصورة غير مباشرة، تساؤلات حول أزمة الثقة التي ترسخت لدى جيل كامل من الأطفال تجاه النظام الدولي ومؤسسات الحماية الإنسانية بعدما شاهدوا عجز العالم عن وقف المأساة أو حمايتهم من آثارها"
وترى عبد الرازق أن الحدث الأعمق في المجموعة ليس القصف أو الدمار بحد ذاته، بل الانتظار؛ انتظار النجاة، وانتظار المساعدات، وانتظار المفقودين، وانتظار نهاية لا تأتي.
وتتابع: "هنا يتحول الزمن نفسه إلى جزء من المأساة، ويصبح الانتظار فعلا يوميا يستنزف الروح بقدر ما يستنزفها الخوف والجوع والفقد"
وبين الأرقام التي تسجلها الإحصاءات، والحكايات التي تحفظها الكتب، تظل "تغاريد تحت القصف" محاولة لإعادة الإنسان الغزي إلى قلب الرواية. فالحرب لا تقتل الأجساد وحدها، بل تحاول محو الذاكرة أيضاً، فيما يأتي الأدب ليقاوم هذا المحو، ويمنح الضحايا أسماء ووجوها وأصواتا لا يطويها النسيان.
وفي غزة، حيث كبر آلاف الأطفال على أصوات القصف بدل أجراس المدارس، وتحولت أحلامهم الصغيرة إلى أمنيات بالنجاة والأمان، تبدو هذه النصوص أكثر من مجرد قصص؛ إنها شهادات على زمن استثنائي عاشه جيل كامل تحت النار. شهادات تروي للعالم أن خلف كل خبر عاجل طفلا كانت له لعبة مفضلة، وبيتا ينتظره، ومستقبل كان يحلم به.
هكذا لا توثق "تغاريد تحت القصف" الحرب فحسب، بل توثق ما هو أبعد من الحرب: الإنسان الذي حاول أن يتمسك بالحياة وسط كل هذا الخراب، والطفولة التي قاومت الموت لتبقى حاضرة في الذاكرة، مهما طال الزمن ومهما تراكم الركام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة