تتسلل الحكايات الشعبية من بين شقوق ذاكرة المكان، تنطقها شفاه حفظتها عن ظهر قلب، وراحت ترددها خوفا من الضياع، بعد أن أقصتها كتب التاريخ عن ذكرها، فبقيت حبيسة الصدور؛ حكايات متشعبة تربط الأجيال ببعضها، عبر سرد حي ينبض بتجارب الرحالة والحكائين.
أولئك الذين كانوا نجوما في عصرهم، يتنقلون بين المقاهي والقصور في ليالي الشتاء، يروون القصص كما لو أنهم يحيونها بأصواتهم، حتى غدت الحكاية صنعة لها شهبندرها، و"حنا دياب" أحد أبرز وجوهها المنسية.
تقدم رواية "غرفة حنا دياب" للروائية السورية الحلبية الدكتورة شهلا العجيلي، والمتعطرة بعبق تاريخ حلب، رؤية معاصرة لزمن ماض يقدر بمئتي عام؛ حيث أننا لا نقرأ حكاية خيالية، إنما تاريخ حقيقي مدون بالأحاسيس، ومتخم بالأحداث، ومنقوش بالتراث.
ونتعرف من خلالها إلى أناس جمعتهم غرفة تتنفس بالحكايات، وتتقاطع فيها الأزمنة؛ غرفة وسط مدينة تتكلم من خلال جدرانها، قلعتها، أسواقها، بيوتها، قصورها، نسائها، تجارها، وأزمنتها المتقاطعة، وبطلها المنسي.
غرفة ككون مصغر، يتسع لحلب القرن 17، ولذاكرة امرأة (كندة الأشقر) تبحث عن أبيها المقتول في العصر الحالي، وعن معنى الحكاية في زمن الخراب.
تعتبر رواية غرفة حنا دياب واحدة من أميز الروايات التاريخية والمعاصرة التي استعرضت فيها الكاتبة تاريخ مدينة حلب من خلال سرد الحكايات والقصص الشعبية في زمنين مختلفين، لكنهما لا يزالان يشكلان الهوية الحلبية ذات الطابع الشعبي الفريد؛ سواء في علاقات الناس بعضهم ببعض (فتوح العارفين، ميسر الأوزبكية، غسان القزاز حفيد حسن وفتوح، كندة الأشقر ابنة محمد عابد)، أو في علاقة الحلبيين بالسلطة على مدى العقود الماضية (علاقة محمود زوج كندة وابن خالتها الثرية بالنظام في سوريا، وعلاقة الجوهري والد فتوح ونامق بك بالوالي العثماني والباب العالي).
إذ ظهرت حلب في الرواية كأنها حارة ضيقة صغيرة على الرغم من اتساعها الجغرافي والاجتماعي، لكن الروائية رسمت حلب في إطار لوحة ملحمية، لا سيما أنها ركزت على أدق التفاصيل اليومية في حياة الحلبيين من جهة، والاستغراق في معالم الأماكن من جهة أخرى.
أما حنا دياب، فشخصيته الغامضة في الفصل الأول شدت انتباه القارئ عن طريق المهمة الصعبة التي خاضت كندة غمارها؛ فحنا وغرفته المنسية أيقظا حس الاكتشاف البحثي لدى كندة، كخيط رفيع تركه والدها المغدور الدكتور محمد عابد الأشقر في أبحاثه الأدبية، فلم تعدم سبيلا إلا سلكته لبلوغ غايتها، حتى إنها أخذتنا إلى مغامرة فانتازية شيقة (استحضار الأرواح) من خلال شخصية الشابة البسيطة فاطمة – ابنة أخت غسان وحفيدة الجد حسن – التي راحت تلبي رغبات كندة لإحساسها بالظلم الذي لحق بها، إثر مقتل والدها محمد عابد الذي كان صديقا لعبد الرحمن الشقيق الأكبر لغسان.
دائما ما تكون النساء هن الحارسات الأمينات على ذاكرة المكان، فينسجن حول عائلاتهن حكايات تظل عالقة في شبكة أذهانهن؛ هن الراهبات اللواتي منحتهن الرواية صوتا مركزيا، بداية من صوت الراوية "كندة الأشقر" الباحثة عن حقيقة الغرفة المجهولة.
وبالرغم من تعدد شخصيات الرواية، وتداخل أحداثها، إلا أنهن أصبحن مرايا تعكس أبعادا مختلفة للمرأة، وهن "فتوح وميسر وهيلين" ثلاث مرايا للمرأة والمدينة والخذلان؛ لا بوصفهن موضوعا للحكاية، بل راويات وحكيمات ومنفيات، وكمن تعيد تشكيل العالم من شقوق الذاكرة. ثلاث شخصيات نسائية تتقاطع في الغرفة، كل واحدة منهن تحمل بعدا اعتباريا، وهن:
فتوح العارفين (صوت المدينة العميق): هذه الحكيمة والمتصوفة، العاشقة للشعر والموسيقى، المؤمنة بأن الحكايات هي تنبؤات وإشارات من السماء، كانت روح المقاومة التي لا تقهر. هي امرأة حزينة عادت إلى حلب بعد وفاة أمها في إسطنبول، وزوجها فيما قبل، لتعيش تحت كنف والدها التاجر الحلبي الكبير.
وبينما كانت في رحلة العودة على ظهر السفينة سمعت مصادفة صوت شاب يحكي حكاية من كتاب ألف ليلة وليلة، لتنام على وقع صوت هذا الراوي الهادئ، وحين تستيقظ تبحث عنه ولا تجده، ولا تعرف شيئا عنه أكثر من اسمه (حنا)، وعندما تدخل حلب تباشر في التنقل بين أحيائها حتى تجده، فتسكن في بيت صديقتها هيلين ابنة القنصل الإيطالي الذي يفصل بين بيتها وبيت حنا جدار وعيون.
ويحلل الناقد والكاتب ثائر الناشف شخصية فتوح بأنها ابنة العائلات التركية الحلبية الثرية والمقربة من السلطات العليا، لم تكن مجرد امرأة تقليدية حبيسة جدران البيت إلى حين حضور الخاطب، بل ظهرت كامرأة شغوفة بالعلم والمعرفة والموسيقى والأدب؛ ففتوح التي تعرفت على حنا دياب واستمعت إلى حكاياته، والتقت بالطبيب الإنجليزي باتريك الذي قدم لها العلاج أثناء إصابتها الخطيرة بحبة حلب (الاسم الشعبي الشائع لمرض داء الليشمانيات الجلدي)، وانفتاحها على رجال الكنيسة الأرثوذكسية في حلب، ومساهمتها في إكمال ونسخ الخطوط البديعة التي بدأها زوجها الراحل الشيخ موسى، يعكس من وجهة نظر الكاتبة سمات المرأة الحلبية ومجتمعها المنفتح والمتسامح مع الآخرين.
ميسر الأوزبكية (تحدي ألم الفقد): المرأة الجريحة صديقة فتوح، والتي ترفض أن تكون ضحية، فتكشف جراحها، وتعيد كتابة ذاتها من خلال ألم الفقد، متحدية السلطات بكل أنواعها، حيث آثرت أن تفتح صفحة جديدة في حياتها بعد الأسر والظلم الذي عانته، وعندما تتعرف إلى الطبيب الإنجليزي تسقط في شباك حبه، وتبدأ معه فصلا آخر من حياتها، تكتبه قصصا في كتاب ألف ليلة وليلة.
ويحلل الناقد ثائر الناشف، شخصية ميسر الأوزبكية حفيدة تيمورلنك؛ فرغم اختفائها في الرواية بعد غيرتها وصدمتها العاطفية بعشيقها السري الدكتور باتريك، بعدما رأته وهو يعاين جسد القتيلة أنستازيا المجرية مروضة الدبب، إلا أن الحضور المباشر والقوي لميسر في متن الرواية، يفهم منه أن أحياء حلب استقبلت ذات يوم الشعوب الآسيوية المهاجرة، إذ يشكل التركمان والأوزبك والقوقازيون جزءا مهما من هوية حلب المعاصرة.
هيلين الإيطالية (تجاوز حاجز اللغة): الوجه الآخر لـ حنا دياب، ابنة القنصل الإيطالي، صاحب النفوذ والسطوة والامتيازات الأجنبية، هذه الفتاة المدللة التي جعلت من غرفتها الملاصقة لغرفة حنا دياب قصر أحلام رفيقاتها، لأن الحكايات التي عبرت الجدار الفاصل قد مزجت بين ثقافتهن، متجاوزة حاجز اللغة.
ويشير الناشف في حديثه للجزيرة نت، إلى أن ثمة إشارات مهمة عرجت عليها الكاتبة أثناء السرد وكأنها رسائل عن سمات الحلبيين؛ أولها إسهام المسيحيين السوريين في نهضة حلب رغم تهميشهم من الباب العالي، ورفضهم لسياسات الوالي العثماني التي أرهقت كاهل الأهالي، وثانيها إبراز الحس القومي عند المسيحيين (الحوار بين فتوح والخوري يوحنا السرياني الذي أجابها عن هويته بأنه سرياني عربي)، هذا الحس ما انفك يصيب فتوح بعدما وجد والدها الجوهري نفسه في صراع مع الوالي العثماني بسبب اعتقال صديقه نامق بك.
فيما أغنت الحكايات المتفرقة ذات المغزى ودلالات الرواية؛ كحكاية الإمبراطورة ثيودورا، وأنستازيا المجرية، وهيلين الإيطالية، وميسر الأوزبكية، أما الدكتور باتريك الإنجليزي، فقد ظهر كمستشرق أوروبي في حلب لا يتوانى عن تدوين دقائق الأحداث والأشياء في مجلده.
في قلب الرواية التي نسجتها الروائية "شهلا العجيلي"، تبدلت "غرفة حنا دياب" من حيز معماري متداخل إلى كون سردي مكثف، تخفق بذاكرة مدينة تعرف ناسها ومساراتها كما تعرف خطوط يدها المتشابكة، وتتنفس بأنفاس من سكنوها وغادروها وهم يحملونها بين ضلوعهم. إنها غرفة تسكن إليها الحكايات وتنام بين مشربياتها وأبوابها، فتتحول إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه أزمنة حلب وإسطنبول، وتتصالح فيه أرواح المنسيين مع تاريخهم المنهوب.
من خلال جدران غرفة حنا دياب، تتكلم المدينة وتصير مرآة لعالمها الخارجي، وإناء لذاكرتها الجمعية، ومساحة لإعادة كتابة تاريخها من منظور من عاشوا فيها، لا من حكموها
ويرى الناشف أن الرواية قدمت حلب في زمن القناصل الأوروبيين، هذا الزمن الذي يعد من أهم المراحل التي عرفت فيها حلب اللغات الأجنبية والثقافات الأوروبية، فحامل تلك الثقافة شخصية هيلين ابنة القنصل الإيطالي؛ فهيلين ليست مجرد لسان أوروبي ناطق بالعربية بل هي جزء من الهوية الديموغرافية والجينية لحلب، فالكاتبة أرخت هنا لنقطة مفصلية في تاريخ حلب التي ضمت إلى صدرها كأم رؤوم جالية إيطالية (البنادقة سكان البندقية وفلورنسا) أصبحت تلك الجالية جزءا أصيلا من نسيج حلب الاجتماعي.
في هذا الفضاء السردي، تستعيد الكاتبة العجيلي شخصية غافلها النسيان، فضاع في متاهات الزمن، هو "حنا دياب الحلبي"، المولود في عام 1688، حيث صار جسرا ثقافيا بين الشرق والغرب. إنه الراوي الماروني الذي أتقن لغات العالم، وسافر إلى باريس، وحكى للمستشرق أنطوان غالان حكايات "علاء الدين" و"علي بابا"، لتصبح حكاياته جزءا من نسيج الخيال العالمي في "ألف ليلة وليلة".
وجاءت الرواية لتعيد له الاعتبار كرمزا للصوت المهمش والذاكرة المغيبة في مدينة اسمها حلب، والتي تتحول إلى شخصية رئيسية في هذا النسيج الروائي ككائن حي ينزف ويحلم ويتذكر، ومركزا تجاريا وثقافيا يربط العوالم ببعضها، قبل أن تتحول إلى ساحة لصراعات النفوذ الأوروبي والعثماني.
ولم تكن الروائية "شهلا العجيلي" الوحيدة التي كتبت عن حلب، فقد سبقها روائيون جاءوا على ذكرها فكانت مسرحا لأعمالهم؛ حيث تمتد جذور حضور حلب في الرواية العربية إلى عصر النهضة، مثل نيروز مالك في رواية (زهور كافكا)، وبورتريهات الراحل خالد خليفة في (حارس الخديعة عام 1990، دفاتر القرباط عام 2000، مديح الكراهية عام 2006)، ورواية (مترو حلب) لمها حسن (عام 2016)، والذين قدموا حلب برؤى متجددة جعلت من المدينة بطلة لا تقل أهمية عن شخوص الروايات.
شيدت الكاتبة عالمها الروائي على جسر يربط بين ضفتي الحكاية، بين حاضر ترويه كندة الأشقر، وماض مغيب لغرفة حنا دياب وفتياته العاشقات للحكايات، وذلك عبر سردها لماض قريب متداع، وكيف أنها تعرفت إلى غسان المهندس المعماري، وهما عازمان على رفع النقاب عن تاريخ الغرفة، متنقلة بين أحياء حلب وأسواقها حتى تجد الخيط الذي يربط غسان القزاز بماضي والدها القتيل.
ومن ثم تتوالى الأحداث فتتزوج محمود، وبعد سنوات تكتشف خيانته لها فتترك بيتها الزوجي وتنتقل إلى بيت والدها في وسط حلب، ولكن آثار الخراب زمن الثورة السورية يرمي بظلاله عليها، ما أدى إلى اعتنائها بزوجها العائد إليها ويسكنان معا في بيت والدها القديم.
وفي أثناء القصف المتبادل بين القوات العسكرية المتصارعة على مصير سوريا وحلب، ينزلان إلى قبو المنزل يختبئان، وهناك تجد مصادفة تسجيلات والدها وبصوته الخاص يحكي عن الغرفة وعن سيرة سيدات ثلاث كانت الغرفة سببا في اجتماعهن، ومن خلالهن تظهر حلب كمدينة للتاريخ والحضارة والأزمات والزلازل والحب والجمال والخيانة والدموع…
هذا التداخل بين الزمنين يخلق إحساسا بالتوازي مع تشكيل حوار وجودي بين الماضي والحاضر؛ فبحث كندة عن غرفة حنا دياب هو في جوهره بحث عن ذاتها، عن أب مفقود، وعن معنى للحكاية في زمن تحطمت فيه كل المعاني.
وبعد الانتهاء من تدوين حكايات والدها تقوم بتدوينها وهي تعلم على يقين أن غسان الذي أحبته استولى على الغرفة بمساعدتها من دون أن تدري، إلا أنها الآن تمتلك الحقيقة، الحقيقة التي لا يملكها غسان القزاز.
تتحول «الحكاية» في هذا العمل من مجرد أداة للتسلية إلى فعل مقاومة وجودي وسلاح ضد النسيان، ومنح صوت لمن صُمّتْ الآذان عن سماعهم
يأتي السرد في هذه الرواية كفعل مقاوم للزمن، فتتمرد الحكايات على سلطان التاريخ الذي يقصيها، حتى تخرج من تحت جلبابه، وتنطلق عبر الشفاه الحافظة وتستقر في القلوب قبل الصفحات. الرواية هي إعادة تأكيد لدور الراوي الشعبي، حامل ذاكرة الجماعة، الذي يصنع من الخيال تاريخا أكثر صدقا من التاريخ الرسمي.
فالسرد هنا يستخدم تقنيات الاسترجاع، والتخييل التاريخي، وتعدد الأصوات، ليمنح الرواية طابعا تشكيليا صوتيا، حيث لا صوت يعلو على الآخر، بل تتجاور الرؤى، وتتداخل الأزمنة، وتصبح الحكاية لوحة مصبوغة بالذكريات، لفهم الذات، وإعادة تشكيل العالم من منظور المرأة العائدة إلى دورها في صناعة التاريخ، لا فقط في العيش فيه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة