"أعرف أشخاصًا غيروا ملتهم للزواج مرة أخرى، حتى أن صديقتي تعرضت لتهديدات مُستمرة من زوجها بلجوئه إلى ذلك للزواج عليها".. هكذا تلخص ماري مراد (34 عامًا) جانبًا من المعاناة والجدل الذي أحاط بملف الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر على مدار عشرات السينين، قبل أن تُعلن الحكومة أول مشروع قانون للأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين في البلاد، والذي وصفه كثيرون بأنه "خطوة تاريخية" طال انتظارها.
ترى ماري، مواد مشروع القانون الجديد، "طفرة" حقيقية في الأحوال الشخصية للمسيحيين؛ كونه أغلق باب التحايل بـ "تغيير الملة" لإتمام الطلاق، وساوي في الميراث بين الرجل والمرأة، وأضاف مزيدًا من البنود عند الانفصال بخلاف شرطي "الزنا" وتغيير الملة - تغيير الانتماء الديني للحصول على الطلاق -، مثل استحالة العشرة بعد 3 سنوات من الانفصال الفعلي، وهو ما يُعرف في مشروع القانون بـ "الانحلال المدني"، وفق حديثها لـDW.
فيما يأمل مينا غالي (33 عامًا)، كاتب صحفي، أن يُحقق القانون المُنتظر قدرًا كبيرًا من الاستقرار الأسري والاجتماعي للمسيحيين، في ظل توحيد مرجعيتهم القانونية للأحوال الشخصية، مما سيُحد من تضارب الأحكام والإجراءات، فضلًا عن مراعاته للطابع الديني والإنساني في القضايا المتعلقة بالزواج والطلاق وبطلان الزواج والنفقة والحضانة .
يقول مينا لـ DW، إن أهمية القانون بالنسبة له ولغيره، لا تقتصر فقط على الجوانب التشريعية، بل تمتد إلى البُعد المُجتمعي؛ كونه يرسخ فكرة المواطنة واحترام التنوع الديني وخصوصية جميع فئات المُجتمع، فضلاً عن مساهمته في تقليل النزاعات وإطالة أمد التقاضي، ويمنح المواطنين المسيحيين شعورًا أكبر بالعدالة والطمأنينة؛ لتوافقه مع تعاليم الكنائس المصرية المختلفة ووجود حالة إجماع عليه من جميع الطوائف.
لا يوجد في مصر رقم دقيق ومُحدث مُعلن حول عدد المسيحيين؛ مع حرص الحكومة تجنب ذكر الديانة في التعدادات السكانية الرسمية، إلا أن البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كشف في لقاء إعلامي في 23 أبريل/ نيسان 2023 أن عدد المسيحيين في مصر 15 مليون مواطن، مع وجود نحو مليونين آخرين خارج الدولة.
في 13 أبريل/ نيسان من عام 2026، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي ، الحكومة بسرعة إحالة مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب لمناقشتها وإصدارها؛ لإنهاء التشتت الأسري والمشكلات المجتمعية، وتحديث الإطار القانوني بما يتضمن حلولاً جذرية لمشاكل الطلاق والنفقة والحضانة.
لم يمر سوى أسبوع واحد، حتى أعلن وزير العدل المصري محمد حلمي الشريف، على هامش اجتماع الحكومي الأسبوعي، عن إحالة المشروع إلى مجلس النواب المصري لمناقشته، تمهيدًا لإصدار أول قانون مصري للأحوال الشخصية للمسيحيين؛ تطبيقًا للمادة "الثالثة" من الدستور المصري الحالي، التي تنص على "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية".
وبحسب الوزير المصري فإن القانون صيغ بمراعاة أحكام الدستور، وجاء نابعاً من توافق تام بين الطوائف المسيحية الست "الأقباط الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس، والروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والأقباط الإنجيليين، والكاثوليك"، مع مراعاته لخصوصية أحكام كل طائفة من الطوائف في بعض الأمور ذات الطابع الروحي، مُلبيًا وعاكسًا لإرادات قيادات كل طائفة.
يأتي القانون الجديد في 7 أبواب رئيسية مكونة من 160 مادة موضوعية، فضلاً عن اشتراكه في 75 مادة مع مواد قانون الأسرة للمصريين المُسلمين، مع استحداثه مواد جديدة تستهدف إنهاء الخلاف في مسائل الخطبة، والطلاق والزواج الثاني والحضانة والميراث.
وتنص المواد "10- 13" في مشروع القانون على أن الزواج المسيحي رباط ديني مقدس دائم يتم علنًا بين رجل وامرأة من المسيحيين الصالحين للزواج، على أن يكونا من نفس الطائفة/ الملة في حالتي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أو الأرمن الأرثوذكس، أما باقي الطوائف فيجوز عقد الزواج بين أتباعها، وأن يكون الحد الأدنى له 18 عامًا، مع اشتراط موافقة ولى الأمر للقاصر، ولا ينحل الزواج إلا وفق نصوص هذا القانون دون غيره.
تعود محاولات صياغة المشروع الجديد إلى عام 1977 في عهد البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حينما اجتمع برؤساء الكنائس لإعداد مشروع قانون تشارك فيه جميع الطوائف المسيحية، وتم رفعه إلى وزارة العدل المصرية التي أجلته وأعادت فتح النقاش حوله عام 1988، والموافقة عليه من حيث المبدأ، ليظل حبيس الأدراج حتى عام 2016، بحسب المستشار منصف نجيب، ممثل الكنيسة القبطية في لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية الجديد.
يلفت نجيب في حديث تلفزيوني، إلى أن لجنة إعداد مشروع القانون المكونة من ممثلي الكنائس والمختصين تجتمع منذ 10 سنوات مضت لدراسة ومراجعة جميع الجوانب العقائدية والإجرائية الخاصة بالطوائف المسيحية الست للخروج بمشروع موحد يرضي الجميع.
غير أن طوال السنوات الماضية كان يُحتكم أغلب المسيحيين المصريين - بخلاف الكاثوليك الذين لا يؤمنون بوقوع الطلاق - إلى "لائحة 1938" التي صدرت عن المجلس الملي العام في ذات السنة، مُحددة 9 أسباب للطلاق من بينها ترك الملة والخيانة، والاعتداء الجسدي، والعجز الجنسي، قبل أن يجري تعديلها عام 2008 واقتصارها على ترك الملة والزنا فقط.
تسببت اللوائح القديمة في مشكلات كثيرة للمسيحيين، حيث تتكدس المحاكم حاليًا بأكثر من 270 ألف قضية تخص الطلاق وحده، لكن القانون الجديد يُعطي بارقة أمل بحل أكثر من 70 % من هذه المشكلات بعد تطبيقه، وفق حديث رئيس محكمة الأحوال الشخصية الأسبق ورئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل لـ DW.
يقول جبرائيل، إن من إيجابيات المشروع الجديد التوسع في "التطليق"، لاسيما في مسألة "الزنا الحكمي" - أي عند إثبات واقعة الزنا ليس من خلال "التلبس" بالفعل المادي، بل عبر قرائن وأدلة تؤكد وجود علاقة آثمة وخيانة - مثل سفر الزوجة مع شخص غريب أو وجود خطابات غرامية مُثبتة، هذا بجانب توسعه في "موانع/ بطلان الزواج" إلى درجات مُتعددة من "الغش" بحيث لا يقتصر الأمر على العجز الجنسي أو عذرية المرأة عند الزواج.
رغم تأكيد رئيس محكمة الأحوال الشخصية الأسبق، على أهمية القانون، فإنه لا يخلو من "السلبيات"، والتي يأتي في مقدمتها - وفق قوله - "إطالة أمد التقاضي". إذ يرى أن الإجراءات الجديدة الموضوعة قبل الطلاق مثل محاولات القاضي للصلح الإلزامي، وانتداب حكمين حال فشله، واستطلاع رأي الكنيسة لمدة 45 يومًا، وكذلك الاستماع إلى الشهود لإثبات الفرقة، ناهيك عن انتظار ثلاث سنوات قبل رفع الدعوى، كلها أمور تزيد من عبء ومُعاناة الأسرة المتقاضية.
ويُشدد جبرائيل، على أن الحل الأمثل لهذه المسألة هو تحديد سقف زمني للفصل في قضايا الطلاق لا يتجاوز 6 أشهر، مع إلغاء بند استطلاع رأي الرئاسة الدينية لعدم جدواه وكونه في الأساس "استشاري" غير مُلزم للمحكمة، معللاً ذلك بأن الزوجين لا يلجآن للقضاء إلا بعد استنفاد جميع الحلول الودية مع رجال الدين.
كما تُمثل المادة "الثالثة" من مشروع القانون والتي تنص على "سريان أحكام القانون على الدعاوى التي ترفع بعد تاريخ سريانه، وتظل الدعاوى التي رفعت قبل ذلك خاضعة لأحكام القوانين واللوائح السارية وقت رفع الدعاوى" عائقًا كبيرًا، ما دفع ماري مراد للتساؤل: "لماذا لا يُطبق القانون بأثر رجعي لحل جميع المشكلات العالقة مُنذ سنوات؟".
في هذا الشأن، يشير المستشار نجيب جبرائيل، إلى أن القاعدة المتعارف عليها تنص على سريان القوانين من تاريخ تطبيقها ونشرها في الجريدة الرسمية، لكن هذه إشكالية حقيقية في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين ، وهو أمر يظهر جليًا في قضايا المواريث والملة القائمة، حيث سيُقسم الميراث بالمساواة بين الذكر والأنثى عند تطبيق القانون الجديد، أما في القضايا المُعلقة القديمة سيُقسم فيها الميراث طبقًا للشريعة الإسلامية "للذكر مثل حظ الأنثيين".
الأمر ذاته يُطبق على أكثر من 2000 قضية "ملة" منظورة حاليًا بالمحاكم، والتي ستفصل فيها اللوائح القديمة، حتى بعد تطبيق القانون الجديد، كونها قديمة رُفعت قبل تطبيقه، وهو ما يخلق حالة من التباين في الأحكام، بحسب جبرائيل.
من جانبها، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية " منظمة حقوقية مستقلة"، ورقة بحثية في مايو/ أيار الجاري، حملت عنوان "أهلية منقوصة: حول أول قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين"، يشير خلالها الباحثان إسحق إبراهيم ومارينا سمير وآخران، إلى أن عملية كتابة مشروع القانون أبقت على السلطات الواسعة للرئاسة الدينية في كافة مناحي انعقاد وإنهاء الزواج، الأمر الذي يحرمهما من "الإرادة المنفردة أو حتى الإرادة المشتركة" عند التطليق.
ويُضيف الباحثان أن سلطة الكنيسة تظل مُطلقة أيضًا في إعطاء تصريح الزواج مرّة أخرى، ما يجعلها غير مُلزمة بمنح تصريح زواج ثانٍ بعد صدور حكم الطلاق المدني، كون الزواج عملاً دينيًا تخضع إدارته لسلطتها.
ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ يُشير الباحثان إلى أن القانون الجديد يُخالف القواعد المسيحية في الأحوال الشخصية التي تُتيح التبني، قاصرًا بذلك تكوين أسرة بديلة على "نظام الكفالة" الذي يشترط أن يكون الأطفال من نفس دين من سيتكفل بهم، فضلاً عن خلوه من تنظيم كيفية تحديد دين الأطفال مجهولي النسب، بما يترك الأمر لما جرى عليه العُرف باعتبار أي طفل مجهول النسب مُسلمًا .
ورغم الإشادة التي حظي بها القانون لجعله الأب في المرتبة الثانية في "الحضانة" بعد الأم، إلا أن المبادرة المصرية تراه لا يراعي مصلحة الطفل الفضلى؛ كونه يُسقط الحضانة عن الأم أو الأب إذا تزوّّج أحدهما، رغم أنه لم يُسقطِِ الحضانة في حال كان الحاضن شخصًا آخر غير الأم أو الأب وتزوّج.
بدورها، دعت مؤسسة قضايا المرأة المصرية "مدنية غير حكومية"، في بيان لها 3 مايو/ أيار من عام 2026 بضرورة تسهيل مدة وإجراءات التقاضي عند التطليق، وعدم تقييده أو انحلال رابطة الزوجية، وخلق حوار مجتمعي يضم مختلف فئات المجتمع حول المشروع الجديد، والعمل على تقنين أوضاع الزواج الثاني وعدم تركها لتقديرات الكنيسة.
المصدر:
DW