آخر الأخبار

رواية "العار".. تساؤلات الذات والهوية في جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري

شارك

أنت محق يا أبي؛ فأصدقائي لن يرتقوا بي إلى حياة أسمى، إذ لا وجود لحياة أعلى من هذه. إنها حياتنا الوحيدة، نتقاسمها مع سائر الحيوانات

بهذه النبرة الوجودية الحادّة، تتبدّى شخصية لوسي، ابنة الأستاذ الجامعي ديفيد لوري، وهي تُحدّثه حول العنف وأسبابه ومعناه، في أعقاب تجربة اعتداء قاسية تعرّضت لها. لكن لوسي لا تناقش الحادثة بوصفها واقعة فردية فحسب، بل بوصفها مدخلا فلسفيا لأسئلة أوسع تتعلّق بالإنسان وغربته وحدود الأخلاق لديه في عالم متحوّل.

عند صدورها عام 1999، أثارت رواية "العار" (Disgrace) جدلا واسعا، إذ اقتحمت بجرأة نقاش إشكالية "الغريب" في مرحلة ما بعد الأبارتايد والاستعمار في جنوب أفريقيا، حيث تتبدّل المواقع وتُعاد صياغة علاقات القوة، فيغدو المستعمِر غريبا، بل مستعمَرا داخل واقع لم يعد يملكه.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "فوق رأسي سحابة".. تحول الضحية إلى جلاد في رحلة الثأر بين الإسكندرية واليابان
* list 2 of 2 الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو بطولة عصرنا end of list

كما تستكشف الرواية أيضا عبر تقنيات السرد الحر مفهوم العار بوصفه تجربة داخلية معقّدة تتجاوز حدود الإدانة الاجتماعية، لتلامس وعي الفرد بذاته وخطاياه. ناقشت الرواية تلك المفاهيم في وعي الشخصية المحورية، الأستاذ الجامعي ديفيد لوري، الذي يجسّد تناقضات الليبرالية الظاهرية والعزلة عن الواقع الاجتماعي.

من كيب تاون إلى العالمية

جون ماكسويل كويتزي أحد أبرز الأصوات الأدبية في جنوب أفريقيا، وُلد عام 1940 في كيب تاون بجنوب أفريقيا وحقق شهرة واسعة مع روايته "في انتظار البرابرة" مطلع الثمانينيات.

وُلد كويتزي لأسرة ذات أصول أوروبية، ونشأ في بيئة متعددة اللغات بين الإنجليزية والأفريكانية. تلقى تعليمه في جامعة كيب تاون حيث درس الرياضيات والأدب، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة وينال درجة الدكتوراه من جامعة تكساس في أوستن عام 1969، عن أعمال صمويل بيكيت. انعكست لاحقا هذه الخلفية الأكاديمية، إلى جانب تجربته السياسية واحتكاكه بحركات الاحتجاج، في كتاباته التي تتقاطع فيها الأسئلة الأخلاقية مع قضايا السلطة والهوية.

إعلان

ورغم حصوله لاحقا على الجنسية الأسترالية، يظل كويتزي مصنّفا قانونيا وثقافيا كاتبا جنوب أفريقيا، وهو تصنيف يرتبط بجذوره الأفريكانية ذات الامتداد الهولندي تاريخيا.

مصدر الصورة وُلد كويتزي لأسرة ذات أصول أوروبية، ونشأ في بيئة متعددة اللغات بين الإنجليزية والأفريكانية (رويترز)

انهيار الرجل الأبيض

تقدّم رواية العار سردا مكثفا لتحولات الفرد داخل مجتمع جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري، من خلال شخصية الأستاذ الجامعي ديفيد لوري، الذي تنقلب حياته إثر علاقة غير متكافئة مع إحدى طالباته "ميلاني إسحاق"، ما يقوده إلى فضيحة تُجبره على مغادرة عمله وحياته في كيب تاون.

ينتقل لوري إلى الريف للعيش مع ابنته لوسي، حيث يواجهان معا واقعا اجتماعيا مضطربا يتجسد في حادثة عنف واغتصاب قاسية تتعرض لها لوسي، لتصبح تلك اللحظة نقطة تحول تعيد تشكيل وعي والدها لوري تجاه مفاهيم الذنب والكرامة والسلطة، وتضعه في مواجهة مباشرة مع تعقيدات التعايش في مجتمع يعيد تعريف نفسه.

وتتحول الرواية إلى رحلة داخلية عميقة، يرصد فيها كويتزي، بأسلوب هادئ يخلو من الأحكام المباشرة ويعتمد على التحليل النفسي، انكسار البطل ومحاولته إعادة بناء ذاته وفهم معنى "العار" في عالمه الذي فقد ثوابته القديمة.

إذن تدور العار حول انكسار الذات البيضاء في مجتمع ما بعد الفصل العنصري، وفقدان الامتيازات القديمة، في واقع جديد تتبدّل فيه الأدوار. إنها رواية عن التكيّف القسري، وعن محاولة الإنسان إعادة تعريف ذاته في عالم لم يعد يعترف بمركزيته.

في قلب هذا التحوّل، يطرح كويتزي في سياق صراع لوري مع ذاته سؤالا أخلاقيا جوهريا: هل يكفي الاعتذار لمحو الخطيئة؟ وفي الحوار المكثّف بين البروفيسور لوري وإسحاق والد الفتاة ميلاني حين ذهب لوري للاعتذار وطلب العفو بعد تورطه في علاقة معها، تتجلّى الهوّة بين الاعتراف بالفعل وتحمل تبعاته، بين الندم بوصفه شعورا والتكفير بوصفه فعلا.

"

لوري: أنا آسف لما سببته لك ولعائلتك من معاناة.
إسحاق: اعتذرتَ… لكن ماذا ستفعل الآن؟ وماذا يطلب الله منك سوى أن تعيش ندمك كاملا؟

"

تقول عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية روث بنديكت: "العار هو انتهاك للقيم الثقافية أو الاجتماعية بينما تنشأ مشاعر الشعور بالذنب من انتهاكات القيم الخاصة للفرد. ولذلك، فمن الممكن أن يشعر الفرد بالخزي والعار من فكر ما أو سلوك بعينه قد لا يعرفه أحد بينما يشعر بالذنب تجاه الأفعال التي وافق عليها الآخرون. ومن هنا، يصبح العار أداة ثقافية لضبط السلوك. وقد تأتي الكلمة كنوع من التقويم على نحو ما هو معروف في الصين، وهي نتاج التأثر بأفكار كونفوشيوس التي دعت لاستخدام العار كوسيلة تفرض على الفرد أن يقوِّم نفسه بنفسه".

هكذا، لا تقدّم رواية العار إجابات جاهزة، بل تفتح جراح الأسئلة: عن الإنسان حين يفقد امتيازاته، وعن الأخلاق حين تنفصل عن القوة، وعن الغريب حين يصبح مرآة لذاته في عالم لم يعد يعرفه.

تقاطع الهوية والسلطة

في أفق الأدب ما بعد الاستعمار، حيث تتقاطع السلطة مع الهوية وتتشابك الذاكرة مع العنف، تتبدّى مجموعة من القضايا المحورية: الهيمنة الثقافية، العنصرية والسعي المضني نحو تعريف الذات، إلى جانب صور الظلم وعدم المساواة واستغلال أجساد النساء. وفي هذه السياقات، تبرز فكرة "الهوية الهجين" بوصفها تعبيرا عن إنسان معلّق بين عوالم متنازعة، لا ينتمي كليا لأيّ منها.

إعلان

ضمن هذا الإطار، تأتي رواية العار لجون ماكسويل كويتزي بوصفها نصا صادما يعكس توترات جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري. فهي ليست حكاية فردية، بل لوحة قاتمة لمجتمع يتقلّب على جمر ماضيه، حيث يتحوّل العنف -بأشكاله المختلفة- إلى لغة مضمرة لإعادة تبادل الأدوار فيمن يملك القوة الآن.

تُقدّم الرواية، عبر منظور رجل أبيض، رؤية إشكالية للواقع الجديد، حتى وصفها بعض النقاد بأنها نص مثير للجدل، وبعضهم اتهمها بالتحيّز. غير أن هذا التوتر منحها قوتها، إذ تكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية والوجودية التي يعيشها الفرد في ظل تحولات جذرية تطال البنية الاجتماعية والرمزية معا.

وهكذا، تنتمي العار إلى تقاليد أدب ما بعد الاستعمار، حيث تتجاور موضوعات الاستعمار والعنصرية والمنفى مع أسئلة الهوية والعدالة، لتشكّل في مجملها سردية إنسانية مأزومة، تبحث عن معنى في عالم لم يتعافَ بعد من جراحه.

كويتزي من بوكر إلى نوبل في الأدب

أعلنت الأكاديمية السويدية في عام 2003 منح جون ماكسويل كويتزي جائزة نوبل في الأدب، لا لعمل بعينه، لكن تقديرا لمجمل إنتاجه الأدبي، في اعتراف عالمي بمكانته كأحد أبرز كتاب العصر.

مصدر الصورة الكاتب الجنوب أفريقي جون ماكسويل كوتزي يحمل جائزة نوبل في الأدب (رويترز)

وعزز كويتزي حضوره الدولي بفوزه لاحقا بجائزة بوكر عن رواية حياة وزمن مايكل كي عام 1983، وهو من القلائل الذين نالوا الجائزة مرتين. وأشادت الأكاديمية السويدية بتنوع أعماله، مؤكدة أنه لا يكرر الأسلوب ذاته في كتابين، ما يمنح إنتاجه ثراء وتجددا مستمرين.

ويُعد كويتزي اسما محوريا في الأدب العالمي المعاصر، إذ جمع بين الرواية والبحث الأكاديمي والترجمة، وطرح في أعماله قضايا معقدة مثل الهوية والسلطة والعدالة. وقد انعكس هذا المسار الفكري والإبداعي في إرث أدبي يضم ست عشرة رواية، من أبرزها بلاد الغسق، وفي انتظار البرابرة، وعصر الحديد، ورجل بطيء، وصولا إلى موت المسيح، ما رسّخ مكانته كأحد أكثر الكتاب تأثيرا في الأدب الحديث.

العار.. إنتاج سينمائي

في معالجة سينمائية عميقة لرواية جون ماكسويل كويتزي، أُنتِج فيلم سينمائي عام 2008 ضمن تعاون مشترك بين أستراليا وجنوب أفريقيا بميزانية محدودة ابتعدت عن الإنتاج التجاري الضخم. زمن الفيلم 119 دقيقة، أخرجه الأسترالي ستيف جاكوبس، وكتبت السيناريو الأسترالية آنا ماريا، ومن بطولة الممثل الأمريكي المعروف جون مالكوفيتش الذي قدم أداء لافتا في دور الأستاذ الجامعي، بالإضافة إلى الممثلة الجنوب أفريقية جيسيكا هاينز والممثل الفرنسي إيرك إبواني.

اتخذت مواقع التصوير من جنوب أفريقيا موقعا، بما ينسجم مع البيئة الأصلية للرواية ويمنح العمل بعدا واقعيا، فيما جاء أسلوب الإخراج هادئا ومكثفا، متجنبا الميل إلى الإثارة، ومركّزا على التحليل النفسي والتوترات الداخلية للشخصيات.

رغم حساسية القضايا التي يطرحها الفيلم، من السلطة والذنب إلى العنف والتحولات المجتمعية، فقد حظي باهتمام نقدي واسع في مهرجانات دولية، مع إشادة خاصة بقدرة العمل على نقل روح النص الأدبي، وبالأداء العميق لمالكوفيتش، إلى جانب معالجته البصرية المتقشفة.

ويؤكد الفيلم أن "العار" ليس مجرد اقتباس أدبي، بل عمل سينمائي يسعى لطرح أسئلة أخلاقية معقدة في سياق ما بعد الاستعمار، إذ تتداخل المسؤولية الفردية مع تحولات المجتمع، ضمن معالجة فنية متوازنة تجمع بين هدوء الأسلوب وحدّة التأثير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار