آخر الأخبار

رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد "إسلامية المعرفة" واستعادة الأدب كجوهر للحضارة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غادر الفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس عالمنا في الثامن من مارس/آذار 2026، بكوالالمبور، عن 94 عاما، تاركا وراءه مشروعا فكريا من أكثر المشاريع طموحا وإثارة للجدل في الفكر الإسلامي المعاصر. وشيعه المئات، بينهم رئيس الوزراء أنور إبراهيم، في مسجد التقوى بحي "تامان تون الدكتور إسماعيل"، ووري الثرى في مقبرة بوكيت كيارا الإسلامية في اليوم ذاته، ليلة 19 رمضان 1447 هجرية.

رحل مؤسس المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية (إستاك)، وأحد رواد مشروع "إسلامية المعرفة"، الرجل الذي قضى ستة عقود يجادل بأن أزمة الحضارة الإسلامية ليست في السياسة ولا في الاقتصاد، بل في اختلال معرفي عميق سماه "فقدان الأدب".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "كأن تختبئ من المرآة أمامها".. شعرية الهامش وجماليّات الانكسار
* list 2 of 2 صالونات غزة الثقافية تعود لمواجهة الإبادة بالشعر والكلمة end of list

ونعاه بتأثر بالغ رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، الذي تتلمذ على يديه منذ سبعينيات القرن الماضي، بأنه أحد أعظم العقول في عصرنا. ونعاه شيخ الأزهر أحمد الطيب واصفا إياه بأنه أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر. غير أن هذا الإجماع في التبجيل يخفي مفارقة ظلت تلازم العطاس طوال حياته: فيلسوف محتفى به عالميا، لكنه معزول مؤسسيا؛ طموح في رؤيته الفلسفية، لكن مشروعه ظل عسير التطبيق.

بين جاوة وجوهور ولندن

ولد العطاس في الخامس من سبتمبر/أيلول 1931 بمدينة بوغور في جاوة الغربية، وفي نسبه تتقاطع ثلاثة عوالم حضارية شكلت وعيه قبل أن يشكله هو بنفسه. ينتسب من جهة أبيه إلى السادة آل العطاس من سلالة باعلوي الحضرمية، وهو الحفيد السابع والثلاثون للنبي محمد وفق شجرة نسبه. أما أمه، الشريفة رقوان العيدروس، فجمعت بين الدم الحضرمي والنبالة السوندية الجاوية. وتعود جدته لأبيه، رقية هانم، إلى أصول تركية شركسية مرتبطة بسلطنة جوهور الملايوية. هذا التراكب الثقافي الاستثنائي -عربي وجاوي وعثماني ملايوي- منحه زاوية نظر فريدة ستتجلى في كل ما كتبه لاحقا.

مصدر الصورة التراكب الثقافي الاستثنائي لسيد العطاس -عربي وجاوي وعثماني ملايوي- منحه زاوية نظر فريدة (Dr HA Hellyer، مواقع التواصل)

نشأ بين بوغور وجوهور، يتلقى العلوم الإسلامية في مدارس جاوة التقليدية والتعليم الإنجليزي في ملايا. وشقيقه الأكبر، سيد حسين العطاس، سيغدو أبرز عالم اجتماع في ماليزيا وصاحب الكتاب الشهير "أسطورة الكسل الأهلي"، فسار الأخوان في دربين فكريين مختلفين جذريا، بل متعارضين أحيانا.

إعلان

التحق العطاس بالفوج الملكي الملايوي ثم تدرب في أكاديمية ساندهيرست العسكرية البريطانية بين عامي 1952 و1955، حيث اشتعل شغفه بالتصوف والميتافيزيقا الإسلامية على نحو لا يتوقعه المرء من ضابط شاب. سافر إلى إسبانيا وشمال أفريقيا، وهناك تركت العمارة الإسلامية أثرا لن يمحى في وجدانه الجمالي. وعرضت خطوطه العربية في متحف تروبن بأمستردام عام 1954.

استقال من الخدمة العسكرية والتحق بجامعة مالايا، ثم نال الماجستير بامتياز في الفلسفة الإسلامية من جامعة ماكغيل الكندية عام 1962، حيث زامل فضل الرحمن وتوشيهيكو إيزوتسو وسيد حسين نصر. وأنجز رسالته للدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (سواس) تحت إشراف آرثر جون أربري ومارتن لينغز، فخرجت دراسة رائدة في مجلدين بعنوان "تصوف حمزة الفنصوري" (1970)، استعاد فيها الإرث الفكري لأعظم شاعر صوفي ملايوي، وأثبت أن العالم الملايوي امتلك تقليدا فلسفيا متقدما قبل الاستعمار الأوروبي بقرون.

"إسلامية المعرفة" بلا سياسة

طرح العطاس مشروعه المركزي -"إسلامية المعرفة المعاصرة"- لأول مرة بصورة منهجية في المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي بمكة المكرمة عام 1977، ثم بسطه في كتابه "الإسلام والعلمانية" (1978). وخلافًا لما ساد في التلقي العربي لاحقًا، لم يكن هذا المشروع برنامجًا سياسيًا ولا دعوة لإلصاق آيات قرآنية بأغلفة الكتب المدرسية، بل كان في أصله مشروعًا فلسفيًا معرفيًا وجوديًا يستهدف إعادة هيكلة المعرفة من أعمق أسسها.

سار حجاجه في مرحلتين:

أولاهما "نزع التغريب" عبر تحديد خمس مسلمات غربية مضمرة في بنية المعرفة الحديثة واستئصالها، وهي: الاعتماد على العقل المجرد حاكمًا وحيدًا، والثنائية الفلسفية، والرؤية العلمانية للعالم، والنزعة الإنسانوية، والتصور المأساوي للوجود البشري.

والمرحلة الثانية هي "الأسلمة" بمعناها الإيجابي: تشريب المعرفة بالإطار الميتافيزيقي الإسلامي المتأسس على وحدة الوجود والتعالي الإلهي والترتيب المراتبي للحقائق.

وقد افترق هذا المنهج افتراقًا حادًا عن مشروع المفكر الفلسطيني الأمريكي الراحل إسماعيل الفاروقي الموازي في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بفرجينيا. ركز الفاروقي على الإصلاح المؤسسي ووضع خطة عمل من اثنتي عشرة خطوة لأسلمة مناهج العلوم الاجتماعية. رأى العطاس في ذلك إعادة ترتيب للأثاث من غير فحص لأساسات البيت. فالمشكلة عنده فردية وروحية في جوهرها: لا تصلح المعرفة إلا بإصلاح العارف أولًا. شخص الفاروقي "أزمة الأمة"؛ أما العطاس فشخص "فقدان الأدب" بوصفه اختلالًا ميتافيزيقيًا تزاح فيه الأشياء والأفكار والناس عن مواضعها الصحيحة في نظام الوجود.

مصدر الصورة إسماعيل راجي الفاروقي ركز على الإصلاح المؤسسي ووضع خطة عمل لأسلمة مناهج العلوم الاجتماعية (مواقع التواصل)

وقد لفت بعض الباحثين إلى أن التلقي العربي لمشروع العطاس مسخه إلى أطروحات في السياسة والأيديولوجيا، فيما كان في أصله مداخلة في فلسفة المعرفة ونظرية الوجود. وهو موقف حقيق بالتأمل؛ إذ يكشف عن الهوة بين طبيعة المشروع الفلسفية وطريقة استقباله في فضاء فكري يغلب عليه التسييس.

"الأدب" بوصفه مفتاح الحضارة

يقف مفهوم "الأدب" في صدارة منظومة العطاس الفكرية. أعاد تعريفه بعيدًا عن معناه المألوف في الآداب والسلوك الحسن، ليصبح دالًا على الاعتراف بأن المعرفة والوجود مرتبان ترتيبًا مراتبيًا، وإدراك المرء لموضعه الصحيح من ذلك النظام. فالأدب عنده ميتافيزيقي (إقرار بنظام الوجود)، ومعرفي (إدراك أن المعرفة ذاتها هرمية)، وأخلاقي (التصرف وفق ما يقر به المرء)، وروحي (مؤسس على الحديث النبوي: "أدبني ربي فأحسن تأديبي").

حاجج العطاس بأن المصطلح العربي الأدق للتعليم هو "التأديب" لا "التربية" التي تنطبق على الحيوان والنبات أيضًا، ولا "التعليم" المحصور في البعد المعرفي. فالتأديب وحده يستوعب الأبعاد الروحية والعقلية والأخلاقية للتعليم، ويهدف إلى تخريج "الإنسان الصالح" لا المهني الكفء فحسب، وأما نقده للعلمانية فلم يكن وعظيًا، بل فلسفيًا.

من هذا الأساس، حاجج العطاس بأن المصطلح العربي الأدق للتعليم هو "التأديب" لا "التربية" التي تنطبق على الحيوان والنبات أيضًا، ولا "التعليم" المحصور في البعد المعرفي. فالتأديب وحده يستوعب الأبعاد الروحية والعقلية والأخلاقية للتعليم، ويهدف إلى تخريج "الإنسان الصالح" لا المهني الكفء فحسب.

إعلان

وأما نقده للعلمانية فلم يكن وعظيًا، بل فلسفيًا. تتبع في "الإسلام والعلمانية" ثلاث سيرورات تاريخية خاصة بالمسيحية الغربية: نزع السحر عن الطبيعة، وتدنيس السياسة، ونقض قدسية القيم. وأصر على أن هذه السيرورات لا نظير لها في التاريخ الفكري الإسلامي، وأن استيراد مسلماتها إلى التعليم الإسلامي يشكل عنفًا معرفيًا صريحًا.

ولعل أكثر ما يستوقف المتأمل في مشروع العطاس محاولته استعادة مفهوم "الأدب" بهذا المعنى الشامل. فبمعزل عن جدل المفهوم واستعمالاته، أحسن العطاس تعيين مساحة المداخلة التي أراد تقديمها: مساحة الحكمة العملية، تلك التي تكاد تُنسى في منظومات الفكر المعلمَن، ويمتلك فيها الدين خبرة وافية وتراثا حيا.

"إسْتاك" حلم الحمراء في كوالالمبور

تجسّد طموح العطاس المؤسسي في المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية (إسْتاك)، الذي أسّسه عام 1987 وافتتحه رئيس الوزراء آنذاك مهاتير محمد رسميًا عام 1991. شُيّد المعهد على تلة في حيّ تامان دوتا بكوالالمبور، وصمّمه العطاس بنفسه في طراز شبّهه الزوّار بقصر الحمراء في غرناطة، مازجًا بين العمارة الملايوية والأندلسية والسورية الرومانية، بخطوط عربية نفّذها بيده.

وزار كاتب هذه السطور بقايا المعهد قبل 15 عاما وهاله حجم المؤلفات التي تحويها مكتبة ضخمة التي تضم أكثر من مئة وخمسين ألف مجلد بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والهولندية وغيرها، تشمل مجموعات مخطوطات نادرة اقتُنيت من مكتبات مستشرقين بارزين كبرتولد شبولر وروبير برونشفيغ، إضافة إلى المكتبة الشخصية لفضل الرحمن. لم يقبل المعهد سوى عدد محدود من طلبة الدراسات العليا في وقت واحد، نحو ستين طالبا، تجسيدًا لقناعة العطاس بأن التعليم الإسلامي الحقيقي للخاصة لا للإنتاج الكمّي.

غير أن مصير "إسْتاك" بعد العطاس يكشف هشاشة المؤسسات المبنية على رؤية فرد واحد؛ فبعد سقوط أنور إبراهيم سياسيًا عام 1998، فَقَدَ العطاس سنده السياسي الرئيسي، وأُقصي عن إدارة المعهد عام 2002. ابتلعته الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وتعاقب على إدارته مسؤولون بلا صلة بالمشروع الأصلي، حتى أُغلق فعليًا بحلول عام 2015، ثم أُعيد فتحه باسم مختلف ورؤية مغايرة. وقد لاحظ المستشرق الهولندي يان يوست فِتكام عام 2017 أن "إسْتاك" لم يعد موجودًا بأي معنى حقيقي.

مصدر الصورة سيد نقيب العطاس يرى أن النهضة الفكرية الإسلامية تستوجب مواجهة المسلمات الكامنة في التخصصات الحديثة (وكالة الأنباء الماليزية)

الإعجاب والنقد

يُعدّ كتابه "مقدمات لميتافيزيقا الإسلام" (1995) أنضج أعماله، إذ يحاول تحديد الرؤية الإسلامية للوجود تحديدًا فلسفيًا شاملًا. وتمتد مؤلفاته الأخرى عبر حقول الميتافيزيقا والتصوف والتأريخ الملايوي وفلسفة التعليم، من "مفهوم التعليم في الإسلام" (1980) إلى "شرح حُجّة الصدّيق لنور الدين الرانيري" (1986) و"الحقيقة والخيال التاريخيان" (2011). وآخر كتبه "الإسلام: الوفاء بالعهود" صدر عام 2023 وهو في الحادية والتسعين.

واصل تلميذه الأبرز، وان محمد نور وان داود، حمل إطاره الفكري في مركز الدراسات المتقدمة في الإسلام والعلوم والحضارة بجامعة التكنولوجيا الماليزية. وأسّس خريجون إندونيسيون معهد "إنسِستس" في جاكرتا. كما أن يوسف إسلام (كات ستيفنز) نسب الفضل إلى أوراق العطاس في مؤتمر مكة 1977 بوصفها الأساس الذي أقام عليه مدرسته الإسلامية في لندن عام 1983.

لكن النقد لم يكن أقل حضورًا. وصفته عالمة الاجتماع المصرية الألمانية منى أباظة بأنه "مستشرق مضاد للاستشراق"، تدرّب على يد أربري ولينغز لكنه أسّس خطابًا مناهضًا للغرب، وحذّر الباحث أديس دوديريا من أن ميتافيزيقا العطاس المراتبية تنطوي على خطر الانغلاق المعرفي بدلا من الإبداع الفكري. وحتى المتعاطفون مع مشروعه يلاحظون أنه ظلّ نظريًا في معظمه، وأن قلة من العلماء استطاعوا محاكاة مداه الموسوعي الذي جمع بين الفلسفة والعمارة والخط والتأريخ واللسانيات في عصر التخصص الدقيق.

يترك العطاس إرثا فكريا ضخما وناقصا في آن، فرؤيته الجوهرية -أن المعرفة ليست محايدة أبدا، وأن النهضة الفكرية الإسلامية تستوجب مواجهة المسلمات الميتافيزيقية الكامنة في التخصصات الحديثة- لا تزال راهنة كما كانت حين صاغها قبل نصف قرن. ومفهومه للأدب مبدأ ناظما للتعليم، ونقده الفلسفي للعلمانية، واستعادته للتقليد الصوفي الملايوي، إنجازات قل أن ضاهاها مفكر إسلامي معاصر في عمقها.

يترك العطاس إرثا فكريا ضخما وناقصا في آن، فرؤيته الجوهرية -أن المعرفة ليست محايدة أبدا، وأن النهضة الفكرية الإسلامية تستوجب مواجهة المسلمات الميتافيزيقية الكامنة في التخصصات الحديثة- لا تزال راهنة كما كانت حين صاغها قبل نصف قرن. ومفهومه للأدب مبدأ ناظما للتعليم، ونقده الفلسفي للعلمانية، واستعادته للتقليد الصوفي الملايوي، إنجازات قل أن ضاهاها مفكر إسلامي معاصر في عمقها.

إعلان

غير أن هشاشة "إستاك" المؤسسية، والطابع النظري لبرنامج الأسلمة، واستحالة إنتاج علماء بسعته الموسوعية، تشير إلى أن إسهامه الأكبر قد يكون تشخيصيا لا علاجيا: حدد الداء بدقة استثنائية، لكن الدواء الذي اقترحه يتطلب تكوينا فكريا يبدو أن الجامعات الحديثة عاجزة بنيويا عن توفيره. وفي زمن يسيطر فيه الشعار السياسي وسياسات الهوية على الخطاب الفكري الإسلامي، ظل إصرار العطاس على أن الأزمة أزمة معرفة وأدب -لا أزمة سلطة- استفزازا ضروريا وجذريا.


* استفاد هذا التقرير في مراجعة السيرة الفكرية من مصادر أكاديمية، هي: ورقة معهد "إسياس" يوسف إسحاق في سنغافورة (ISEAS, Trends in Southeast Asia, No. 16, 2021) عن إسلامية المعرفة عند العطاس، ودراسة جامعة كامبريدج عن أثر مشروعه في الحياة الدينية والأدبية الملايوية، ودراسة وان محمد نور وان داود عن مفهوم التأديب، والدراسة المقارنة بين العطاس والفاروقي في مجلة الخطاب الفكري بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وكذلك دراسة المستشرق الفرنسي المنشورة عبر بوابة "بيرسيه" في مجلة "أرشيبيل"، ورثاء المعهد الإسلامي بتورنتو (islam.ca)، وكتاب يان يوست فتكام عن مكتبة إسْتاك ومخطوطاتها الصادر عن "كواه بوكو".
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار