تقودنا التطورات الجارية في فنزويلا وجاراتها في أميركا الجنوبية خلال الأسابيع الأخيرة إلى العودة للبحث في نظرتنا الأولى لتلك الدول، وكيف تطورت من جانبنا كعرب ومشرقيين على مدى قرون منذ نشأتها. ويتجلى ذلك من خلال تصفح كتابين؛ الأول هو "رحلة أول شرقي إلى أميركا" لصاحبه إلياس حنا الموصلي، القسيس والرحالة العراقي الشهير، الذي يعد أول عربي يصل إلى القارة الأميركية في القرن السابع عشر.
أما الكتاب الثاني فهو "جولة في ربوع الدنيا الجديدة: بين مصر والأميركتين"، الصادر عام 1948، للرحالة ومدرس العلوم الاجتماعية المصري محمد ثابت، الذي بحث في أسباب نهضة هذه الدول في النصف الأول من القرن الماضي، ساعيا إلى التعريف بهذه الأسباب في عالمنا العربي، لعلنا نلحق بركبها.
وتُظهر المقارنة بين رحلة إلياس الموصلي في القرن السابع عشر ورحلة المربي المصري محمد ثابت في القرن العشرين تحولا جذريا في العقلية العربية تجاه "العالم الجديد".
فبينما كانت نظرة الموصلي مشدودة إلى بريق المعادن والخوارق، جاءت نظرة ثابت فاحصة لأسباب النهضة والعمران، في مقارنة تجسّد الانتقال من "هوس الذهب" إلى "هاجس التنمية".
وطغى على وصف الموصلي الانبهار بكميات الذهب والفضة الهائلة، إذ قدّم وصفا تفصيليا دقيقا لمناجم الفضة في مدينة "بوتوسي" (Potosí) البوليفية، وشرح طرق استخراج الفضة باستخدام الزئبق.
ولم يكتف بالوصف، بل انخرط في التجارة، حيث يذكر أنه اشترى الذهب والفضة الرملية من عدة قرى.
وكان الموصلي يقيس ثروة البلاد بمقدار ما يُشحن في "الغلايين" (السفن)، واصفا ملايين السبائك التي تنقل إلى إسبانيا، إذ ذكر شحن "25 مليونا" من الذهب والفضة.
وتحدث أيضا عن اللؤلؤ في جزيرة "مرغاريتا" وطرق استخراجه، وعن الزمرد الذي نصحه البعض بعدم التوجه إليه لاستخراجه بسبب خطورة الطريق.
وامتزج وصف الموصلي للثروة بالخوارق، مثل حديثه عن "نهر يرمي رملا مخلوطا بالذهب"، وعن معادن تتجدد حجارتها إذا تُركت فترة من الزمن بفعل النجوم .
لم ينظر الموصلي إلى المدن بوصفها حواضر ديموغرافية، بل كـ"مراكز لإدارة الثروة" و"قلاع دينية". وتركز وصفه على مدن مثل "ليما" (مقر الوزير ومركز الحكم) و"بوتوسي" (مركز مناجم الفضة). فالمدينة لديه هي المكان الذي توجد فيه "السراي" والكنائس الكبرى وديوان تفتيش الإيمان.
أما الريف، فكان بالنسبة للموصلي مساحات شاسعة محفوفة بالمخاطر بين المدن الكبرى، تقطنها قبائل الهنود. وقد وصف القرى بوصفها محطات للمبيت أو التزود بالمؤونة، وغالبا ما تكون "قرى هنود" يديرها كاهن إسباني، مشيرا إلى صعوبة الطرق والخوف من "الهنود الكفرة" أو اللصوص في تلك المناطق النائية
يظهر المجتمع في وصف الموصلي محكوماً بسلطة الكنيسة المطلقة. يذكر تفاصيل دقيقة عن نفوذ "ديوان الإيمان" (محاكم التفتيش)، وكيف أن المطارنة والكهنة يملكون سلطة تضاهي الحكام، وتحدث عن الثراء الفاحش للكنائس المزينة بالذهب والفضة.
رصد الموصلي بوضوح تسخير الهنود في المناجم. يذكر في "بوتوسي" أن "سبعمائة هندي" يعملون في باطن الجبل، وأن القانون يلزم القرى بإرسال واحد من كل خمسة رجال للعمل القسري في المناجم، ومن يرفض من الحكام يُعزل.
في المقابل، جاءت رحلة محمد ثابت في ثلاثينيات القرن الـ 20 بعين "المربي والجغرافي" الذي يقارن حال تلك البلاد بوطنه (مصر)، باحثا عن أسباب التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
اهتم ثابت برصد الحالة التعليمية كأداة للحراك الاجتماعي، حيث أجرى مقارنة مؤلمة (للقارئ العربي) مع الأرجنتين، مشيراً إلى أن نسبة الأمية هناك ضئيلة، وأن التعليم إلزامي ومجاني ويشمل تعلم اللغات الأجنبية، بينما كانت مصر تعاني من ارتفاع نسبة الأمية. كما زار المدارس في شيلي وبيرو ليرصد الفروق.
ركز ثابت بشدة على المكانة الاجتماعية للمرأة. في تشيلي والأرجنتين، لاحظ الحرية المطلقة للنساء، ومغازلة الرجال لهن علناً في الشوارع كنوع من "الذوق"، واصفاً اختلاط الجنسين في الميادين والمتنزهات.
كما انتقد "الإسراف في المجون" في مدن مثل نيويورك وبنما، واصفاً حياة الليل الصاخبة واختلاط النساء بالرجال بحرية تامة.
رصد ثابت ظاهرة اختلاط الأجناس في البرازيل، مشيداً بعدم وجود فوارق عنصرية ("خلوها من الفوارق الجنسية")، حيث يختلط السود والبيض في المدارس والشوارع، مما أنتج جنساً بشرياً جديداً يجمع صفات متعددة. بينما في الولايات المتحدة، رصد التمييز العنصري ضد السود ونقده.
انصب التركيز في رحلة "ثابت" على "الذهب الأخضر" (الزراعة) والإنتاج، حيث وصف "البن" في البرازيل بأنه عماد الثروة، وتحدث بلغة الأرقام الاقتصادية عن سياسة الدولة في حرق الفائض للحفاظ على الأسعار.
وفي الأرجنتين، لم يتحدث عن الفضة (التي سميت الدولة باسمها)، بل عن القمح واللحوم، وركز على "البرادات" ومصانع اللحوم التي تصدر للعالم.
حتى عندما زار مناطق المعادن في تشيلي (النيترات والنحاس)، وصفها بعين الاقتصادي الذي يرى فيها "أسمدة" للعالم وموادا صناعية، لا مجرد كنوز.
انبهر ثابت بالمدن الحديثة وتخطيطها. وصف "ريو دي جانيرو" و"بوينس آيرس" وناطحات السحاب والشوارع المنسقة، معتبرا إياها تفوق العواصم الأوروبية في الجمال والنظام.
ركز بشكل كبير على "التعليم" كأداة للثروة. أجرى مقارنة مؤلمة بين نسبة الأمية في الأرجنتين ومصر، مشيدا بإلزامية التعليم هناك.
أعجب بالبنية التحتية الجبارة، مثل "قناة بنما" التي اعتبرها من عجائب الدنيا ونتاج العقول الجبارة، وسكك الحديد التي تشق جبال الأنديز.
لم يغفل ثابت عن الجانب المظلم للثروة، حيث رصد التفاوت الطبقي والفقر في بعض المناطق رغم غنى الدولة، كما في "ريو غرانده"، وتشيلي، منتقدا "الفساد الحكومي" الذي يفقر بلادا غنية مثل بيرو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة