شهدت اللغة المعتمدة في بيانات صادرة عن مؤسسات ثقافية دولية بشأن ما يحدث في غزة تحولاً لافتاً نحو ما بات يعرف بـ"اللغة البيضاء"، وهي صياغات لا تعكس بدقة واقع منطقة تخضع لقصف متواصل تحت حصار كامل منذ أكثر من عامين. ففي بيانات أصدرتها مهرجانات سينمائية كبرى، ومتاحف عالمية، واتحادات فنية وأدبية، تكرر استخدام تعبيرات من قبيل "الأزمة الإنسانية" (Humanitarian Crisis) و"الوضع القائم" (The Situation) و"المعاناة الإنسانية" (Humanitarian Suffering)، مقابل تراجع واضح لاستخدام مصطلح "الحرب على غزة" (War) بوصفه توصيفاً مباشراً لما يجري على الأرض.
ومع تكرار هذا النمط في الخطاب المؤسسي الثقافي، يُطرح تساؤل أوسع حول طبيعة مقاربة هذه المؤسسات لما يجري، وأسباب لجوئها إلى مرجع لغوي "آمن": هل يعود ذلك إلى هواجس تتعلق بالتمويل، أم إلى التزام بقاموس سياسي محدد؟
بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتمدت المؤسسات الدولية والسياسية الكبرى قاموسًا محددًا، يركز على الأثر الإنساني ويبتعد عن توصيف الفعل العسكري المباشر. وفي تحديثاته الدورية، قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) إن "الوضع الإنساني في قطاع غزة يواصل التدهور"، مستخدمًا العبارة الإنجليزية المباشرة: "The humanitarian situation in the Gaza Strip continues to deteriorate".
وفي بيان لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA)، وصفت ما يجري بأنه "أزمة إنسانية كارثية"، مستخدمة توصيف "A Catastrophic Humanitarian Crisis"، في تركيز واضح على النتائج الإنسانية للحرب دون تسميتها حربًا.
هذا القاموس استقر سريعًا في أعلى مستويات الخطاب الدولي. ففي 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها ES-10/21، إلى "هدنة إنسانية فورية ودائمة ومستدامة"، واستخدمت التعبير الإنجليزي: "an immediate, durable and sustained humanitarian truce". كرر مجلس الأمن الصيغة نفسها في قراره رقم 2720 الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2023، حين تحدث عن "الاحتياجات الإنسانية العاجلة الناشئة عن الأزمة الإنسانية في غزة"، واستخدم عبارة "the Gaza humanitarian crisis".
أصبح هذا القاموس، مع مرور الوقت، هو اللغة السياسية السائدة، وانتقل تلقائيًا إلى المؤسسات الثقافية التي وجدت نفسها أمام ضغط متزايد لاتخاذ موقف، من دون الاصطدام المباشر بالسياسة. في بيانات الاتحاد الأوروبي، مثلاً، وصف بيان صادر عن خدمة العمل الخارجي الأوروبي في يناير/كانون الثاني 2024 ما يجري بأنه "الوضع الإنساني الكارثي في غزة"، مستخدمًا التعبير: "The catastrophic humanitarian situation in Gaza"، دون الإشارة إلى الحرب أو العمليات العسكرية.
وفي السياق الأميركي، ظهر التحول نفسه وإن جاء بصيغة مختلفة. فبدلاً من استخدام مصطلح "وقف إطلاق النار" (Ceasefire) في المراحل الأولى، ركزت التصريحات الرسمية على "الوقفات الإنسانية"، حيث قالت بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في إحاطة رسمية بمجلس الأمن إنها تدعم "Humanitarian pauses to facilitate assistance"، أي "وقفات إنسانية لتسهيل إيصال المساعدات". وأدخل مصطلح "Ceasefire" إلى الخطاب بعد ذلك، لكنه جاء مقرونًا بشروط سياسية وأمنية.
وجد القاموس السياسي طريقه سريعًا إلى الخطاب الثقافي. ففي أبريل/نيسان 2024، وعند قرار إبقاء الجناح الإسرائيلي مغلقًا في افتتاح "بينالي" فينيسيا (Venice Biennale)، لم يستخدم تعبير "الحرب على غزة" إطلاقًا. وربط البيان فتح الجناح بتحقق شرط محدد هو "A Ceasefire and Hostage Release Agreement"، أي "اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن". هنا، تستبدل تسمية الحدث بشرط إجرائي، يجنب المؤسسة توصيف الحرب نفسها.
وتكرر الأسلوب نفسه في المتاحف الكبرى. فقد استخدمت بيانات وتصريحات مرتبطة بمؤسسات فنية أميركية كبرى توصيفات مثل "Ongoing humanitarian suffering in Gaza"، أي "المعاناة الإنسانية المستمرة في غزة"، وهو تعبير يُبرز الألم الإنساني لكنه يفصل بين المعاناة وسببها السياسي والعسكري.
أما في المهرجانات السينمائية، مثل مهرجان صاندانس (Sundance)، فقد جرى تقديم أفلام تتناول غزة على أنها "قصص من مجتمعات متأثرة"، باستخدام العبارة: "Stories from affected communities"، ما يحول غزة إلى فضاء سردي إنساني عام، لا ساحة حرب محددة.
في الحالات التي طالت كتّاباً وفنانين بسبب مواقفهم العلنية من الحرب، لجأت مؤسسات ثقافية إلى استخدام لغة مستعارة من الخطاب السياسي. ففي تبرير قرارات الاستبعاد أو التأجيل، استُخدمت عبارات مثل "حساسية اللحظة الراهنة"، المترجمة عن (The sensitivity of the current moment)، من دون ذكر غزة أو الحرب صراحة، وكأن اللغة نفسها تحولت إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من مواجهتها.
ولا يمكن تفسير هذا التطابق بين القاموس السياسي والقاموس الثقافي بوصفه مصادفة. فالمؤسسات الثقافية الكبرى تعمل داخل منظومات تمويل وحوكمة مرتبطة بالدولة أو بالسوق أو بكليهما. كما تمر بياناتها عبر مستشارين قانونيين ووحدات اتصال مؤسسي، تبحث عن صياغات سبق إخضاعها لمجهر السياسة، ولم تثر قلقاً من تبعات أو نتائج غير مرغوبة. ويمنح اعتماد مصطلحات مستخدمة من قبل الأمم المتحدة أو حكومات كبرى هذه المؤسسات غطاء أخلاقياً وقانونياً، حتى وإن جاء ذلك على حساب الدقة في توصيف الحدث.
وتكشف رسائل مفتوحة واحتجاجات صادرة من داخل هذه المؤسسات نفسها عن صراع آخر، أقل ظهورا لكنه أكثر دلالة. ففي تصريحات للمفوض السامي لحقوق الإنسان، وُصفت أوضاع المدنيين بأنها تشهد (Horrifying levels of human suffering)، أي "مستويات مروعة من المعاناة الإنسانية"، بلغة أقرب إلى الإدانة الأخلاقية، وإن ظلت ضمن الإطار الإنساني العام. وترى هذه الأصوات الداخلية أن تخفيف اللغة يهدد مصداقية المؤسسات الثقافية التي تدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية.
وتكشف تجربة غزة أن المؤسسات الثقافية لم تعد قادرة على الاحتماء خلف مفهوم "الحياد" كما في السابق. فاختيار كلمة واحدة، مثل "حرب" أو "أزمة إنسانية"، بات موقفا بحد ذاته. وحين تُمحى كلمة "الحرب" من البيانات الثقافية، لا تُمحى الحرب من الواقع، بل يُعاد توصيفها لغويا بطريقة تخفف من وقعها السياسي، وتحول الثقافة من فضاء للأسئلة إلى مساحة لإدارة الألم لغويا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة