تعيش شركة ميتا لحظة الذكاء الاصطناعي الكبرى لها، لكنها تأتي في وقت عصيب للشركة، إذ تحاول شركة التواصل الاجتماعي إعادة تشكيل نفسها لتصبح قوة في مجال الذكاء الاصطناعي بينما تشهد أعمالها الأساسية تحديًا كبيرًا.
جاء إعلان "ميتا" الأسبوع الماضي عن نموذجها الجديد "Muse Spark" بعد مرور عام تقريبًا على تأجيلها إطلاق نسخة متقدمة من عائلة نماذجها السابقة المعروفة باسم "لاما". كما يُمثل هذا الإعلان أول إصدار من مختبرات ميتا للذكاء الفائق، التي سارعت الشركة إلى إنشائها العام الماضي بعد فشل "لاما".
ويأتي إطلاق النموذج الجديد أيضًا بعد أسبوعين فقط من خسارتين قضائيتين قاسيتين للشركة. وقد حمّلت هاتان القضيتان الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام المسؤولية القانونية عن الأضرار الناجمة عن المحتوى المنشور على منصاتها.
قد تُفتح هذه الأحكام الباب أمام موجة من الطعون القانونية الجديدة التي تُهدد أعمال "ميتا" المُربحة. وقد أثار ذلك مقارنات متكررة بقضايا شركات التبغ الكبرى في التسعينيات، والتي أسفرت في النهاية عن تغييرات في ممارسات الأعمال وتسوية قانونية ضخمة، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، اطلعت عليه "العربية Business".
انخفض سهم شركة ميتا بشكل حاد بعد صدور تلك الأحكام، إلا أن ارتفاعه بنسبة 9% منذ إطلاق "Muse Spark" ساعده على التعافي الكامل من ذلك التراجع.
مع ذلك، انخفض سعر سهم ميتا بنحو 14% خلال الأشهر الستة الماضية، مما خفض قيمته السوقية إلى 21 ضعفًا من الأرباح المتوقعة، ليصبح بذلك أحد أرخص أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة.
لكن أي أمل في انتعاش سريع، في حال تجاوز السوق حالة عدم اليقين الحالية المحيطة بالحرب الإيرانية، قد يتضاءل بسبب الأحكام القضائية الأخيرة. وهناك خطر واضح لحدوث تأثير متسلسل نظرًا لآلاف القضايا الأخرى المرفوعة ضد الشركة.
على الرغم من امتلاك "ميتا" إمكانيات كبيرة للدفاع والاستئناف، فإن احتمال استمرار النزاع القانوني لفترة طويلة قد يُعيق ارتفاع السهم لبعض الوقت.
يبدو أن "Muse Spark" قادر على المنافسة مع ما يُعرف بنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إذ صنفت شركة تقييم أداء الذكاء الاصطناعي "Artificial Analysis" أدائه ضمن مستوى قريب من أحدث نماذج شركات غوغل، وأوبن إيه آي، وأنثروبيك، ما يمثل قفزة كبيرة مقارنة بنموذج "لاما" السابق الذي جاء في المرتبة الأخيرة ضمن تصنيفات الشركة الحالية.
وكتب مارك شموليك، المحلل في شركة بيرنشتاين، يوم الخميس: "يرسخ Muse Spark بوضوح مكانة ميتا كلاعب فعال وموثوق في سباق النماذج لتكون بمستوى اللاعبين الرئيسيين".
ويُعدّ "Muse Spark" مجرد بداية لسلسلة من إصدارات النماذج المتقدمة التي يُتوقع أن تُطلقها الشركة هذا العام. لذا، فإن أي تأخير كان سيبدو سلبيًا، في ظل الإنفاق الضخم الذي تقوم به "ميتا" لتتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي.
وقد قفزت نفقات الشركة الرأسمالية بنسبة 84% لتتجاوز 72 مليار دولار العام الماضي. وتتوقع "ميتا" زيادة كبيرة أخرى هذا العام، قد تصل إلى 135 مليار دولار.
ولا تعكس النفقات الرأسمالية المعلنة حتى النطاق الكامل لإنفاق "ميتا" على الذكاء الاصطناعي. وأطلقت الشركة العام الماضي حملة توظيف ضخمة لاستقطاب أفضل المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث حصل بعضهم على رواتب ضخمة.
وقفز إنفاق "ميتا" على البحث والتطوير بنسبة 31% العام الماضي ليصل إلى 57.4 مليار دولار، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 42% أخرى هذا العام ليصل إلى حوالي 81 مليار دولار، وفقًا لتوقعات شركة فيزيبل ألفا.
يُعدّ نشاط "ميتا" الأساسي في مجال الإعلانات عبر الإنترنت مصدرًا مربحًا لدعم طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وتحقق الشركة هامش ربح تشغيلي سنوي يبلغ 41%، أي أعلى بنحو 10 نقاط مما حققته شركة ألفابت، الشركة الأم لغوغل، لعام 2025.
لكن "ميتا" تُقدم أيضًا على مخاطرة أكبر بكثير، نظرًا لريادة "غوغل" في مجال الذكاء الاصطناعي، ونية الرئيس التنفيذي لميتا، مارك زوكربيرغ، المعلنة للوصول إلى إنجاز "الذكاء الفائق" أولًا.
يُعادل الحد الأعلى لهدف الإنفاق الرأسمالي لشركة ميتا لهذا العام 54% من إيراداتها المتوقعة، أي أكثر من ضعف ما يُتوقع أن تنفقه "غوغل" كنسبة من إيراداتها لهذا العام.
لذلك، فإن سباق الذكاء الاصطناعي يأتي في توقيت غير مواتٍ بالنسبة لميتا في ظل خطر مواجهة مأزق شركات التبغ الكبرى مستقبلًا.
لم تُلحق الأحكام القضائية الأخيرة ضررًا ماليًا يُذكر، فالتعويضات الإجمالية البالغة 6 ملايين دولار التي منحتها هيئة محلفين في لوس أنجلوس في قضية شملت "ميتا" و"يوتيوب" التابع لغوغل، تُشكّل أقل من نصف التدفق النقدي التشغيلي الذي تُولّده ميتا وحدها كل ساعة.
لكن تلك القضية وجدت أيضًا أن الشركتين كانتا مُهملتين في تصميم منتجاتهما، ما جعلها مُسببة للإدمان لدى المستخدمين الشباب.
وهكذا تجاوز الحكم بندًا من قانون آداب الاتصالات المعمول به منذ فترة طويلة، والذي كان يحمي شركات الإنترنت عمومًا من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون على منصاتها. وقد نفت "ميتا" بشدة تصميم منتجاتها لتكون مُسببة للإدمان، وتعتزم استئناف الأحكام.
في تقرير صدر قبل أيام، ذكر دان سالمون من "نيو ستريت ريسيرش" أن حكم لوس أنجلوس "قد يكون بداية لموجة عارمة"، نظرًا لوجود قضيتين رئيسيتين معروضتين أمام محاكم كاليفورنيا، تضمّان أكثر من 4,000 دعوى قضائية خاصة.
وقد حدد قاضٍ فيدرالي في سان فرانسيسكو، يُشرف على بعض هذه القضايا، جلسة استماع في 15 أبريل.
وقد أدت تسوية قضايا شركات التبغ الكبرى عام 1998 إلى اتفاق شركات التبغ على تغيير طريقة تسويق منتجاتها ودفع 206 مليارات دولار للولايات على مدى 25 عامًا.
وسيكون مبلغ مماثل أكثر قابلية للإدارة بالنسبة لشركة ميتاـ فهي تحقق هذا القدر من الإيرادات سنويًا الآن، كما أن هوامش أرباحها التشغيلية أعلى بكثير مما كانت عليه شركة فيليب موريس، أكبر شركة تبغ، وقت إبرام التسوية.
ومع ذلك، لم تكن "فيليب موريس" تنفق أكثر من نصف إيراداتها على منتج جديد. كما أن ذروة هذا المنتج، أي “الذكاء الفائق"، ما تزال على الأرجح على بُعد سنوات.
وهذا يعني أن حاجة "ميتا" إلى تدفقات نقدية قوية لن تتراجع في أي وقت قريب. وتتوقع وول ستريت أن تستمر النفقات الرأسمالية في الارتفاع، لتظل أعلى بكثير من مستوى 100 مليار دولار لمدة لا تقل عن السنوات الأربع المقبلة، وفقًا لتقديرات "فيزيبل ألفا".
ولا يمكن فصل مستقبل "ميتا" في مجال الذكاء الاصطناعي عن مستقبلها في مواقع التواصل الاجتماعي.
المصدر:
العربيّة