آخر الأخبار

كيف أعادت "سول" صياغة قواعد اللعبة الرقمية؟

شارك

في خطوة تاريخية أعادت رسم خارطة النفوذ الرقمي عالميا، أعلنت كوريا الجنوبية رسميا عن دخول "قانون الذكاء الاصطناعي الأساسي" (AI Basic Act) حيز التنفيذ الكامل، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تطبق قوانين شاملة تنظم هذه التكنولوجيا المتسارعة، متفوقة بجدولها الزمني على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ويأتي القانون الجديد استجابة للمخاوف المتزايدة من المحتوى المضلل، حيث بموجب هذا القانون، بات لزاما على كافة الشركات المزودة لخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي دمج علامات مائية رقمية غير مرئية (Watermarks) في كافة الصور والفيديوهات والملفات الصوتية المنتجة آليا.

وهذه العلامات ليست مجرد شعارات صورية، بل هي "بصمات تقنية" تتيح للمنصات والمستخدمين كشف المحتوى المولد اصطناعيا بضغطة زر، مما يضع حدا لانتشار عمليات "التزييف العميق" (Deepfake) التي هددت الأمن المجتمعي والعمليات السياسية مؤخرا.

تفاصيل القانون وبنوده الجوهرية

يعتمد القانون الكوري نهجا "قائما على المخاطر"، حيث لا يتعامل مع كل أنظمة الذكاء الاصطناعي بنفس الحدة، بل يركز ثقله على المجالات الأكثر حساسية:


* مكافحة "التزييف العميق": يلزم القانون الشركات بوضع علامات مائية رقمية غير مرئية على أي محتوى (نص، صوت، صورة، فيديو) يتم توليده آليا، وهذا الإجراء يهدف لتمكين الأنظمة الأمنية والمستخدمين من كشف التلاعب بالحقائق فورا.
* الأنظمة "عالية التأثير": تم تصنيف الذكاء الاصطناعي المستخدم في الرعاية الصحية والطاقة والخدمات المالية والقرارات العامة كأنظمة "عالية التأثير". تتطلب هذه الأنظمة تقييمات سلامة دورية وإشرافا بشريا مباشرا لا يمكن تجاوزه.
* الشفافية المطلقة: يجب على مقدم الخدمة إخطار المستخدم بوضوح وبشكل مسبق بأنه يتفاعل مع ذكاء اصطناعي، خاصة في خدمات الدعم والدردشة الآلية.
* المساءلة عبر "التمثيل المحلي": يفرض القانون على الشركات الأجنبية العملاقة تعيين ممثل قانوني داخل كوريا الجنوبية، ليكون مسؤولا أمام القضاء الكوري عن أي خرق للبيانات أو انتهاك للخصوصية. مصدر الصورة سول تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز "اقتصاد الثقة" وجذب الاستثمارات في بيئة تكنولوجية آمنة (غيتي إيميجز)

الأثر الداخلي.. إعادة صياغة العقد الاجتماعي الرقمي

على المستوى المحلي، لا يهدف القانون فقط لحماية المستهلك، بل لإعادة هيكلة الاقتصاد الكوري ليكون "اقتصاد ذكاء اصطناعي موثوق":

إعلان

* تحفيز الابتكار المسؤول: من خلال توفير إطار قانوني واضح، تخلصت الشركات الكورية الناشئة من "الغموض القانوني". فالمستثمرون الآن يضخون الأموال في شركات تلتزم بالمعايير، مما يقلل من احتمالية الفشل بسبب الملاحقات القانونية مستقبليا.
* الخطة الثلاثية للدعم الحكومي: القانون يلزم الحكومة بتقديم تقرير كل 3 سنوات حول حالة الذكاء الاصطناعي، ويوفر ميزانيات ضخمة لدعم البنية التحتية (مراكز البيانات والحوسبة السحابية) للشركات الصغيرة والمتوسطة، لضمان ألا تبتلع الشركات الكبرى مثل سامسونغ ونيفر السوق بالكامل.
* الثقة العامة: في مجتمع تكنولوجي مثل كوريا، يعزز هذا القانون ثقة المواطن في الخدمات الحكومية الذكية، مما يسرع من عملية التحول الرقمي الشامل في الإدارة العامة والتعليم. مصدر الصورة هذا التحرك الكوري يمثل نموذجا عالميا قد تتبعه دول أخرى الساعية لحوكمة التكنولوجيا المتسارعة (غيتي)

الأثر الخارجي.. تأثير "سول" العالمي

تأثير هذا القانون يتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية ليصدم النظام العالمي في ثلاث نقاط:

1. كسر احتكار "بروكسل" للتشريع
لسنوات، كان الاتحاد الأوروبي هو من يضع القواعد الرقمية للعالم (تأثير بروكسل)، وكوريا الجنوبية، بسبقها في التنفيذ الفعلي، قدمت نموذجا أكثر مرونة وسرعة، وقد تجد الدول الآسيوية ودول الشرق الأوسط في النموذج الكوري "المتوازن" بديلا جذابا عن النموذج الأوروبي الذي يراه البعض "بيروقراطيا ومعقدا".

2. معايير تقنية عالمية جديدة
عندما تلتزم شركات مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"غوغل" (Google) بالمعايير الكورية (مثل العلامة المائية) للعمل في السوق الكوري الضخم، فمن المرجح تقنيا أن تطبق هذه المعايير على برمجياتها عالميا بدلا من بناء نسخة خاصة لكل دولة، مما يجعل من "سول" المحرك الفعلي للمعايير التقنية العالمية.

3. التموضع الجيوسياسي
من خلال هذا القانون، تضع كوريا الجنوبية نفسها كـ"قوة ثالثة" بين الصراع التكنولوجي الأميركي-الصيني. وهي تقدم نموذجا ديمقراطيا منظما، بعيدا عن الرقابة الصينية المطلقة أو التحرر الأميركي المفرط، مما يجعلها مركزا عالميا (Hub) لبيانات الذكاء الاصطناعي الموثوقة.

التحديات والانتقادات

رغم الإشادات، لا يخلو القانون من تحديات، مثل تكاليف الامتثال، فالشركات الصغيرة تشتكي من أن تطبيق "العلامة المائية" والرقابة البشرية يتطلب موارد مالية وتقنية قد تفوق قدرتها، مما قد يؤدي لاندماج الصغار تحت مظلة الكبار.

كما يخشى البعض أن تؤدي هذه القيود إلى إبطاء سرعة تطوير الخوارزميات مقارنة بالدول التي لا تفرض قيودا، مما قد يؤدي لتراجع تنافسية كوريا في المدى الطويل.

إضافة لذلك، فإن العلامات المائية "غير المرئية" لا تزال تقنية قابلة للاختراق أو الحذف من قبل قراصنة محترفين، مما يضع القانون أمام اختبار دائم للتطور التقني المستمر.

لكن رغم ذلك يقول المراقبون إن قانون الذكاء الاصطناعي الكوري ليس مجرد حزمة من المواد القانونية، بل هو إعلان عن رغبة البشرية في استعادة السيطرة على أدواتها. ومن خلال إلزام الشركات بالشفافية والمساءلة، تضع كوريا الجنوبية حجر الأساس لعصر جديد يكون فيه الذكاء الاصطناعي شريكا آمنا وليس تهديدا مجهولا.

إعلان

وسيحدد نجاح أو فشل التجربة الكورية خلال العامين القادمين بشكل نهائي كيف ستتعامل بقية دول العالم مع هذه الثورة. ولكن المؤكد اليوم هو أن "سول" قد كتبت الفصل الأول في كتاب قوانين المستقبل، وعلى بقية العالم الآن أن يقرأ بعناية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار