على مدى 22 عاما، كان محمد صنهاجي أحد الوجوه الثابتة خلف كواليس منتخب فرنسا لكرة القدم، بدأ مهمته مسؤولا عن أمن "الديوك"، قبل أن يتحول تدريجيا إلى شخصية مقربة من اللاعبين ومستشار في بعض شؤونهم الخاصة.

لكن الرجل، الذي حافظ على موقعه مع تعاقب المدربين والأجيال، غاب عن استقبال لاعبي المنتخب في مركز كليرفونتين خلال التوقف الدولي الأخير، بعدما أصبح ممنوعا من الاقتراب من المنتخب بقرار قضائي، إثر وضعه قيد التحقيق الرسمي في قضية تتضمن اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ والاحتيال وتبييض أموال مرتبطة بالتهرب الضريبي.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بعد إدانة مانشستر سيتي.. محامو قرصان "فوتبول ليكس" يطالبون بحمايته من التهديدات
* list 2 of 2 أنباء سارة لجماهير برشلونة بشأن إصابة رافينيا end of list

وكانت صحيفة "ليكيب" قد كشفت تفاصيل إضافية عن التحقيق، متحدثة عن مزايا مالية وخدمات حصل عليها صنهاجي من عدد من لاعبي المنتخب على مدى سنوات.

من الشرطة إلى منتخب فرنسا

ولد صنهاجي عام 1968 في بلدة كادينيه بمنطقة فوكلوز جنوب فرنسا، ونشأ في عائلة كبيرة داخل أحد المخيمات، حيث عاش نحو 13 عاما مع والده، الذي خدم في الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر.

مصدر الصورة محمد صنهاجي، مسؤول الارتباط الأمني بالمنتخب الفرنسي لكرة القدم، لدى وصوله إلى مطار لوغان في بوسطن (الفرنسية)

ويروي صنهاجي في مقابلات سابقة أن كلمة "الجمهورية" تركت أثرا كبيرا فيه منذ طفولته، بعدما عثر عليها في قاموس داخل أحد أكياس المؤن التي وصلت إلى المخيم.

وفي سن العشرين، التحق بقوات الأمن الفرنسية، قبل أن يصبح ضابط شرطة بعد 3 سنوات، ثم شارك في مهام تابعة للأمم المتحدة خارج البلاد، وقال إنه زار نحو 130 دولة خلال مسيرته.

هذه الخبرة، إلى جانب العلاقة بين وزارة الداخلية والاتحاد الفرنسي لكرة القدم، فتحت أمامه باب الانضمام إلى المنتخب عام 2004 مسؤولا عن أمن البعثة.

وسرعان ما أصبح جزءا مميزا من المشهد اليومي للمنتخب، خصوصا من خلال التحية العسكرية التي كان يؤديها بوضع يده اليمنى على صدغه.

إعلان

وقال صنهاجي في مقابلة مع إذاعة "آر تي إل" عام 2023 إن اللاعبين اعتادوا على تحيته كل صباح، معتبرا أن هذا التقليد انتقل من جيل إلى آخر.

وظل صنهاجي في منصبه رغم تغيّر المدربين، حتى إن لوران بلان، عندما تولى تدريب المنتخب عام 2010 وأجرى تغييرات واسعة في الجهاز المساعد، أبقى عليه ضمن الطاقم.

من رجل الأمن إلى "صديق الأسرار"

لم تقتصر مهمة صنهاجي مع مرور السنوات على حماية المنتخب واللاعبين، إذ تحولت علاقته بهم تدريجيا إلى دور أكثر قربا من حياتهم الشخصية.

وكان يصف مهمته بأنها لا تتعلق بالأمن فقط، بل تشمل أيضا توفير "الطمأنينة" واحترام خصوصية اللاعبين.

هذه العلاقة جعلته، وفق ما أوردته وسائل إعلام فرنسية، شخصا يلجأ إليه عدد من نجوم المنتخب في مسائل شخصية وقضايا حساسة.

وكان صنهاجي على علم بتفاصيل قضية احتجاز وابتزاز بول بوغبا عام 2022، كما استعان به ماتيو فالبوينا خلال قضية الشريط الجنسي، في حين ساعد أنطوان غريزمان في شهادته أمام المحققين في قضية مدربه السابق إريك أولاتس، الذي اتُهم بارتكاب اعتداءات جنسية على قاصرين وأدين لاحقا.

وقال صنهاجي في إحدى مقابلاته إنه يحتفظ بكثير من القصص التي لا يستطيع الكشف عنها لأنها "لا تخصه"، مؤكدا أن الحفاظ على السرية جزء أساسي من علاقته باللاعبين.

بعد التقاعد.. علاقة جديدة بالاتحاد

أحيل صنهاجي إلى التقاعد من وزارة الداخلية في ديسمبر/كانون الأول 2025، لكنه لم يبتعد عن منتخب فرنسا.

فبعد تقاعده، تعاقد معه الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بصفة خاصة لمواصلة مهمته مع المنتخب، مستفيدا من العلاقة القوية التي بناها مع اللاعبين على مدى سنوات.

وكان ضمن طاقم المنتخب خلال كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة، في وضع وصفته وسائل الإعلام الفرنسية بأنه استثنائي نظرا إلى أنه لم يعد موظفا في وزارة الداخلية.

لكن هذه المرحلة انتهت بعد فتح التحقيق القضائي ضده، إذ مُنع من الاقتراب من المنتخب ومركز كليرفونتين.

وكان المدرب الجديد زين الدين زيدان قد أعرب عن عدم رضاه عن الوضع، مشيرا إلى أن صنهاجي قدم كثيرا للمنتخب خلال السنوات الماضية.

مزايا مالية وتحقيقات قضائية

بحسب ما أوردته "ليكيب"، لم تقتصر العلاقة بين صنهاجي واللاعبين على الخدمات والمساعدة الشخصية، إذ يُشتبه في حصوله على مبالغ ومزايا مالية من بعضهم.

وبعد كأس العالم 2022، دفع كيليان مبابي لصنهاجي نحو 60 ألفا و300 يورو (نحو65 ألفا و124 دولارا) من المكافآت، وهي مبالغ قالت التقارير إنها لم تُصرّح بها للسلطات الضريبية، وفقا لشبكة "آر إم سي".

مصدر الصورة محمد صنهاجي مسؤول أمن منتخب فرنسا خلال كأس العالم 2026 (الفرنسية)

كما تشير التحقيقات، وفق "ليكيب"، إلى أن صنهاجي طلب قروضا مالية من عدد من لاعبي المنتخب، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 300 ألف يورو (نحو 324 ألف دولار) بين عامي 2020 و2024.

وتحدثت التقارير كذلك عن استفادته من مزايا أخرى، بينها رحلات وتذاكر، مع وجود شبهات حول استفادة بعض المسؤولين في التسلسل الإداري من تلك المزايا، بما قد يكون ساهم في تحسين وضعه المهني وترقياته.

وفي 16 سبتمبر/أيلول 2026، وُضع صنهاجي قيد التحقيق الرسمي في قضية تتضمن، وفق السلطات الفرنسية، شبهات تتعلق بالاستفادة من تحويل أموال عامة، والفساد، واستغلال النفوذ، والاحتيال، وتبييض عائدات مرتبطة بالتهرب الضريبي.

إعلان

ولا تعني الإحالة إلى التحقيق ثبوت هذه الاتهامات، إذ تبقى القضية خاضعة للإجراءات القضائية.

نهاية مرحلة طويلة مع "الديوك"

في عام 2021، حصل صنهاجي على وسام جوقة الشرف برتبة فارس، بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة الدولة والمنتخب الفرنسي.

وقبل أشهر فقط، ظهر إلى جانب كيليان مبابي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير إلى كليرفونتين استعدادا لكأس العالم 2026، بعدما ناداه مبابي للمشاركة في الصورة الجماعية.

كان المشهد يلخص المكانة التي وصل إليها الرجل داخل المنتخب: مسؤول أمن تحول إلى شخصية مقربة من نجومه، وحافظ على حضوره عبر أجيال ومدربين مختلفين.

لكن بعد أكثر من عقدين خلف الكواليس، وجد صنهاجي نفسه بعيدا عن المنتخب، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية التي أنهت، مؤقتا على الأقل، واحدة من أطول العلاقات الشخصية في محيط "الديوك".