عندما رفع ليونيل ميسي كأس العالم في قطر عام 2022، بدا أن العالم كله تقريبا يحتفل معه. فقد أكمل أفضل لاعبي جيله خزانة ألقابه، وحقق الحلم الذي انتظره طويلا.
وبعد أربعة أعوام، بلغت الأرجنتين النهائي مجددا، لكن التعاطف الذي رافقها في البطولة السابقة تراجع بصورة واضحة. وبدلا من تشجيع ميسي ورفاقه، بات كثير من المشجعين يساندون منافسيهم.
ووصفت مجلة إنتليجنسر الأمريكية المنتخب الأرجنتيني بأنه أقرب فريق إلى دور "الشرير” في هذه البطولة. فما أسباب هذا التحول؟
بات من الصعب أن تنتهي مباراة للأرجنتين من دون نقاش حول قرارات الحكم أو تقنية الفيديو.
ففي مواجهة مصر بدور الـ16، ألغي هدف للمنتخب المصري، كما لم تحتسب ركلة جزاء محتملة لصالحه. وبعد فوز الأرجنتين 3-2، تقدم الاتحاد المصري بشكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وتكرر الجدل في ربع النهائي أمام سويسرا، قبل أن تظهر مطالب بمراجعة لقطة جمعت ميسي بالإنجليزي دجيد سبينس خلال مباراة نصف النهائي، بعدما بدا أن النجم الأرجنتيني لمس قدم منافسه. لكن الحكم لم يراجع اللقطة.
ولا توجد أدلة تثبت وجود محاباة منظمة للأرجنتين. كما يمكن تفسير كل قرار تحكيمي على حدة، إلا أن تكرار الحالات عزز لدى بعض الجماهير انطباعا بأن القرارات الصعبة تصب غالبا في مصلحة ميسي ورفاقه.
لا تعتمد الأرجنتين على المهارات الفردية والتمريرات الهجومية فقط، بل تجيد أيضا استخدام القوة البدنية وتعطيل إيقاع المنافس.
وخلال مواجهة إنجلترا، لجأ اللاعبون الأرجنتينيون إلى ارتكاب الأخطاء والاحتكاكات القوية، خصوصا عندما حاول المنتخب الإنجليزي بناء هجماته.
وترى الجماهير الأرجنتينية في هذا الأسلوب دليلا على الروح القتالية والرغبة في الانتصار. لكن المنافسين يعتبرونه محاولة مستمرة لاختبار الحدود التي يسمح بها الحكم.
ووصفت مجلة إنتليجنسر ثقافة كرة القدم الأرجنتينية بأنها مزيج من "العبقرية والقسوة"، مستعيدة المثال الأشهر لدييغو مارادونا في مونديال 1986، عندما سجل هدفا بيده أمام إنجلترا، قبل أن يحرز بعد دقائق أحد أجمل أهداف تاريخ كأس العالم.
لم تنته التوترات عقب فوز الأرجنتين على إنجلترا في نصف النهائي. فقد احتفل المدافع كريستيان روميرو أمام جود بيلينغهام، كما صرخ باتجاه الحارس جوردان بيكفورد بعد تسجيل هدف التقدم.
لكن الجدل الأكبر جاء عندما رفع لاعبون أرجنتينيون لافتة كتب عليها: "جزر مالفيناس أرجنتينية"، في إشارة إلى جزر فوكلاند المتنازع عليها بين الأرجنتين وبريطانيا، والتي خاض البلدان بسببها حربا عام 1982.
وبدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم النظر في الواقعة. كما تعرض النشيد الإنجليزي لصافرات الاستهجان من جانب مشجعين أرجنتينيين قبل المباراة، قبل أن يرد الجمهور الإنجليزي بطريقة مماثلة.
وتعيد هذه الحوادث إلى الأذهان ما حدث بعد تتويج الأرجنتين بكوبا أمريكا عام 2024، عندما ردد بعض اللاعبين أغنية سخرت من الأصول الأفريقية لعدد من لاعبي المنتخب الفرنسي.
ووصف الاتحاد الفرنسي لكرة القدم الأغنية آنذاك بأنها عنصرية وتمييزية، فيما قدم اللاعب إنزو فرنانديز اعتذارا لاحقا.
وفي المونديال الحالي، يجري التحقيق أيضا في اتهام مشجعة أرجنتينية بتوجيه إساءة عنصرية إلى نجم الإنترنت الأمريكي "آي شو سبيد" (IShowSpeed) خلال مباراة الرأس الأخضر.
عادة ما تنتقل جماهير أمريكا اللاتينية إلى تشجيع آخر منتخب من القارة يواصل مشواره في كأس العالم. لكن الأمر يبدو مختلفا مع الأرجنتين.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مشجعين من كولومبيا والإكوادور وبيرو أنهم يفضلون تشجيع أي منتخب يواجه الأرجنتين.
وتبرز الخصومة بصورة خاصة في المكسيك، التي أقصتها الأرجنتين مرارا من بطولات كأس العالم. كما ساهمت تصريحات إعلامية في زيادة التوتر بين البلدين.
فقد قال مقدم تلفزيوني أرجنتيني خلال البطولة إنه "يكره المكسيكيين"، مدعيا أنهم يشعرون بالغيرة من الأرجنتين داخل كرة القدم وخارجها. ووصفت الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم هذه التصريحات بأنها "بغيضة".
ونقلت صحيفة لوس أنجلس تايمز عن خبير إعلانات أرجنتيني قوله إن الأرجنتينيين يدركون أنهم يظهرون أحيانا بصورة "مكثفة ولا تطاق”.
أثارت علاقة ميسي بالاتحاد الدولي لكرة القدم تساؤلات بين بعض المشجعينصورة من: Cristobal Herrera-Ulashkevich/EPA/IMAGOفي عام 2022، كان ميسي النجم الكبير الذي فاز بكل شيء تقريبا باستثناء كأس العالم. لذلك تعاطف معه حتى كثير من مشجعي المنتخبات المنافسة.
أما اليوم، فهو بطل للعالم وأمريكا الجنوبية، ويخوض نهائي المونديال للمرة الثالثة. وبذلك تحول من بطل محروم يبحث عن إنجاز أخير إلى قائد المنتخب الأكثر حضورا وسيطرة.
كما أثارت علاقة ميسي بالاتحاد الدولي لكرة القدم تساؤلات بين بعض المشجعين، خصوصا بعدما شارك ناديه إنتر ميامي في كأس العالم للأندية، رغم عدم تأهله بالطريقة نفسها التي تأهلت بها أندية أخرى.
ويرى منتقدون أن استمرار ميسي في كأس العالم يمثل مكسبا رياضيا وإعلاميا وتجاريا لفيفا. لكن ذلك يبقى انطباعا لا دليلا على حصوله أو حصول الأرجنتين على معاملة تفضيلية.
ليست كل الجماهير ضد الأرجنتين. ففي دول مثل الهند وبنغلاديش، يتمتع المنتخب بشعبية هائلة، كما يملأ مشجعوه مدرجات الملاعب ويصنعون أجواء تعد من الأكثر حماسا في البطولة.
ولا يزال ميسي نفسه يحظى بمحبة عالمية، إذ يتعامل كثيرون مع مشاركته الأخيرة المحتملة في كأس العالم بوصفها حدثا تاريخيا.
لكن المفارقة أن الإعجاب بميسي لم يعد يعني بالضرورة التعاطف مع منتخبه. وبين الجدل التحكيمي والخشونة والاستفزازات السياسية والاتهامات العنصرية، أصبحت الأرجنتين منتخبا يحبه الملايين ويترقب ملايين آخرين سقوطه.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW