تشهد بطولة كأس العالم عام 2026 تحولا رقميا وتكتيكيا ملحوظا؛ ففي حين يسجل إجمالي عدد رميات التماس انخفاضا عاما، تشهد الرميات الطويلة والأهداف المسجلة منها ارتفاعا ملموسا في الملاعب، وباتت رميات التماس، سواء كانت طويلة أو قصيرة، تؤثر بشكل متزايد ومباشر على مجريات مباريات كرة القدم.
وكانت رميات التماس الطويلة سجلت عودة قوية في منافسات الدوري الإنجليزي الممتاز خلال موسم (2025-2026).
وعلى الرغم من أنها لا تبدو بذات درجة التأثير والحسم التي ظهرت بها في إنجلترا، تبقى حاضرة بقوة في مباريات المونديال، بالتوازي مع استغلال الرميات القصيرة أيضاً لتحقيق تأثير جيد في المباريات.
ووفقا للبيانات الرقمية، فقد سُجل بالفعل 6 أهداف من رميات التماس في كأس العالم 2026 حتى الآن؛ وهو رقم يعادل حصيلة بطولات 2010، و2014، و2018، و2022 مجتمعة، حيث شهدت البطولات الثلاث الأولى هدفين في كل منها، بينما غابت الأهداف المسجلة من رميات تماس تماما عن مونديال 2022.
وتوزعت الأهداف الستة في البطولة الحالية على النحو التالي:
أحرز هدفين قبل إقصائه من البطولة؛ الأول عبر ضربة رأسية للاعب لاديسلاف كريتشي مستفيدا من رمية تماس طويلة نفذها فلاديمير كوفال ضد كوريا الجنوبية، والآخر سجله ميشال ساديليك ضد جنوب أفريقيا لينهي هجمة بدأت برمية تماس طويلة من الجانب الأيمن.
شهدت مباراة نسور قرطاج أمام السويد رمية تماس طويلة نُفذت داخل منطقة الجزاء وتم تشتيتها في البداية، قبل أن تُعاد سريعا ككرة عرضية حولها عمر الرقيق برأسه إلى داخل الشباك.
وكان هذا الهدف الوحيد لتونس في اللقاء الذي انتهى بخسارتها بنتيجة (5-1) وقد أبدى المدير الفني صبري لموشي الرضا عن نجاح أسلوب الرمية الطويلة، رغم أنه أُقيل من منصبه بعد بضعة أيام.
سجل ليروي ساني هدفا ضد الإكوادور إثر رمية تماس من ديفيد راوم، أدت في النهاية إلى قيام فلوريان فيرتز بتهيئة الكرة ليتسلمها جناح غلطة سراي ويسجل منها في غضون دقيقتين.
شهدت المواجهة التي انتهت بفوز تركيا (3-2) هدفين آخرين؛ حيث عادلت الولايات المتحدة (المستضيف المشارك مع كندا والمكسيك) النتيجة (2-2) مطلع الشوط الثاني، بعدما شتت الدفاع رمية تماس طويلة من مارك مكنزي لتصل إلى حافة منطقة الجزاء، ليسددها سيباستيان برهالتر بقوة داخل المرمى. لكن تركيا حسمت الفوز في وقت متأخر عندما أسفرت رمية تماس سريعة نُفذت بجوار الراية الركنية عن حركة أنيقة، انتهت بوضع كعان أيهان الكرة في الشباك.
وتمثل الأهداف الستة من رميات التماس ثاني أعلى معدل مسجل بالتساوي في تاريخ كأس العالم منذ عام 1966، مشاركة مع نسخة عام 2002. أما البطولة الوحيدة التي شهدت عددا أكبر فكانت نسخة عام 1994 التي أقيمت أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية.
تُعرّف الرمية الطويلة داخل منطقة الجزاء بأنها تلك الرمية الموجهة مباشرة إلى منطقة جزاء الخصم ويبلغ طولها 20 مترا على الأقل قبل اللمسة التالية للكرة.
وفي هذا السياق، ظهر منتخب كندا كأكثر الفرق حرصا على استخدام هذا الأسلوب في مرحلة المجموعات، إذ نفذ فريق المدرب جيسي مارش 20 رمية تماس طويلة داخل منطقة جزاء الخصوم (وهو ما يقرب من ضعف منتخب نيوزيلندا الذي نفذ 12 رمية)، كما نفذ الكنديون 5 رميات أخرى ضد جنوب أفريقيا في مباراة دور الـ32.
أما منتخب التشيك فقد تميز بكونه الأكثر كفاءة حتى الآن، إذ أسفرت 8 رميات تماس نفذها عن تسديدة واحدة على المرمى على الأقل.
وفي المجمل، شهدت البطولة الحالية حتى الآن 39 رمية تماس طويلة تبعتها تسديدة واحدة على المرمى على الأقل.
وإذا ما قارنا هذا الرقم بالنسخ السابقة، فقد سجلت بطولة 2022 (12 رمية)، وبطولة 2018 (19 رمية)، وبطولة 2014 (10 رميات)، وبطولة 2010 (25 رمية)، وبطولة 2006 (17 رمية).
ورغم أن ثلاثة أهداف فقط من الأهداف الستة بالبطولة الحالية سُجلت مباشرة من هذه الرميات الطويلة، يبقى هذا المعدل مرتفعا، خاصة عند الأخذ في الاعتبار أن النسخ الأربع الماضية لم تشهد أكثر من هدفين من أي نوع من رميات التماس في كل بطولة.
وبلغ إجمالي الرميات الطويلة داخل منطقة جزاء المنافسين في هذه البطولة 177 رمية خلال 73 مباراة (بمعدل 2.4 لكل مباراة)، مقارنة بـ 1.6 في عامي 2022 و2018، و1.3 في عام 2014.
وفي عام 2010 بلغ المعدل 2.3 لكل مباراة، بينما شهدت نسخة 2006 معدل 1.9 لكل مباراة، ولم تخلُ البطولة حينها من محاولة تنفيذ رمية طويلة واحدة على الأقل من كل الدول المشاركة باستثناء تونس.
على الجانب الآخر، تسجل الإحصاءات انخفاضا في العدد الإجمالي لرميات التماس؛ فبعد 73 مباراة بلغ المتوسط 36.8 رمية تماس في المباراة الواحدة، وهو المعدل الأدنى في كأس العالم منذ مطلع القرن الحادي والعشرين؛ إذ لم ينخفض المتوسط سابقاً عن 40 رمية، بل وصل في بطولة 2010 إلى 50.1 رمية في المباراة.
وقد يعود هذا الانخفاض الإجمالي لنجاح اللاعبين في إبقاء الكرة داخل الملعب، أو بسبب قانون الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الجديد الخاص ببطولة 2026 والمُعلن عنه في فبراير/شباط، الذي ينص على أنه: "إذا اعتبر الحكم أن رمية التماس تستغرق وقتا طويلا أو يتم تأخيرها عمدا، فسيتم بدء عد تنازلي مرئي مدته 5 ثوانٍ. وإذا لم تكن الكرة في اللعب عند نهاية العد التنازلي، فسيتم منح رمية التماس للفريق المنافس".
ورغم عدم الاتساق التام في تطبيق القانون، إلا أن البطولة شهدت بالفعل عكس رميات لصالح الخصوم، مما خلق تأثيرا متتابعا جعل الفرق تنفذ الرميات بشكل أسرع؛ وانخفض متوسط وقت تنفيذ الرمية الواحدة إلى 13.0 ثانية فقط، مقارنة بـ 14.8 ثانية في عام 2018 و15.7 ثانية في عام 2022.
وبات هذا الاستعجال المفروض بقوة القانون يجبر الفرق المهاجمة على التعامل مع الرميات كفرصة هجومية طموحة بدلاً من اتخاذها وسيلة لإضاعة الوقت، كما يسهم في مباغتة المدافعين الذين اعتادوا الحصول على وقت أطول للاستعداد.
ويبدو أن الفرق أصبحت أكثر ذكاءً في اقتناص "المكاسب الهامشية" التي تمثل عاملا حاسما في الأدوار الإقصائية.
ومع استمرار هذا المنحنى التصاعدي، فإن لاعبي المونديال سيفكرون طويلا مستقبلا قبل أن يقرروا أن إخراج الكرة إلى التماس هو الخيار الدفاعي الأكثر أمانا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة