بغداد- بعد أربعة عقود من الغياب، عاد المنتخب العراقي لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم، حاملاً معه فرحة استثنائية اجتاحت الشارع العراقي، وتحولت إلى لحظة وطنية جامعة أعادت إحياء حلم طال انتظاره منذ مونديال المكسيك 1986.
وجاء التأهل التاريخي عقب فوز "أسود الرافدين" على منتخب بوليفيا 2-1، في المباراة النهائية للملحق العالمي المؤهل للمونديال، التي احتضنتها مدينة مونتيري المكسيكية، ليحجز العراق مقعده الثاني في تاريخه بكأس العالم، ويكتب فصلاً جديداً في سجل الكرة العراقية.
رغم توقيت المباراة المبكر عند السادسة صباحاً بتوقيت بغداد، لم تمنع الساعات الأولى من اليوم العراقيين من السهر والترقب، إذ تحولت العاصمة ومدن أخرى بعد نهاية المباراة إلى ساحات احتفال مفتوحة، استمرت حتى المساء، في مشهد نادر يعكس حجم الشغف الشعبي بكرة القدم.
وانتشرت التجمعات الجماهيرية في الشوارع والساحات، فيما صدحت أبواق السيارات ورفرفت الأعلام العراقية، وسط أجواء احتفالية عفوية شملت مختلف الفئات العمرية، من الشباب إلى العائلات، في بغداد والبصرة والموصل ومدن أخرى.
ويرى أهل الشأن الرياضي في العراق أن هذه الفرحة لم تكن مجرد احتفال رياضي، بل تعبيراً عن حاجة مجتمعية عميقة للحظات الفرح الجماعي، في بلد أثقلته التحديات السياسية والاقتصادية لسنوات طويلة.
على المستوى الرسمي، حظي الإنجاز باهتمام واسع، حيث أجرى رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني اتصالاً هاتفياً مع بعثة المنتخب في المكسيك، مقدماً التهاني للاعبين والجهازين الفني والإداري.
وأكد السوداني خلال الاتصال، أن اللاعبين "رسموا الفرحة على وجوه جميع العراقيين ورفعوا اسم العراق عالياً"، مهدياً الفوز إلى أرواح الشهداء والجرحى، ومشيداً بالأداء "البطولي والرجولي" الذي قدمه المنتخب خلال مشواره في التصفيات.
كما أعلن رئيس الوزراء عن تخصيص مكافأة مميزة للمنتخب، تكريماً لهذا الإنجاز، معبراً عن ثقته بقدرة اللاعبين على مواصلة تحقيق النتائج الإيجابية في النهائيات، بحسب بيان لمكتبه الإعلامي.
وفي خطوة تعكس أهمية الحدث، وجه السوداني بتعطيل الدوام الرسمي يومي الأربعاء والخميس، في إشارة إلى البعد المعنوي الكبير لهذا التأهل بالنسبة للعراقيين.
التأهل الجديد أعاد إلى الواجهة ذكريات الجيل الذهبي الذي شارك في مونديال 1986، حيث عبر عدد من نجوم تلك المرحلة عن سعادتهم بعودة العراق إلى أكبر محفل كروي في العالم.
وقال كريم صدام، لاعب المنتخب العراقي الأول المشارك في مونديال المكسيك عام 1986، والذي يدين له العراقيون بتأهل ذلك المنتخب إلى المونديال المذكور بعد أن سجل هدفاً قاتلاً في مرمى المنتخب الإماراتي جعله يواصل مسيرته نحو المباراتين الحاسمتين أمام المنتخب السوري في عام 1985، إن التأهل "يمثل خطوة ناجحة جداً وإن جاءت متأخرة".
وأكد في حديثه لـ "الجزيرة نت"، أن "المنتخب العراقي الحالي استعاد هويته تحت قيادة المدرب الأسترالي غراهام أرنولد، الذي نجح في تحقيق الاستقرار الفني بعد فترة من التذبذب".
واستذكر صدام صعوبة الظروف التي رافقت تأهل 1986، مؤكداً أن اللعب في كأس العالم يتطلب استعداداً مختلفاً، داعياً اللاعبين إلى التركيز والاستفادة من هذه الفرصة.
من جانبه، عبر نجم المنتخب العراقي السابق شاكر محمود، أحد أبطال التأهل إلى مونديال المكسيك 1986، عن سعادته الكبيرة بتأهل العراق، موجهاً تهنئة خاصة للجماهير العراقية التي وصفها بأنها "عانت كثيراً من ظروف الحياة وكانت بأمسّ الحاجة إلى هذه الفرحة".
وقال محمود لـ"الجزيرة نت"، ما تحقق هو ثمرة جهد جماعي كبير وان نجاح المنتخب العراقي في التفوق على نظيره البوليفي منح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة، ورفع من مستوى الثقة لديهم لتقديم أداء مشرف في نهائيات كأس العالم، مشيراً إلى أن اللاعبين كانوا عند حسن الظن، وتمكنوا من إسعاد الشعب العراقي رغم صعوبة المواجهة، بعدما بذلوا جهوداً استثنائية لحسم بطاقة التأهل.
واستعاد محمود ذكرياته مع مونديال 1986، قائلاً، عشت أجواء التصفيات والنهائيات في المكسيك، وشاركت في مباراة العراق والمكسيك، ونلت إشادة من المدرب العالمي سيزار مينوتي، لذلك أدرك تماماً أن اللعب في كأس العالم يضع اللاعبين تحت ضغوط وأضواء كبيرة، ويحتاج إلى استعداد خاص من الآن.
وشدد على أن كرة القدم لا تعرف المستحيل، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في غياب الاستعداد المثالي، مبيناً أن "كأس العالم مشروع دولة"، ويتطلب تهيئة متكاملة من مباريات ودية دولية ودعم لوجستي وفني وإعلامي مستمر حتى انطلاق البطولة.
وأضاف، ما قدمه المنتخب في الفترة الأخيرة من مستوى ونتائج مقبولة يعود بالدرجة الأساس إلى التحضير الجيد، لافتاً إلى أن "المنتخب، رغم معاناته في التصفيات وخوضه أكثر من ملحق، نجح في تحقيق الهدف وخطف بطاقة التأهل، وهي فرحة لا تقل عن إنجاز 1986، لافتاً إلى أن الدور الكبير للمدرب الأسترالي غراهام أرنولد كان حاسماً، خصوصاً في إعادة الثقة ورفع الضغوط عن اللاعبين.
وختم محمود بالقول "كأس العالم هو حلم كل لاعب، وهو تتويج لسنوات طويلة من الجهد".
بدوره، أكد نجم المنتخب العراقي السابق ليث حسين لـ"الجزيرة نت" أن التأهل لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل متواصل وجهود كبيرة من اللاعبين والجهاز الفني، إلى جانب الدعم الجماهيري المستمر.
وشدد حسين على أن المرحلة المقبلة تتطلب تحضيراً مختلفاً، من خلال تنظيم معسكرات قوية ومواجهة منتخبات عالمية، لضمان ظهور يليق باسم العراق في النهائيات.
أما المحلل الرياضي زيدان الربيعي، فاعتبر أن هذا الإنجاز "لحظة تاريخية مفصلية تتجاوز حدود الرياضة"، مشيراً إلى أنه يمثل نتيجة تراكمات طويلة من العمل في ظروف استثنائية.
وأوضح الربيعي لـ"الجزيرة نت" أن المنتخب أظهر نضجاً واضحاً على المستوى التكتيكي والذهني، لكنه حذر من الاكتفاء بنشوة التأهل، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يبدأ الآن.
يحمل هذا التأهل دلالات أعمق لدى شريحة واسعة من الشباب العراقي، الذين نشأوا في ظل الحروب والأزمات، واعتادوا على أخبار التوتر وعدم الاستقرار.
ويرى العراقيون اليوم أن المنتخب أصبح رمزاً للأمل والانتماء، ومساحة جامعة تتجاوز الانقسامات، حيث توحدت مشاعر أبناء البلد خلف "أسود الرافدين" في مشهد نادر من التماسك الوطني.
ورغم أهمية التأهل، يتفق الخبراء على أن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب رؤية بعيدة المدى، تبدأ من الإعداد الجيد للنهائيات، ولا تنتهي عند تطوير البنية التحتية للكرة العراقية.
وفي هذا السياق، شدد المختصون في الشأن الرياضي العراقي على استثمار هذه اللحظة التاريخية، داعين إلى تحويلها لمشروع كروي متكامل، يعزز حضور العراق على الساحة الدولية، ويضمن استدامة النجاح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة