آخر الأخبار

الحرب الباردة في الغابة: أسرار عسكرية وتكتيكات استباقية تستخدمها الحيوانات لتجنب الدماء

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بين أوراق الشجر في الغابة البعيدة، يخترق الهدوءَ صوت نعيق مفاجئ، ويسود الهدوء مجددا. يعتقد البعض أن الهدوء هو ما يسيطر على أجواء تلك الطبيعة، لكنّ الحقيقة غير ذلك، فالغابة واحدة من أكثر بقاع الأرض توترا وترقبا لكل من وما يتحرك فيها. كل صوت أو لون يُرصد بدقة ويُحلل، فهو إما مفترس شرس لا يرحم، أو فريسة تسعى للفرار والتخفي.

هذا ما كشفته دراسة حديثة بدورية "تريندس إن إيكولوجي آند إيفولوشن" العلمية، إذ إن السلوك الحذر والمنظم ليس حكرا على البشر في صراعاتهم، بل تمارسه مجموعات الحيوانات البرية في بيئاتها الطبيعية لتفادي الصراعات مع المجموعات المنافسة من نفس فصيلتها وتأمين ميزة تضمن بقاءها.

حلل الباحثون مئات الأبحاث السابقة للخروج بإطار علمي موحد يصف السلوكيات الاحترازية التي تتخذها الحيوانات قبل حدوث أي مواجهة حقيقية. تقليديا، ركزت الأبحاث لعقود على ما يحدث أثناء المعارك بين الحيوانات أو بعدها مباشرة، لكنْ ركزت هذه الدراسة على التدابير المرنة الاستباقية التي تحدث في غياب الخصوم تماما.

مصدر الصورة عملية التنظيف المتبادل بين طيور الهدهد (كريس فان روين)

تحضير

يقول جوش أربون، أحد الباحثين الرئيسيين للدراسة، من كلية العلوم البيولوجية بجامعة بريستول، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "نرى أدلة عبر المملكة الحيوانية على جمع الحيوانات للمعلومات لمحاولة تقييم التهديد الذي يشكله المنافسون بشكل أفضل؛ أين هم؟ كم عددهم؟ وهل من المرجح أن يرغبوا في القتال؟ يمكن لهذه المعلومات أيضا أن تؤثر على كيفية تحرك المجموعات عبر المساحة واستخدام الموارد، مثل تقليل البحث عن الطعام وتجنب مناطق معينة. نرى أيضا تغيرات في السلوكيات الاجتماعية داخل المجموعات حيث يحاول الأفراد بناء علاقات أقوى مع حلفائهم للتأكد من أن مجموعتهم متماسكة وملتزمة تجاه بعضها إذا تم التقاء منافس وتفجرت معركة".

إعلان

تقترح الدراسة مفهوما علميا جديدا يُسمى "مشهد صراع المجموعات"، وهو مفهوم يتشابه مع المصطلح البيئي المعروف بمشهد الخوف، والذي يوضح كيف تغير الحيوانات الضعيفة أماكن حركتها خوفا من المفترسات.

ولتبسيط هذا المفهوم، يمكننا تخيل كيف تتجنب مجموعة من قردة الشمبانزي بقعة معينة في الغابة لأنها تعلم أن هذه المنطقة تُعد خط تماس مباشرا مع مجموعة شمبانزي منافسة.

في الطبيعة، لا يتركز خطر المواجهات بالتساوي في كل مكان وزمان، بل يتوزع في صورة تضاريس متباينة من التوتر والهدوء، حيث يرتفع التهديد بشكل كبير في مناطق الحدود المشتركة أو بالقرب من الموارد الشحيحة كأشجار الفاكهة ومصادر المياه.

تخوض الحيوانات الاجتماعية في تفاصيل مشهد معقد من صراع المجموعات، وتعدل إستراتيجيتها الدفاعية والاجتماعية تبعا لمستوى التهديد المتغير المرتبط بالموقع وهوية المنافسين.

خبراء في التنبؤ والاستباق

وتصنف الدراسة الاستجابات الاستباقية المدهشة إلى 4 مجالات رئيسية تُظهر كيف تتهيأ الحيوانات للاحتمالات القادمة. الأول يركز على الاستطلاع وتكثيف المراقبة. وتُعد جماعات الشمبانزي نموذجا بارزا في هذا السياق، إذ تلجأ إلى تسلق التلال المرتفعة عندما تتجه نحو مناطق التماس مع المجموعات المنافسة، وتلتزم الصمت التام.

يوضح جوش: "إن التزام الهدوء في السيناريوهات التي تنطوي على مخاطر محتملة له فائدة مزدوجة تتمثل في جعل نفسك صعب الاكتشاف لأي شخص قد يستمع، مع زيادة فرصك في سماع المنافسين القريبين. يتيح هذا للحيوانات اتخاذ قرارات أكثر استنارة قبل الدفع بها في منافسة، مما قد يوفر كمينا أو انسحابا من منافسين خطيرين".

الجانب الثاني يتمثل في الاستخدام المكاني وتأمين الحدود. على سبيل المثال، عندما يشعر حيوان النمس القزم بوجود خطر قريب من الجيران، فإنه يبطئ من سرعة حركته اليومية ليركز بشكل أكبر على فحص العلامات في محيطه. كما يقضي وقتا أطول في تفقد محطات المراحيض المشتركة.

يعلق جوش: "تترك العديد من الحيوانات آثارا لوجودها في البيئة، مثل علامات الرائحة المتعمدة، أو أدلة على أنها كانت هناك مثل الطعام المهمل. كلاهما قد يخبر المجموعات بأن المنافسين قريبون وأن الصراع أكثر ترجيحا، مما قد يحفز سلوكيات استباقية. وبالمثل، نرى أن الحيوانات غالبا ما تستعد بشكل أكبر في المواقع التي حدث فيها صراع سابق، كما هو الحال عند الموارد القيمة مثل الجحور أو أشجار البحث عن الطعام. إن ربط ذكريات التفاعلات السابقة بهذه المواقع يساعد الحيوانات إذا كان من المرجح حدوث صراع هناك في المستقبل."

يشمل الجانب الثالث تعزيز التماسك الداخلي وحل النزاعات البينية. إذ تتطلب المواجهات المحتملة من المجموعة التغلب على مشكلة بيولوجية وسلوكية تُعرف بمشكلة الراكب المجاني، والتي تعني ميل بعض أفراد المجموعة إلى الكسل وتجنب مخاطر القتال معتمدين على جهود وتضحيات رفاقهم. ولتفادي هذه المشكلة وضمان مشاركة الجميع، تلجأ المجموعات إلى تقديم حوافز اجتماعية، مثل زيادة معدلات تنظيف الريش والفراء المتبادل واللعب المشترك. تساعد هذه السلوكيات على تقوية الروابط وتخفيف مشاعر الخوف والقلق لدى الأفراد المتخوفين، وهو ما يُطلق عليه العلماء التخفيف الجماعي للتوتر، مما يضمن استعداد المجموعة بكاملها للدفاع عن أرضها المشتركة.

ملحمة من التناغم

يركز الجانب الأخير على تحقيق التناغم الحركي واستعراض قدرات الردع. تلجأ بعض الحيوانات إلى إظهار جبهة متماسكة وقوية لتخويف الخصوم دون الحاجة إلى اشتباك فعلي.

إعلان

ويظهر هذا التكتيك بوضوح لدى تحالفات ذكور الدلافين، التي تؤدي قفزات وحركات منسقة وإشارات صوتية متزامنة بدقة عالية لتبدو كقوة موحدة يصعب قهرها، مما يقلل من فرص تعرضها لهجوم من المجموعات المنافسة.

تستخدم كائنات أخرى مثل النمل أسلوبا دفاعيا ماديا يتمثل في تشكيل جدران حية من أجسادها لحماية مداخل أعشاشها وتأمين حدودها بشكل متزامن عند شعورها بالخطر.

يوضح جوش: "جمع المعلومات وتذكرها حول قوة المنافسين وموقعهم يمنح المجموعات ميزة في الصراع. مما يساعد في التنبؤ بمكان وجود المنافسين ومدى قوتهم وتوجيه القرارات بشأن مكان التحرك ومتى يجب الاحتراس من الخطر. ومع ذلك، يتطلب هذا أيضا قدرة ذهنية، وهي في حد ذاتها مكلفة (تستخدم أدمغة البشر حوالي 20% من طاقتنا). إذا كانت فوائد استخدام القدرات المعرفية للمساعدة في التفوق على منافسيك تفوق تكاليف تغذية تلك القوة المعالجة الإضافية، فإننا نتوقع أن يتم اختيار هذه القدرات وانتشارها داخل مجتمع الكائنات. فعليا، إذا كان التفوق بالذكاء على منافسك مجديا، فسنرى المعرفة تتطور وفقا لذلك".

لا تقتصر أهمية هذه السلوكيات الاستباقية لتجنب الصراعات على حماية المجموعات الفردية فحسب، بل تمتد لتصنع توازنا بيئيا مدهشا يؤثر على الحياة البرية بأكملها. فعندما تبذل المجموعات المتنافسة جهودا واضحة لتجنب مناطق التماس والحدود المشتركة، تنشأ بشكل طبيعي مساحات عازلة فارغة بين مناطق نفوذ تلك المجموعات الكبيرة.

وتتحول هذه المساحات المهجورة تلقائيا إلى مناطق أمان حقيقية وملاذات هادئة للحيوانات الصغيرة والفرائس المستضعفة، حيث تجد فيها مأمنا من ملاحقة المجموعات الكبيرة المسيطرة.

يوضح هذا الأثر كيف يمكن لمشهد صراع المجموعات، وما ينتج عنه من سلوكيات حذرة، أن يتحول إلى قوة محركة غير مرئية تعيد رسم خريطة توزيع الكائنات وتسهم في الحفاظ على التنوع الحيوي في الطبيعة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار