في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مثل إسفنجة ممتلئة بالماء تنكمش عند تفريغها، تتصرف طبقات الأرض المشبعة بالمياه الجوفية بالطريقة نفسها، إذ كشفت دراسة أُجريت في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية أن السحب المكثف للمياه من باطن الأرض يؤدي إلى هبوط تدريجي في سطحها.
وتعتمد منطقة مكة بدرجة كبيرة على المياه الجوفية للشرب والزراعة، لكن معدل الاستهلاك أعلى بكثير من معدل التجدد الطبيعي للمياه، وهو ما يسبب انضغاطا في الطبقات الرسوبية، يؤدي إلى هبوط في سطح الأرض، رصدته تلك الدراسة التي أجراها الدكتور يحيى مكي، من قسم الجيوماتكس بكلية العمارة والتخطيط جامعة الملك عبد العزيز بجدة، ونشرت بدورية "سيفيل إنجنيرينغ جورنال" (Civil Engineering Journal).
ووجد الباحث أن متوسط الهبوط في معدل 4 سنتيمترات سنويا، ووصل في بعض المناطق إلى 15.2 سنتيمترا، وهو ما عزته الدراسة إلى التباين في نوع التربة، حيث أظهرت أن نوعين جيولوجيين أظهرا أقوى ارتباط بين زيادة معدلات سحب المياه وحدوث الهبوط الأرضي، وهما تكوين العباسة، ووحدات صخور "الديوريت-بيروكسينيت".
ولا يعني رصد هذا الهبوط الأرضي أن مكة تواجعه خطرا بأي شكل من الاشكال، إذ إن الظاهرة تدريجية ومرتبطة أساسا بخصائص التربة ومعدلات سحب المياه الجوفية، وهي أمور تتابعها الجهات المختصة بالفعل عبر المراقبة والدراسات الفنية، بما يساعد على احتواء أي آثار محتملة.
ويوجد تكوين العباسة شرق وجنوب شرق مكة المكرمة، ويتكون من طبقات رسوبية قديمة تشمل الحجر الرملي والطيني والحصى، تشكلت عبر ملايين السنين بفعل السيول القديمة والترسيب في الأودية، وتكمن أهميته في قدرته على تخزين المياه الجوفية بفضل مساميته العالية، ما يجعله مصدرا هاما للمياه في المناطق الجافة، لكن هذه الخاصية نفسها تجعله أكثر عرضة للانضغاط عند الضخ المفرط للمياه، وهو ما قد يؤدي إلى هبوط سطح الأرض وظهور تشققات أرضية.
أما وحدات "الديوريت-بيروكسينيت"، فهي من أقدم التكوينات الصخرية في غرب شبه الجزيرة العربية، وتنتشر ضمن نطاق الدرع العربي، بما في ذلك المناطق الجبلية المحيطة شرق وجنوب شرق مكة المكرمة، وهي صخور نارية شديدة الصلابة والكثافة تشكلت من تبريد الصهارة في أعماق الأرض قبل ملايين السنين، وتمتاز بوجود شقوق وفوالق طبيعية قادرة على تخزين المياه الجوفية.
ورغم صلابتها، فإن استنزاف المياه من هذه الفجوات قد يغير توزيع الضغوط داخل الصخور، ما قد يؤدي إلى تحركات أرضية موضعية أو هبوط تدريجي في السطح.
واعتمد الباحث في رصد الهبوط الأرضي على صور الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR)، وهو موجود على الأقمار الاصطناعية "سينتينِل-1 إيه" و "سينتينِل-1 بي"، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، ويمكنه التقاط صور دقيقة جدا لسطح الأرض، لاكتشاف أي تغيرات صغيرة جدا حتى لو كانت بضعة مليمترات.
ومن خلال فحص صور رادارية من عام 2016 إلى 2025، التقط الباحث التغيرات في سطح الأرض عبر الزمن، وربطها مع بيانات عن معدلات سحب المياه الجوفية، لتأكيد العلاقة بين زيادة معدلات السحب والهبوط الأرضي، وقارن النتائج مع أنواع التربة والصخور المختلفة.
ويقول الدكتور محمد يوسف، أستاذ جيولوجيا المياه بمركز بحوث الصحراء بمصر، إن نجاح الباحث في الربط بين تقنيات الاستشعار عن بعد المتقدمة مثل "الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR)" والبيانات الهيدرولوجية الحقلية (معدلات سحب الآبار) والخرائط الجيولوجية، يمثل أحد أبرز نقاط القوة في هذا العمل البحثي.
ويضيف في تصريحات للجزيرة نت، أن هذا الدمج هو التوجه الحديث في دراسات الجيولوجيا المائية كبديل عن القياسات الأرضية التقليدية المكلفة والمحدودة مكانيا.
وأثنى أيضا على استخدام الباحث لأرشيف صور الرادار لفترة تقترب من 9 سنوات، وهو ما أعطى دقة للنتائج، وسمح برصد سلوك الهبوط على المدى الطويل، وليس مجرد تغيرات فصلية عابرة.
وعن الحلول التي يمكن تنفيذها لتفادي حدوث مشكلة مستقبلا، يشير محمد إلى مجموعة من الحلول أبرزها ما يعرف بـ "التغذية الاصطناعية الموجهة للخزانات"، فلا يجب أن ننتظر مياه الأمطار الشحيحة لتغذي الخزان طبيعيا، بل يمكن حقن الخزان الجوفي اصطناعيا بمياه السيول المعالجة أو مياه الصرف المعالجة ثلاثيا عبر آبار حقن خاصة لإعادة رفع ضغط المسام الهيدروليكي وإيقاف الانضغاط.
كما يقترح الباحث الانتقال إلى إدارة الخزان عبر نماذج رياضية رقمية تحدد "حد الأمان الهيدروليكي" لكل بئر، فإذا اقترب المنسوب من نقطة الحرج الجيوتقني، يتم إغلاق البئر أو تقليل تدفقه.
ويمكن أيضا، اعتماد تقنيات الرادار المتتابع (InSAR) مثل التي استخدمت في الدراسة، لربط خرائط الهبوط اللحظي بخرائط سحب الآبار، مما يسهم في رصد بؤر الخطر قبل حدوث تصدعات في البنية التحتية.
وأخيرا، يشير محمد إلى أهمية "الإحلال المائي وإعادة هيكلة الزراعة"، حيث يقترح منع استخدام المياه الجوفية النقية للأغراض الزراعية المستهلكة للمياه بكثافة، والاستعاضة عنها بمياه التحلية أو المياه المعالجة، مع تطبيق تقنيات الري الذكي (الري بالتنقيط المغلق) وزراعة المحاصيل ذات الاحتياج المائي المنخفض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة