أظهرت أحدث صور الشمس الملتقطة في 8 يونيو/حزيران 2026 مشهدا استثنائيا لقرص الشمس، حيث انتشرت مجموعات عديدة من البقع الشمسية على سطحها، في مؤشر واضح على استمرار النشاط المرتفع للدورة الشمسية الخامسة والعشرين، التي بدأت منذ عام 2020 وتستمر حتى عام 2031.
وتُظهر الصورة المزدوجة قرص الشمس في الضوء المرئي، حيث تبدو البقع الشمسية الداكنة مرقمة ضمن مناطق نشطة متعددة، بينما يكشف التصوير بالأشعة فوق البنفسجية القصوى عن هالات ومناطق متوهجة تحيط بهذه البقع، وهي مناطق ترتبط عادة بالحقول المغناطيسية القوية والانفجارات الشمسية المحتملة.
ويلاحظ أن معظم البقع النشطة الحالية تتمركز في النصف الشمالي من الشمس، مع وجود مجموعات أخرى جنوب خط الاستواء الشمسي، ما يعكس حالة من الاضطراب المغناطيسي واسعة النطاق داخل الغلاف الجوي الشمسي.
تتشكل البقع الشمسية نتيجة دوران الشمس حول نفسها بسرعات متفاوتة، مما يؤدي إلى التواء خطوط مجالها المغناطيسي وتشابكها بقوة في مناطق معينة؛ هذا التشابك المغناطيسي المكثف يمنع الغازات الساخنة والبلازما من الصعود من باطن الشمس إلى سطحها، فيحول دون تدفق الحرارة في تلك النقاط فتصبح أبرد بكثير من المناطق المحيطة بها، وتظهر لنا على شكل بقع داكنة.
فالبقع الشمسية ليست مجرد بقع داكنة على سطح الشمس، بل هي مناطق ذات مجالات مغناطيسية شديدة التعقيد والقوة. ويؤدي هذا النشاط المغناطيسي إلى تسخين الطبقات العليا من الغلاف الجوي الشمسي، فتظهر المناطق المحيطة بها شديدة السطوع عند تصويرها بالأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية.
ولهذا تبدو في الصورة علاقة واضحة بين مواقع البقع الشمسية وبين البنى المضيئة في الهالة الشمسية، فكلما ازدادت كثافة وتعقيد الحقول المغناطيسية حول البقعة، ارتفع احتمال حدوث توهجات شمسية أو انبعاثات كتلية إكليلية يمكن أن تقذف مليارات الأطنان من البلازما نحو الفضاء.
ويتابع علماء الطقس الفضائي هذه المناطق بدقة لأنها تمثل المصدر الرئيس لمعظم الأحداث الشمسية المؤثرة في بيئة الأرض الفضائية.
إلى جانب البقع الشمسية، تُظهر الصور فوق البنفسجية وجود ثقب إكليلي كبير في النصف الشمالي للشمس. وعلى الرغم من اسمه، فإنه ليس ثقبا حقيقيا، بل منطقة تكون فيها خطوط المجال المغناطيسي مفتوحة نحو الفضاء، ما يسمح للجسيمات المشحونة بالاندفاع بحرية مكوّنة رياحا شمسية سريعة.
وتشير مراكز رصد الطقس الفضائي إلى احتمال تعرض الأرض في 8 يونيو/حزيران لعاصفة مغناطيسية أرضية تتراوح شدتها بين المستوى الضعيف "جي-1" والمستوى القوي "جي-3″، وذلك نتيجة وصول سحابة بلازما منبعثة من الشمس في وقت سابق.
قد لا يقتصر أثر النشاط الشمسي الحالي على التلسكوبات والمراصد فقط، بل ربما يمتد إلى سماء الأرض نفسها. فالعاصفة المغناطيسية المرتقبة قد تشعل عروضا مبهرة من الشفق القطبي فوق مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية، في تذكير جميل بأن البقع الداكنة التي نراها اليوم على سطح الشمس قد تتحول بعد أيام إلى لوحات ضوئية ملونة ترقص في سماء الليل على بعد 150 مليون كيلومتر من مصدرها.
ويحدث الشفق القطبي عندما تصطدم الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس بذرات الأكسجين والنيتروجين في الغلاف الجوي العلوي للأرض، فتطلق ألوانا خضراء وحمراء وبنفسجية ترسم ستائر ضوئية متراقصة في السماء. وكلما ازدادت قوة العاصفة المغناطيسية، اتسعت المناطق القادرة على مشاهدة هذه الظاهرة الطبيعية المبهرة.
تؤكد هذه المشاهد أن الشمس ما تزال تمر بمرحلة نشطة من دورتها الحالية، وهي فترة تزداد خلالها أعداد البقع الشمسية والتوهجات والانبعاثات الإكليلية مقارنة بفترات الحد الأدنى الشمسي.
ورغم أن هذه الظواهر قد تبدو بعيدة عن حياتنا اليومية، فإنها تذكرنا بأن الأرض ليست معزولة عن بيئتها الكونية. فكل بقعة شمسية وكل انفجار في الهالة الشمسية يمثل جزءا من منظومة ديناميكية هائلة تمتد آثارها عبر النظام الشمسي بأكمله.
وتبقى متابعة الشمس اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط لفهم نجمنا الأم، بل لحماية التقنيات الحديثة التي يعتمد عليها عالمنا المتصل بالأقمار الاصطناعية والاتصالات والملاحة. فبينما تبدو الشمس من الأرض قرصا هادئا ومألوفا، تكشف هذه الصور أنها عالم متقلب ونابض بالطاقة لا يتوقف عن مفاجأة العلماء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة