كشفت دراسة حديثة أن أضواء الأرض ليلا، التي يعتمد عليها العلماء منذ سنوات كمؤشر بسيط على النشاط البشري، لا تسير في اتجاه تصاعدي ثابت كما كان يعتقد، بل تتغير بشكل مستمر وسريع، في انعكاس مباشر لتحولات اقتصادية وسياسية وبيئية متلاحقة حول العالم.
وتعتمد هذه الفكرة أساسا على صور الأقمار الصناعية التي ترصد الإضاءة ليلا من الفضاء، حيث ينظر إلى المناطق الأكثر إضاءة على أنها أكثر نشاطا من حيث السكان والاقتصاد والبنية التحتية. لكن الدراسة الجديدة التي نشرت يوم 8 أبريل/نيسان في مجلة "نيتشر" (Nature)، تظهر أن هذا المؤشر أكثر تعقيدا مما يبدو.
فمن خلال تحليل صور يومية التقطت بين عامي 2014 و2022، وجد الباحثون أن الإضاءة الليلية لا تتغير بشكل تدريجي فقط، بل تشهد زيادات وانخفاضات متكررة، قد تحدث في نفس المكان خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما لا تكشفه البيانات التي تجمع سنويا.
يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة تشي تشو، وهو أستاذ الجغرافيا الطبيعية المشارك في قسم الموارد الطبيعية والبيئة في جامعة كونيتكت، أن النتائج أظهرت أن كل منطقة شهدت تغيرا في الإضاءة تعرضت في المتوسط إلى نحو 6.6 تحولات خلال تسع سنوات، وهو رقم يعكس درجة عالية من عدم الاستقرار في هذا المؤشر.
بمعنى آخر، فإن المكان الذي يبدو أكثر إضاءة في سنة معينة قد يشهد انخفاضا في السنة التالية، ثم يعود للارتفاع مرة أخرى.
ويضيف تشو في تصريحات للجزيرة نت، أن مساحة المناطق التي شهدت تغيرات في الإضاءة بلغت أكثر من 21 مليون كيلومتر مربع على مستوى العالم.
ومن هذه المساحة، حدثت تغيرات مفاجئة في نحو مليونين كيلومتر مربع، مثل الانقطاعات المفاجئة للكهرباء أو الكوارث، في حين شهدت نحو 19 مليون كيلومتر مربع تغيرات تدريجية، مثل التوسع العمراني أو تحسن البنية التحتية.
ورغم أن إجمالي الإضاءة على مستوى العالم ارتفع بنسبة صافية تبلغ نحو 16% مقارنة بعام 2014، فإن هذه الزيادة لا تعني أن كل المناطق أصبحت أكثر سطوعا. فالصورة الكلية تخفي توازنا معقدا، إذ ارتفعت الإضاءة في بعض المناطق بنسبة كبيرة وصلت إلى 34%، بينما تراجعت في مناطق أخرى بنسبة تعادل نحو 18%، ما قلل من حجم الزيادة الإجمالية.
وحسب الباحثين، فإن هذا يعني أن العالم لا يضيء بشكل متساو، بل يشهد حالة من المد والجزر في النشاط البشري، تظهر بوضوح عند النظر إلى البيانات اليومية بدلا من المتوسطات السنوية.
ترتبط هذه التغيرات بعدة عوامل، تعكس ما يحدث على الأرض بشكل مباشر، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة، الذي يشير إلى أن زيادة الإضاءة غالبا ما تكون نتيجة التوسع الحضري، أو إنشاء طرق ومبان جديدة، أو وصول الكهرباء إلى مناطق لم تكن مخدومة من قبل.
في المقابل، ترتبط الانخفاضات في الإضاءة بأحداث مختلفة، مثل الأزمات الاقتصادية التي تؤدي إلى تراجع النشاط، أو سياسات ترشيد استهلاك الطاقة، أو حتى النزاعات المسلحة التي قد تدمر البنية التحتية وتقطع الكهرباء عن مناطق واسعة.
وتظهر هذه الأنماط بوضوح عند مقارنة المناطق المختلفة، فقد سجلت آسيا وأفريقيا زيادات ملحوظة في الإضاءة، مدفوعة بالنمو العمراني والتوسع الاقتصادي، في حين شهدت أوروبا انخفاضا نسبيا، نتيجة سياسات تهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة واستخدام أنظمة إضاءة أكثر كفاءة.
أما على مستوى الدول، فتقدم بعض الحالات أمثلة واضحة على هذه التغيرات. ففي فنزويلا، على سبيل المثال، انخفضت الإضاءة بشكل كبير بسبب الأزمات الاقتصادية الحادة. وفي الولايات المتحدة، بدا المشهد أكثر تعقيدًا، حيث ارتفعت الإضاءة في بعض المناطق، بينما تراجعت في مناطق أخرى، ما يعكس اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة نفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة