آخر الأخبار

ملكات النحل الطنان تحبس أنفاسها تحت الماء لأيام.. كيف تفعل ذلك؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في عام 2022، وأثناء قيام سابرينا روندو، الباحثة حينها في جامعة غويلف بكندا، بأبحاث الدكتوراه حول تأثير المبيدات على النحل الطنان، لاحظت شيئا غير متوقع. ففي أنابيب تحتوي على تربة تحاكي ظروف الشتاء الطبيعية، غمرت المياه أربعة أنابيب كان بها ملكات نحل، لكن المدهش أنها بقيت على قيد الحياة بطريقة ما، وهو أمر استثنائي بالنسبة لحشرة برية.

هذا الاكتشاف المفاجئ دفع الباحثة لإجراء تجربة موسعة نُشرت في مجلة "بيولوجي ليترز" (Biology Letters) في عام 2024، شملت 143 ملكة من نوع النحل الطنان الشرقي الشائع في أمريكا الشمالية، في ظروف غمر مختلفة، وأظهرت النتائج أنها قادرة على تجاوز آثار الغمر بالماء والخروج سليمة بعد أكثر من أسبوع تحت الماء، لكن هذه النتائج لم تفسر الآليات التي تجعل هذه الحشرات قادرة على البقاء حية كل هذه المدة.

بعد نشر هذه الدراسة، تعاونت الباحثة ما بعد الدكتوراه مع عالم الفسيولوجيا البيئية البروفيسور تشارلز دارفو، الذي كان يدرس أيضا ملكات النحل خلال حالة الكمون، وهي حالة شبيهة بالسبات لدى بعض الثدييات، تدخل ضمن استراتيجيات البقاء خلال الشتاء، وينخفض خلالها نشاطها الأيضي (التمثيل الغذائي) إلى الحد الأدنى، وتتوقف عمليات النمو والتطور حتى انتهاء الشتاء.

لمعرفة الاستراتيجيات التي تمكن هذه الكائنات من الصمود كل هذه المدة في بيئة مغمورة بالماء، قاد الأستاذان في قسم الأحياء بجامعة أوتاوا في كندا دراسة جديدة نُشرت نتائجها مؤخرا في مجلة "بروسيدينغز أوف ذا رويال سوسايتي بي" (Proceedings of the Royal Society B)، وكشفت لأول مرة كيف تتجنب ملكات النحل الغرق دون أن تضطر حتى إلى حبس أنفاسها طوال هذا الوقت، ممهدة الطريق لفهم أعمق لقدراتها الفسيولوجية المذهلة.

مصدر الصورة يعيش النحل الطنان في تربة تحت الأرض قد تغمرها المياه (نايجل راين – جامعة غويلف)

الكمون.. مفتاح النجاة تحت الأرض

مثل العديد من الكائنات الحية، تضطر ملكات النحل إلى التكيف مع انخفاض درجات الحرارة وندرة الغذاء خلال الشتاء. وللنجاة من هذه الظروف، يوضح دارفو في حديثه للجزيرة نت أن "الملكات تدخل في حالة من توقف النمو والأيض، تنخفض خلالها احتياجاتها من الطاقة بنحو 99% مقارنة بحالتها الطبيعية أثناء الراحة".

إعلان

ترقد هذه الحشرات مدفونة في التربة حتى حلول الربيع، لكن الجحور التي تحتلها تحت الأرض لا تبقى دائما آمنة، فقد تكون عرضة للغمر بالمياه، نتيجة ذوبان الثلوج وهطول الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب المياه الجوفية كل ربيع، في حين تكون الملكة في حالة كمون بطيئة الاستجابة، غير قادرة على التفاعل بسرعة مع مثل هذه الطوارئ.

كان يُعتقد أن النحل الذي لم يستيقظ بعد من سباته يلقى حتفه غرقا. ومع ذلك، فإن الفيضانات لا تعني بالضرورة نهاية الملكات، إذ يمكنها، أثناء الغمر، الاستمرار في تبادل الغازات عند معدل أيض منخفض، ما يتيح لها النجاة وإعادة بناء المستعمرة عندما تستقر الظروف.

مزيج من آليات البقاء الفسيولوجية

لمعرفة العوامل التي تجعل ملكات النحل الطنان قادرة على النجاة من الغرق بعد الغمر بالماء لأيام، أعاد الباحثون محاكاة ظروف الشتاء في المختبر لتحفيز حالة الكمون لدى النحل الذي جمعوه.

يشرح دارفو: "قمنا باستحثاث حالة الكمون لدى ملكات تم الحفاظ عليها في المختبر، واستخدمناها في تجاربنا بعد 4 إلى 5 أشهر. ثم وُضعت واحدة تلو الأخرى في قوارير مملوءة بالماء البارد. وقمنا بقياس معدل الأيض وتبادل الغازات في الماء الذي غُمِرت فيه من خلال مراقبة كمية الأكسجين التي استنشقتها، وكمية ثاني أكسيد الكربون التي أنتجتها، وهو ما أمكن قياسه مباشرة بعد الغمر، وكذلك بعد 4 و8 أيام من الغمر المستمر".

وأظهرت النتائج أن النحل المغمور كان ينتج باستمرار ثاني أكسيد الكربون في الماء بمعدلات أقل بكثير مقارنة بالنحل غير المغمور، وأن مستويات الأكسجين المذاب في الماء انخفضت مع مرور الوقت. فبعد 8 أيام، احتوت الأنابيب التي تضم ملكة واحدة على أقل من 40% من الأكسجين مقارنة بالأنابيب الضابطة، مما يدل على أنها تمتلك قدرة لافتة على استخلاص الأكسجين من الماء المحيط بها.

وتدعم التغيرات التي طرأت على الماء المحيط بالحشرات بقوة فرضية التنفس تحت الماء. قبل الغمر، كانت النحلات في حالة الكمون تنتج نحو 15.42 ميكرولترا من ثاني أكسيد الكربون في الساعة لكل غرام من كتلة الجسم. وبعد 8 أيام تحت الماء، انخفض هذا المعدل إلى 2.35 ميكرولتر فقط، أي ما يعادل نحو سدس قيمته الأصلية رغم بقاء النحل شبه ساكن.

أما الأيض، فقد انخفض إلى الحد الأدنى الضروري للبقاء. فحالة الكمون تقلل أصلا من معدل الأيض لدى الملكة بأكثر من 95%، ويؤدي الغمر بالماء إلى خفضه أكثر من ذلك. ومن خلال استخدام ثاني أكسيد الكربون كمؤشر على الأيض، يمكن بوضوح ملاحظة هذا الانخفاض.

يوضح دارفو: "أول عامل رئيسي حددناه للبقاء هو تثبيط الأيض، فالملكات تقلل من معدل الأيض بشكل كبير خلال فترة الشتاء. ومن المرجح أن تؤدي الظروف الطبيعية في بيئاتها إلى انخفاض مماثل، وإن كانت العوامل البيئية المتغيرة قد تؤثر في مدى هذا الانخفاض".

لكن هذه لم تكن القصة كاملة، فقد رصد الفريق أيضا تراكمًا ملحوظًا لحمض اللاكتيك (اللاكتات) -وهو ناتج ثانوي لعمليات الأيض يزداد عندما تنخفض مستويات الأكسجين- في أجسام النحل المغمور، ما يشير إلى أن الملكات يمكنها أيضا اللجوء إلى طرق أخرى لإنتاج الطاقة دون استخدام الأكسجين في بعض الفترات عبر الأيض اللاهوائي.

إعلان

ويشير الأيض اللاهوائي إلى نوع من التنفس تستخدمه أساسا الكائنات الدقيقة، لكنه يحدث أيضا في عضلات الحيوانات خلال فترات النشاط المكثف. هذا النوع من الأيض لا يتطلب الأكسجين، لكنه يؤدي إلى تراكم حمض اللاكتيك، وهو ما يتضح من زيادة تركيزه في أجسام الملكات بمقدار 15 ضعفا.

مصدر الصورة ملكة النحل الطنان تبحث عن الطعام لتخزين الطاقة استعدادًا لفترة السبات الشتوي. (لوكاس بورغ – جامعة أوتاوا)

ثمن النجاة من الغرق

ورغم أن هذا المزيج لا يضمن نجاة كل ملكة مدفونة، فإنه يفسر كيف يمكن لبعض المستعمرات أن تبدأ من جديد حتى بعد ربيع غارق بالمياه، في ظروف قد تبدو كفيلة بالقضاء عليها قبل أن تبدأ، لكن النجاة تحت الماء لم تكن بلا كلفة.

يقول دارفو: "خلال مرحلة التعافي بعد 8 أيام من الغمر المستمر، لاحظنا أن الملكات ترفع معدل الأيض لديها بشكل ملحوظ عند إخراجها من الماء، ويظل هذا الارتفاع قائما خلال الأيام الثلاثة الأولى، لكنه يعود إلى مستوياته الطبيعية في حالة الكمون بعد نحو أسبوع، ما يشير إلى أن تأثير الغمر كان مؤقتا وليس دائما.

ويضيف: "يتزامن هذا الارتفاع مع التخلص من نواتج الأيض اللاهوائي، وهي عملية تتطلب معدل أيض أعلى لمعالجتها، فعلى مدى عدة أيام، تتنفس الملكات بمعدل أعلى من نظيراتها التي لم تُغمر بالماء، لمساعدة أجسامها على التخلص من حمض اللاكتيك المتراكم. وهذا يطرح تساؤلات حول عدد المرات التي يمكن للملكات فيها تحمل مثل هذه الظروف".

لغز لم يُحل بعد

ورغم أن آليات البقاء تبدو فعالة للغاية، فإن بعض جوانبها لا تزال غير مفهومة بالكامل، إذ لم يتمكن الباحثون بعد من معرفة سبب قدرة الملكات على التنفس تحت الماء، أو الكيفية الدقيقة التي تستخلص بها الأكسجين من الماء.

ويرجح الباحثون أن الأمر قد يكون مرتبطا بما يُعرف بـ"الخيشوم الفيزيائي"، وهو طبقة رقيقة من الهواء المحتجز تتشكل حول جسم الحشرة عند غمرها، وتتيح لها تبادل الغازات مع الوسط المحيط. وتستخدم بعض الحشرات المائية، مثل الخنافس الغاطسة، فقاعات هوائية ملتصقة بأجسامها للتنفس تحت الماء.

ورغم أن تأثير ذلك على النحل الطنان لم يُؤكد بعد بشكل قاطع، لا يستبعد الباحثون أن يفعل الشيء نفسه، إذ يعتقد أن هذا الخيشوم يمكِّن النحل من الاستمرار في التنفس تحت الماء، خاصة أنه قد يكون محبوسا بين شعيرات جسم النحلة، مما يصعب رصده. ومع ذلك، أظهرت البيانات أيضا انخفاض معدلات استهلاك الأكسجين، مما يشير إلى أن النحل يحتاج إلى كميات أقل منه نتيجة انخفاض كلفة الطاقة.

في الوقت ذاته، لا يمكن للتجارب المخبرية أن تعكس تماما ظروف الفيضانات الطبيعية ومدى تأثيرها في موائل النحل، حيث قد تحتوي الحجرات الجوفية على مياه موحلة أو منخفضة الأكسجين أو سريعة التدفق. لذلك، لا يزال العلماء يجهلون الحدود الحقيقية لهذه القدرة في البيئات الطبيعية، وإلى أي مدى يمكن للملكات تحمل الغمر، أو عدد مرات التعرض الممكنة، أو التأثيرات طويلة المدى لذلك.

ويسعى الباحثون إلى تحديد حدود هذه القدرة الاستثنائية على البقاء، وما إذا كانت أنواع أخرى من النحل تمتلك القدرة نفسها. ويشيرون إلى أنه من خلال الدراسات المستقبلية التي تتناول ظروف الماء والخيشوم الفيزيائي المحتمل، إلى جانب تحليلات مفصلة لمرحلة التعافي، يمكن تحديد مدى قدرة الملكات على تحمل الغمر في البرية لفترات طويلة.

ويختتم دارفو حديثه قائلا: "معرفة أنها قادرة على البقاء تحت الماء لفترات طويلة يعد أمرا مطمئنا. كما أن فهم الآليات التي تمكنها من ذلك سيساعدنا على استكشاف آليات وحدود هذه القدرة، وكيف يمكن للظروف البيئية أن تؤثر فيها".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار