منذ ما يقرب من نصف قرن، أحدثت مركبات "الميتالوسين" ثورة في علم الكيمياء، حيث تسابق العلماء لاستخدام مختلف المعادن في بنائها، لكن ظل النحاس هو الاستثناء العنيد، وهي المشكلة التي حلها فريق بحثي من قسم الكيمياء بجامعة كاليفورنيا إرفاين، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية "جورنال أوف ذي أمريكان كيميكال سوسايتي" (Journal of the American Chemical Society).
و"الميتالوسينات" نوع مميز من المركبات الكيميائية، يمكن تخيلها ببساطة مثل "ساندويتش جزيئي" يتكون من شريحتين من حلقات كربونية مسطحة، وبينهما ذرة معدن في المنتصف، وأشهر مثال عليها هو "فيروسين"، الذي يتكون من ذرة الحديد في المنتصف، وكان هذا الاكتشاف مهما جدا لدرجة منح ه جائزة نوبل.
ومنذ تم تكريم العالمين البريطاني جيفري ويلكنسون والألماني إرنست أوتو فيشر بجائزة نوبل عام 1973 لابتكارهما مركب "فيروسين" الذي يستخدم ذرة الحديد، تسابق العلماء لتكرار نفس البناء مع مختلف المعادن، لكن ظل النحاس خلال 70 عاما من المحاولات هو الاستثناء العنيد.
ويعرف النحاس بطبيعته التفاعلية، التي تجعله يرفض الاستقرار داخل هذا التركيب، مفضلا ربط الحلقات الكربونية ببعضها بدلا من التمركز بينها، ما أدى إلى فشل جميع المحاولات السابقة.
لكن الباحثين كسروا هذه القاعدة أخيرا ونجحوا في إجبار النحاس على الاستقرار داخل "الساندويتش الجزيئي" وصنعوا أول نسخة مستقرة من "ميتالوسين النحاس"، وأسموه "كوبروسين"، ووجدوا أن المركب الجديد لا يتميز فقط باستقراره في درجة حرارة الغرفة، بل يظهر أيضا في صورة بلورات زرقاء مخضرة لافتة.
ويكمن سر هذا الاختراق العلمي في تصميم حلقات محيطة بذرات النحاس، فقد استخدم الباحثون تصميما ضخما ومعقدا لهذه الحلقات، ما خلق بيئة مزدحمة حول الذرة المعدنية، منعتها فعليا من القيام بسلوكها المعتاد، وأجبرها على البقاء في وضع "الساندويتش".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تمكن الفريق من إنتاج نسخ أخرى من المركب نفسه، واحدة سالبة عديمة اللون، وأخرى موجبة ذات لون بنفسجي، في إنجاز يعكس تحكما في الخصائص الإلكترونية للمادة.
وبهذا الإنجاز، أغلق الاكتشاف فجوة استمرت نحو 70 عاما في الكيمياء الأساسية، بإكمال سلسلة مركبات "الميتالوسين" لجميع عناصر الفئة الانتقالية، وهو ما اعتبره الباحثون خطوة مفصلية في فهم سلوك المعادن.
وعناصر الفئة الانتقالية، هي مجموعة من المعادن في الجدول الدوري تقع في الصف الرابع، وتتميز بخصائص كيميائية خاصة بسبب وجود إلكترونات في المستوى الفرعي.
ولأن "الميتالوسينات" تدخل في تصنيع البوليمرات (البلاستيك المتقدم)، المواد الذكية، والأدوية، فإن هذا الاكتشاف كما ذكر الباحثون في بيان صحفي رسمي، قد يفتح الباب لمواد جديدة، محفزات كيميائية أقوى، وتطبيقات صناعية وطبية غير متوقعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة