في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تمكن علماء الفلك من حل لغز استمر لعقود حول النجم غاما ذات الكرسي، كاشفين المصدر الحقيقي لانبعاثاته القوية من الأشعة السينية.
لطالما شكل النجم غاما ذات الكرسي المسمى "نافي" (تحريف اسم إيفان)، وهو نجم ساطع من نوع النجوم النشطة "بي إي"، ويقع في كوكبة ذات الكرسي، لغزا محيرا لعلماء الفلك بسبب انبعاثاته القوية وغير المعتادة من الأشعة السينية.
فعلى عكس النجوم المعتادة من فئته، التي تصدر أشعة سينية ضعيفة نسبيا، كان هذا النجم يطلق إشعاعات عالية الطاقة بمستويات أربكت النماذج النظرية القائمة. وقد أثار هذا التناقض اهتماما علميا واسعا، ما أدى إلى ظهور فرضيات متنافسة لتفسيره.
تقول عالِمة الفيزياء الفلكية يائيل نازي في بيان صحفي رسمي صادر من جامعة لييج في بلجيكا: "كان هناك جهد كبير ومكثف عبر العديد من الفرق البحثية لحل لغز غاما ذات الكرسي على مدى عقود طويلة. والآن، بفضل الملاحظات عالية الدقة من "مهمة التصوير الطيفي بالأشعة السينية" (إكس ريسم)، نجحنا أخيرا في ذلك".
كانت التفسيرات السابقة تشير إلى أن الانبعاثات قد تنشأ من تفاعلات مغناطيسية داخل النجم نفسه أو من عمليات غير معروفة في القرص المحيط به. بينما رجحت فرضيات أخرى وجود نجم مرافق خفي. وقد حاولت كل هذه النظريات تفسير درجات الحرارة العالية والتغيرات في طيف الأشعة السينية، لكنها لم تقدم دليلا حاسما.
جاء الاختراق العلمي من خلال ملاحظات مهمة "إكس ريسم"، التي وفرت دقة طيفية غير مسبوقة. فقد سمحت هذه القياسات للباحثين بتتبع تغيرات دقيقة في سرعة البلازما عالية الطاقة المسؤولة عن الأشعة السينية، ما قدم دليلا حاسما على مصدرها.
تقول نازي: "طُرحت عدة سيناريوهات لتفسير هذه الانبعاثات؛ أحدها افترض وجود إعادة اتصال مغناطيسي محلي بين سطح النجم وقرصه، واقترحت أخرى أن الأشعة السينية مرتبطة بنجم مرافق، سواء كان نجما منزوع الغلاف الخارجي، أو نجما نيوترونيا، أو قزما أبيض يكتسب مادة".
لكن البيانات كشفت نمطا واضحا ومتسقا، فحركة البلازما الباعثة للأشعة السينية لا تتوافق مع حركة النجم من نوع "بي إي" بل مع جرم مرافق مدمج. وكان هذا الاكتشاف نقطة تحول حاسمة في التحقيق.
أكد التحليل الطيفي المفصل أن مصدر هذه الانبعاثات هو مادة مرتبطة بقزم أبيض يدور حول النجم الأساسي.
وقد أظهرت البلازما تغيرات في السرعة تتوافق مع الحركة المدارية لهذا القزم الأبيض، ما قدم دليلا مباشرا على دوره في إنتاج الأشعة السينية الشديدة.
وقالت نازي معلقة: "كشفت الأطياف أن إشارات البلازما عالية الحرارة تغيّر سرعتها بين ثلاث ملاحظات، متتبعة حركة القزم الأبيض وليس النجم الأساسي".
وأضافت: "وقد تم قياس هذا التغير بدقة إحصائية عالية، وهو أول دليل مباشر على أن البلازما فائقة السخونة المسؤولة عن الأشعة السينية مرتبطة بالجرم المرافق، وليس بالنجم من نوع "بي إي" نفسه".
هذا الاكتشاف يقلب الفرضيات السابقة، ويؤكد أن النظام هو نظام ثنائي، حيث تنتج الأشعة السينية من تفاعل المادة مع القزم الأبيض.
لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على هذا النظام فقط، بل تمتد إلى فهم أنظمة نجمية أخرى تُظهر سلوكا مشابها في الأشعة السينية.
وتعتقد نازي وفريقها أن المفتاح يكمن في فهم كيفية حدوث التفاعلات بين النجمين. والآن بعد أن عرفنا الطبيعة الحقيقية لغاما ذات الكرسي، يمكننا بناء نماذج خاصة لهذه الفئة من الأنظمة، وتحديث فهمنا لتطور النجوم الثنائية".
يفتح هذا الاكتشاف المجال لتحسين نماذج دورة حياة النجوم، خاصة في الأنظمة التي تلعب فيها الأجرام المدمجة ونقل المادة دورا أساسيا. كما يبرز أهمية المراصد الحديثة مثل "إكس ريسم" في حل الألغاز الفلكية المعقدة.
وتظهر قصة غاما ذات الكرسي أن حتى النجوم التي درست طويلا قد تخفي أسرارا عميقة، تنتظر الأدوات المناسبة لكشفها. ومع كل تقدم تقني، يقترب العلماء أكثر من فهم هذا الكون الواسع، نجما بعد نجم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة