في عمق الكون المظلم، يلوح سديم "فم الوحش"، ويتكون من سحابة جزيئية ضخمة تظهر كوحش أحمر يسبح بين النجوم، وكأنها مشهد مقتبس من فيلم خيال علمي.
وتقع هذه "الحضانة النجمية" على بعد 1300 سنة ضوئية في كوكبة الكوثل (Puppis ) بالنصف الجنوبي من السماء، حيث يتجمع غاز الهيدروجين البارد ليولد نجوما جديدة، كأن الكون ينسج حياة جديدة وسط الظلام.
ويشع رأس السحابة بحجم 1.5 سنة ضوئية، بينما يمتد ذيلها الطويل والخافت إلى 8 سنوات ضوئية، يلوح كشريط ضوئي متوهج يتمايل ببطء بين الظلال الكونية، في حين أن المسافة بين الأرض والشمس لا تتجاوز 8 دقائق ضوئية فقط، لتبرز هذه اللوحة الكونية بجلالها المهيب.
وفي خلفية المشهد، تظهر المجرة الحلزونية "إيسو-257" (ESO 257-19) التي تبعد أكثر من 100 مليون سنة ضوئية عن السديم، وهي في أمان تام من "الوحش الكوني"، لتوفر تباينا مذهلا بين السحب القريبة والمجرات البعيدة، وتجسد صورة حية لتنوع المظاهر في الكون.
ما يجعل هذا "الوحش" مميزا فلكيا أنه ليس سديما انبعاثيا عاديا، بل ينتمي إلى فئة تُعرف باسم السدم أو الكريات المذنبة، وهي سحب صغيرة نسبيا وكثيفة من الغاز والغبار داخل مجرتنا، تمتلك رأسا مضغوطا داكنا وذيلا طويلا خافتا يشبه شكل المذنب، رغم أنها ليست مذنبات على الإطلاق.
ويعرف هذا الجرم تحديدا باسم "سي جي 4″، وهو جزء من سحابة باردة تتكاثف فيها المادة بما يكفي لبدء ولادة نجوم جديدة، لذلك فهو ليس مجرد مشهد بصري مدهش، بل أيضا منطقة تشكل نجمي حقيقية.
ما ماضيه العنيف، فيرجح أنه مرتبط ببيئة قاسية نحتت شكله الحالي عبر الزمن. فالفلكيون يعتقدون أن الذيل الطويل المميز لهذا النوع من السدم قد تشكل إما بفعل موجة صدمة من انفجار مستعر أعظم قريب، أو نتيجة إشعاع قوي ورياح نجمية صادرة عن نجوم ضخمة وحارة قامت بدفع الغاز الأقل كثافة إلى الخلف وترك الرأس الكثيف متماسكا نسبيا في المقدمة.
ولهذا يبدو السديم كأن قوة هائلة ضربته من جهة واحدة ثم سحبته عبر الفضاء، ليصبح شكله الحالي بمثابة أثر متجمد لعنف كوني قديم.
ومع ذلك، تشير بيانات المرصد الأوروبي الجنوبي إلى أن الطبيعة الدقيقة للسديم ما تزال غير محسومة تماما، وهو ما يضيف إلى المشهد مسحة من الغموض العلمي
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة