في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت دراسة حديثة أن بعض الطيور التي تعتمد في غذائها أساسا على الرحيق والفاكهة السكرية تمتلك قدرات بيولوغية استثنائية تمكنها من استهلاك كميات هائلة من السكر دون الإصابة بالمشكلات الصحية التي ترتبط عادة بالإفراط في تناوله لدى البشر، مثل السكري أو اضطرابات القلب والأوعية الدموية.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآليات الطبيعية قد يفتح آفاقا مستقبلية لتطوير علاجات أو إستراتيجيات وقائية للأمراض المرتبطة بارتفاع استهلاك السكر.
في الدراسة التي نشرت في 26 فبراير/شباط في مجلة ساينس (Science)، سعى الباحثون للإجابة عن سؤال علمي مهم: كيف تمكنت أنواع مختلفة من الطيور، تعيش في مناطق متباعدة من العالم، من التكيف مع نظام غذائي غني جدًا بالسكر دون أن تتعرض لأضرار صحية واضحة؟
بينما يتجنب كثير من الحيوانات الأطعمة الغنية بالسكر أو لا يستطيع تحملها بكميات كبيرة، تعتمد بعض الطيور عليها بشكل شبه كامل، ومع ذلك لا تظهر عليها علامات الأمراض المرتبطة عادة بارتفاع السكر.
وتشمل هذه الطيور الطنانات المنتشرة في الأمريكتين، وطيور الشمس في أفريقيا وآسيا، إضافة إلى بعض طيور العسل والببغاوات في أستراليا ومناطق أخرى.
تقول المؤلفة المشاركة في الدراسة إيكاترينا أوسيبوفا، وهي باحثة ما بعد الدكتوراه في البيولوغيا، في معهد سينكنبرغ للأبحاث ومتحف التاريخ الطبيعي في فرانكفورت وجامعة هارفارد: "اللافت أن هذه المجموعات تطورت بشكل مستقل عبر ملايين السنين وفي قارات مختلفة، ما يعني أن قدرتها على التعامل مع السكر نشأت أكثر من مرة خلال التاريخ التطوري، وليس نتيجة سلالة واحدة مشتركة"
وتوضح الباحثة في تصريحات للجزيرة نت أن استهلاك كميات كبيرة من السكر يفرض تحديات بيولوغية معقدة على الجسم، إذ يتطلب تنظيما دقيقا لمستويات السكر في الدم، والحفاظ على توازن السوائل والأملاح، وضبط ضغط الدم، إلى جانب إدارة الطاقة بكفاءة.
وتشير أوسيبوفا إلى أن هذه الطيور تتعامل يوميا مع كميات ضخمة من السكر والسوائل دون أن يختل نظامها الحيوي، وهو أمر لا يستطيع جسم الإنسان تحمله بسهولة، إذ يؤدي الإفراط في السكر لدى البشر غالبا إلى مشكلات صحية مزمنة.
حلل الباحثون الجينومات الكاملة لعدد كبير من الطيور التي تعتمد على السكر في غذائها، وقارنوها بأنواع قريبة منها لا تتغذى على هذا النحو.
وأظهرت النتائج أن بعض التغيرات الجينية كانت فريدة لكل مجموعة، في حين ظهرت تغيرات أخرى بشكل متكرر لدى مجموعات مختلفة رغم تطورها في أماكن متباعدة.
وشملت هذه التغيرات جينات تتحكم في ضغط الدم وتوازن السوائل، وأخرى مرتبطة بوظائف القلب والكلى، وهي أجهزة تتأثر بشدة عند الإفراط في استهلاك السكر لدى البشر.
كما لاحظ العلماء تغيرات متكررة في جينات مرتبطة بهرمون الأنسولين، المسؤول عن تنظيم مستوى السكر في الدم، ما يشير إلى أن هذه الطيور طورت آليات خاصة للتحكم في مستويات السكر بكفاءة دون أضرار صحية.
ومن بين آلاف الجينات التي جرى تحليلها، تقول الباحثة إن جين يعرف باسم (إم إل إكس آي بي إل) برز باعتباره عنصرا مشتركا لدى جميع الطيور التي تعتمد على السكر.
وتوضح أن هذا الجين يلعب دورا رئيسيا في تنظيم كيفية استخدام الجسم للسكر وتحويله إلى طاقة. وأظهرت التجارب المخبرية أن نسخة هذا الجين لدى الطيور الطنانة أكثر نشاطا بكثير مقارنة بأنواع قريبة منها لا تعتمد على السكر في غذائها، ويرى الباحثون أن هذا التعديل الجيني كان عاملا حاسما في تمكين هذه الطيور من استهلاك السكر بكميات كبيرة دون آثار سلبية.
لكن اللافت -حسب المؤلفة المشاركة في الدراسة- أن هذا الجين مهم أيضا في جسم الإنسان، ما يجعله هدفا محتملا لأبحاث الأمراض المرتبطة بالسكر، مثل السكري واضطرابات التمثيل الغذائي.
ويشير الفريق البحثي إلى أن الإنسان عاش تاريخيا على نظام غذائي منخفض السكر نسبيا، في حين تتسم الأنماط الغذائية الحديثة بارتفاع استهلاكه، وهو ما يرتبط بزيادة انتشار أمراض مثل السكري والسمنة وأمراض القلب.
ويعتقد المؤلفون أن فهم كيفية تكيف الطيور مع نظام غذائي غني بالسكر قد يساعد العلماء على تطوير إستراتيجيات طبية جديدة للحد من تأثير هذه الأمراض أو الوقاية منها، سواء عبر فهم أفضل لتنظيم الأنسولين أو تطوير علاجات تستفيد من الآليات البيولوغية المكتشفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة