في سابقة نادرة بتاريخ الرحلات المأهولة، تجد وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) نفسها أمام مشهد معقد تتداخل فيه الطموحات الكبرى لمزيد من الاستكشافات في كوكب القمر مع ضرورات تشغيل محطة الفضاء الدولية، بينما يضغط الوقت والطقس والموارد المشتركة على قرارات قد لا تحتمل أي خطأ. أسبوع واحد فقط يفصل بين مهمتين مأهولتين، وكل تأخير بسيط قد يعيد رسم جدول الفضاء بالكامل.
تتمحور الأزمة حول مهمة "أرتميس2" (Artemis 2)، الرحلة المأهولة الأولى التي تدور حول القمر منذ أكثر من نصف قرن، والتي تمثل حجر الأساس في برنامج "ناسا" لإعادة البشر إلى القمر.
هذه المهمة، المقررة في أقرب تقدير في 8 فبراير/شباط 2026، تستهلك قدرا هائلا من الموارد البشرية والتقنية واللوجستية، بدءا من صاروخ الإطلاق العملاق وصولا إلى سفن الإنقاذ العسكرية المنتشرة في المحيطات تحسبا لأي طارئ.
في المقابل كان من المفترض أن تكون مهمة الطاقم "كرو-12″ (Crew-12) التابعة لـ"سبيس إكس" رحلة اعتيادية لنقل أربعة رواد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية، غير أن عودة طارئة ومبكرة لطاقم "كرو-11" يوم 15 يناير/كانون الثاني 2026 بسبب مشكلة طبية غير معلنة قلبت المعادلة.
ووجدت وكالة "ناسا" نفسها مضطرة لتقديم موعد "كرو-12" لضمان استمرار الوجود البشري على متن المحطة، مما أدخل المهمتين في مسار زمني متزاحم بشكل غير مسبوق.
ومع اشتراك المهمتين في موارد حساسة مثل فرق الطوارئ وغرف تجهيز الرواد وسفن الاسترداد، يصبح من المستحيل عمليا تنفيذ الإطلاقين ضمن فترة زمنية متقاربة.
وتؤكد "ناسا" أن رحلة الطاقم "كرو-12" باتت عمليا في موقع الانتظار، إذ يعتمد موعد انطلاقها كليا على نتائج اختبار التزود بالوقود لصاروخ نظام الإطلاق الفضائي "إس إل إس" (SLS) "أرتميس2".
فإذا اجتاز الصاروخ الاختبار بنجاح وانتقلت المهمة إلى مرحلة الاستعداد النهائي، فإن إطلاق الطاقم "كرو-12" سيُرحّل إلى ما بعد 19 فبراير/شباط 2026، أما إذا تعثرت الاختبارات واحتاجت إلى إعادة، فقد تحصل "كرو-12" على فرصة الإقلاع في 11 أو 12 من الشهر ذاته.
هذا التزاحم لا يعكس فشلا بقدر ما يكشف عن مفارقة لافتة في تاريخ علم الفضاء الأميركي، فللمرة الأولى منذ عقود، لا تعاني "ناسا" من قلة الرحلات، بل من كثرتها.
ومع ذلك يبقى القرار واضحا، فالمهمة القمرية التي تعيد البشر إلى تخوم القمر بعد غياب طويل تحظى بالأولوية المطلقة، حتى لو كان الثمن تأجيل رحلة حيوية إلى المدار الأرضي المنخفض.
في النهاية، تقف ناسا أمام رقصة دقيقة على حافة الخطر، إذ يتطلب كل قرار موازنة صارمة بين الطموح التاريخي والسلامة التشغيلية. وأسبوع واحد قد يحدد ليس فقط مواعيد الإطلاق، بل ملامح المرحلة المقبلة من استكشاف الفضاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة