آخر الأخبار

من مصر إلى الأردن.. الفيزياء تشرح أسرار "قاتل الشتاء" الصامت

شارك

يوصف غاز أول أكسيد الكربون، الناتج عن الاحتراق غير الكامل لغاز البوتاجاز بأنه "القاتل الصامت"، إذ إن تحركه وانتشاره يتم وفق مبادئ فيزيائية صامتة، بحيث لا يكون هناك أي إنذار ينبه المحيطين إلى وجود مشكلة.

وكانت وفاة خمسة أطفال مصريين من منزل واحد بمدينة بنها المصرية مؤخرًا، وقبلها بأيام وفاة رجل أعمال أردني وزوجته وابنته، نتيجة تسرب غاز البوتاجاز، أفضل تجسيد لهذه "الفيزياء الصامتة"، إذ تجمعت في الحادثتين كل الأسباب التي تؤدي إلى الوفاة السريعة.

وبدأت حادثة مدينة بنها المصرية بانفجار في سخان الحمام أثناء استحمام إحدى الشقيقات، وهو ما أدى إلى احتراق غير كامل للغاز بسبب غياب الأكسجين في المكان، فتكون غاز أول أكسيد الكربون، الذي تواجد في بيئة منحته مواصفات خاصة، أدت إلى سرعة انتقاله من الحمام إلى باقي الغرف، حيث كان ينام أشقاؤها الأربعة.

وبسيناريو شبيه، لقي رجل الأعمال الأردني معتز النابلسي وزوجته وابنته حتفهم، ولكن بسبب انفجار في جهاز التدفئة بالغاز.

مصدر الصورة الاهتمام بإجراء صيانة دورية لسخانات ومدافئ الغاز، أحد أهم التوصيات لتجنب تكرار حوادث تسرب الغاز (شترستوك)

بيئة معملية على نطاق أكبر

ويشبه أستاذ الفيزياء بجامعة تكساس إل باسو الأميركية الدكتور أحمد الجندي، ملابسات الحادثتين ببيئة التجارب التي لا يكون مطلوبا فيها حدوث أي أكسدة، إذ يجب عليهم حينها التخلص من الأكسجين، وتكون وسيلتهم لتحقيق ذلك استخدام "الغاز" في عملية تعرف باسم "إزاحة الهواء"، وبالمثل، فإن هذا ما حدث في الحادثين على نطاق أكبر.

ويوضح الباحث في تصريحات خاصة للجزيرة نت، أنهم عندما يضخون الغاز إلى الحاوية التي سيجرون بها تجاربهم، فإن الهواء الأصلي المحتوي على الأكسجين يتم دفعه تدريجيًا إلى الخارج، ويتم تكرار العملية أحيانًا حتى يصبح تركيز الأكسجين قريبًا من الصفر، ويشترط لنجاح هذه العملية أن تتم في نظام مغلق، يمنع أي دخول للهواء الخارجي الذي يحتوي على أكسجين، وتكون الحاوية بها صمام يستخدم لدخول الغاز الخامل، وخروج الأكسجين المزاح تدريجيًا.

إعلان

ويربط أحمد، بين هذه البيئة المصطنعة معمليًا، وبين ما حدث لأطفال بنها، وقبلهما للأسرة الأردنية، فالفتاة في حادثة مدينة بنها تواجدت داخل الحمام في نظام مغلق كبير، أشبه بما نجهزه في المعمل على نطاق صغير، ومع حدوث تسرب للغاز مصحوبًا بالانفجار، حدث احتراق غير كامل للغاز، أنتج غاز أول أكسيد الكربون، الذي اكتسب خاصية انتشار سريعة وهي الحرارة، فأزاح جزيئات الهواء في هذه البيئة المغلقة بسرعة، وهو يشبه ما حدث أيضًا للأسرة الأردنية التي تواجدت في غرفة شبه مغلقة تمامًا.

ويفسر أحمد الانتشار السريع للغاز في الحالتين، بأنه "عندما يسخن الغاز، تزداد حركة جزيئاته، ويصبح أقل كثافة من الهواء المحيط، والفرق في الكثافة يجعل الغاز يرتفع ويزيح الهواء البارد من حوله".

وعن انتقال التأثير من مكان الحادث إلى باقي المنزل في الحالة المصرية والأردنية يقول د. الجندي إن "تسخين الغاز يزيد ضغطه داخل الحجرة المغلقة، والضغط الأعلى يدفع الغاز إلى الأماكن الأقل ضغطًا، فيبحث عن أي فتحات ولو صغيرة مثل "أسفل الباب"، ويتزامن مع ذلك، خاصية أخرى وهي أن السخونة تقلل من لزوجة الغاز، فتكون حركته سريعة، وبسبب هذين العاملين، يندفع الغاز إلى الخارج بسرعة، فيملأ أرجاء المكان في دقائق معدودة".

مصدر الصورة عادة ما تزداد تلك الحوادث خلال فصل الشتاء (بيكسلز)

لماذا تزداد الحوادث شتاء؟

وعادة ما تزداد تلك الحوادث خلال فصل الشتاء، حيث يكثر استخدام سخانات المياه ومدافئ الغاز، كما يفرض الطقس البارد إغلاق النوافذ والأبواب للحفاظ على الحرارة، بما يحول المنازل إلى "نظام مغلق" أشبه بتجارب الفيزياء، وهذا من شأنه أن يقلل من تجديد الهواء، ويسمح بانتشار الغاز السام بسرعة خلال دقائق عند وقوع أي حادث، كما يوضح د. الجندي.

وكانت السلطات الأردنية قد أصدرت توجيهات في 12 ديسمبر/ كانون الأول بعد توالي حالات الوفيات بسبب مدافئ الغاز، والتي كان آخرها رجل الأعمال وأسرته، ودعت مديرية الدفاع المدني الأردني إلى ضرورة تفقد المدافئ قبل تشغيلها، والتأكد من سلامة التوصيلات وخرطوم الغاز وصمام الأمان، وعدم تحميل المقابس الكهربائية فوق طاقتها، تفاديًا لحدوث تماس كهربائي أو حريق.

وهذه المشكلة ليست مشكلة عربية فقط، إذ إن الوفاة بالاختناق الناتج عن التسمم بغاز أول أكسيد الكربون هي مشكلة مرتبطة بفصل الشتاء، وتوثق دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف فورنسيك ساينس أند مدسين" (Journal of Forensic Science and Medicine) حالة وفاة فتاة هندية تبلغ من العمر 24 عامًا داخل حمامها نتيجة تسمم أول أكسيد الكربون الناتج عن سخان الغاز.

وبحسب تقرير الطب الشرعي، أكدت الفحوص أن نسبة "الهيموغلوبين الكربوكسي"، أي الهيموغلوبين المرتبط بجزيء أول أكسيد الكربون في دمها بلغت 76.5%، ما يشير إلى احتراق ناقص للغاز في مكان مغلق، ومنع الدم من حمل الأكسجين بشكل كامل.

وتناولت دراسة أخرى من نيبال نشرتها دورية "جناكي ميديكال كوليدج جورنال أوف ميديكال ساينس" (Janaki Medical College Journal of Medical Science)، حالة فتاة تبلغ من العمر 34 عامًا توفيت لنفس السبب، وأشارت الدراسة إلى أن غاز أول أكسيد الكربون يرتبط بالهيموغلوبين في الدم أسرع بـ "230" مرة من الأكسجين، ما يمنع نقل الأكسجين إلى الجسم ويؤدي إلى نقص أكسجة حاد وحدوث الوفاة.
تجنب البيئة المغلقة

إعلان

ولتجنب مثل هذه الحوادث يشدد أحمد على أن الإجراء الأهم يتمثل في تجنب البيئة المغلقة، عبر تركيب سخانات الغاز في أماكن جيدة التهوية، بعيدًا عن الحمامات المغلقة الصغيرة، كما ينصح بفتح نوافذ أو أبواب أثناء تشغيل سخانات ومدافئ الغاز، واستخدام مداخن أو فتحات تهوية تضمن خروج أي غازات ناتجة عن الاحتراق، وأخيرًا، يجب الاهتمام بإجراء صيانة دورية لهذه الأجهزة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار