كالاس في بيروت لاختبار البديل الأوروبي بعد 'اليونيفيل'
جاءت زيارة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس لبيروت في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان . فقبل أقل من ثلاثة أشهر من انتهاء ولاية " اليونيفيل " في ٣١ كانون الأول/ديسمبر، لم تتبلور بعد صيغة نهائية تضمن عدم حصول فراغ أمني، فيما تتعدد الاقتراحات بين تمديد محدود للمهمة الأممية، وبعثة أوروبية لدعم الجيش اللبناني ، وقوة دولية متعددة الجنسيات تقودها فرنسا وإيطاليا.
رسالة أوروبية
وتكتسب زيارة كالاس أهمية خاصة لأنها تأتي فيما يعمل الاتحاد الأوروبي على بلورة بعثة جديدة لتقديم المشورة والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية، بينما أكدت كالاس أن هذه البعثة ليست بديلاً من "اليونيفيل".
لكن الرسالة الأوروبية واضحة: بروكسل لا تريد إنشاء "يونيفيل" أوروبية. الهدف هو تعزيز قدرة الدولة اللبنانية وقواتها المسلحة على تولّي مسؤولية الأمن، بما في ذلك أمن الحدود والأمن البحري، وتقديم التدريب والمشورة والدعم.
وهنا يُطرح السؤال الأساسي: ماذا سيحدث للمهمات التي تقوم بها "اليونيفيل" والتي لا تستطيع بعثة تدريبية القيام بها؟
منذ عام ٢٠٠٦، تضطلع "اليونيفيل"، استناداً إلى القرار ١٧٠١، بدور يتجاوز تدريب الجيش. فهي تراقب التطورات على الأرض، وتقدم التقارير، وتستخدم قنوات الاتصال والتنسيق لمنع التصعيد، وتساهم في نزع الألغام وتأمين الوصول الإنساني، فضلاً عن دعم انتشار الجيش اللبناني في منطقة عملياتها. وتؤكد "اليونيفيل" نفسها أن قنوات الاتصال والوساطة الميدانية بين الأطراف تشكل إحدى أهم وظائفها في منع سوء التقدير والتصعيد.
أما البعثة الأوروبية المقترحة، فمهمتها الأساسية بناء قدرات المؤسسات اللبنانية. وبالتالي، فإنها تستطيع تقوية الجيش والأجهزة الأمنية، لكنها لا تستطيع تلقائياً أن تحل محل قوة حفظ السلام الدولية أو أن تؤدي دور الفصل والمراقبة والارتباط بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
تحالف دولي
في موازاة المشروع الأوروبي، تدفع فرنسا وإيطاليا في اتجاه إنشاء تحالف دولي لدعم لبنان بعد "اليونيفيل". وقد بحث اجتماع باريس في ١٧ أيلول/سبتمبر في حاجات الجيش اللبناني من التدريب والتجهيز والتمويل، وكذلك الخيارات الممكنة للوجود الدولي بعد نهاية السنة. وتشمل الأفكار المطروحة قوة دولية أو صيغة تقودها أوروبا وتعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة.
هذا الخيار أقرب إلى سد الفراغ الذي قد تتركه "اليونيفيل"، لكنه لا يزال يواجه أسئلة جوهرية: من يعطيه التفويض؟ أين ينتشر؟ ما قواعد اشتباكه؟ وهل يكون موجوداً في الجنوب فعلياً أو يكتفي بمساعدة الجيش من الخلف؟
وبذلك لا يبدو لبنان يتطلع إلى مجرد استبدال قوة بأخرى، بل إلى ضمان عدم انهيار المظلة الأمنية قبل أن يصبح الجيش قادراً على تحمل كامل المسؤولية.
زيارة كالاس لبيروت تختبر إذاً قدرة الاتحاد الأوروبي على الانتقال من الدعم السياسي والمالي إلى المشاركة العملية في تثبيت الاستقرار اللبناني. لكن البعثة الأوروبية، مهما بلغ حجمها، لن تكون وحدها كافية ما لم تترافق مع صيغة دولية أوسع.
لذا فإن السؤال الحقيقي بعد "اليونيفيل" ليس من يرفع علم القوة الجديدة؟ بل من يضمن الأمن عندما تنسحب القبعات الزرق؟
وإذا اقتصرت مساعدة أوروبا على تدريب الجيش، وبقيت القوة الدولية مجرد فكرة، ولم يحصل تقدم في الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات السياسية، فقد يجد جنوب لبنان نفسه أمام فراغ أمني خطير.
أما إذا نجحت فرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في تنسيق الأدوار، وتم تعزيز الجيش اللبناني وتجهيزه، وربط أي وجود دولي جديد بتنفيذ واضح للقرار ١٧٠١، فقد تتحول نهاية "اليونيفيل" من انسحاب محفوف بالمخاطر إلى مرحلة انتقالية نحو استعادة الدولة اللبنانية مسؤوليتها الأمنية الكاملة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي حملته زيارة كايا كالاس لبيروت: ليس فقط ماذا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يقدم للجيش اللبناني، بل هل يستطيع الأوروبيون المساهمة في بناء المظلة الأمنية التي يحتاج إليها لبنان حتى لا تتحول نهاية "اليونيفيل" إلى بداية فراغ جديد؟