بين المدح والذم
في سيرة مريم العذراء، أمام عظمة دعوتها ومكانتها، لا نجد أثرًا للكبرياء ولا رغبةً في التقدّم على الآخرين. لم تستعمل ما أُعطي لها لتعلو على التلاميذ، بل احتضنتهم وخدمتهم، وابتعدت عن مجد الأرض الزائل، لأن قلبها كان يعرف أين يوجد المجد الحقيقي.
وحين كان يمكنها أن تكون هي محور المشهد، أشارت إلى المسيح. في عرس قانا الجليل قالت: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ» (يوحنا ٢: ٥). لم تقل: انظروا إليّ، بل قالت: انظروا إليه. وهذه ربما أعظم صورة لتواضعها: أن تكون حاضرةً بكل عظمتها، من دون أن تستولي على المجد الذي ليس لها.
مديح الله للإنسان حق، لأن الله يعرف القلب كما هو، ولا يرى الواجهة وحدها. أما مديح البشر فليس دائمًا كذلك؛ قد يكون صادقًا، وقد يكون مجاملة، وقد يكون مبالغة، وقد يكون حكمًا ناقصًا لا يعرف كل الحقيقة. لذلك، من الخطر أن يجعل الإنسان قيمته معلّقة على ما يسمعه من الناس.
فالناس يمدحون اليوم وينتقدون غدًا. فئة ترى فيك ما يستحق الإعجاب، وأخرى ترى في الأمر نفسه ما يستحق الاعتراض أو الحسد. وقد ترفعك كلماتهم إلى مكان لا يشبه حقيقتك، ثم تتركك كلمات أخرى في مكان لا تستحقه أيضًا. لذلك لا ينبغي أن يكون ميزان الإنسان في أفواه الناس.
وهنا تكمن المعركة الأصعب: العُجَب.
فقد يبدأ الأمر بفرح طبيعي بإنجاز تحقق، ثم يتسلّل شيء آخر إلى القلب: أن أحب صورتي في عيون الآخرين، وأن أحتاج إلى تصفيقهم كي أشعر بقيمتي. عندها لا يعود المديح مجرد كلمات تُقال لنا، بل يصبح غذاءً للذات.
وهذا ما يجعلني أخاف من المديح عند كل إنجاز؛ ليس لأن المديح شرّ، بل لأن القلب ضعيف، وقد يحوّل النعمة إلى مجد شخصي، والعطية إلى استحقاق، والنجاح إلى سبب للارتفاع على الآخرين.
لذلك يأتي صوت الرسول بولس واضحًا: «لِيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي ٢: ٥).
فالمسيح، في عظمة مجده، اختار الاتضاع. والعذراء، في عظمة مكانتها، اختارت الصمت والحفظ والخدمة.
يقول الإنجيل إن مريم «كانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرة به في قلبها». كانت تكبر من الداخل، لا في عيون الناس. لم تكن بحاجة إلى أن تتحدث عن عظمتها، لأن حياتها كانت تتكلم عنها.
وهنا يكمن الفرق بين من يريد أن يبدو كبيرًا ومن هو كبير حقًا.
فالإنسان لا يكبر بأصله، ولا بأهله، ولا بماله، ولا بنفوذه، ولا بجماله، ولا بعلمه، ولا بالألقاب التي يحملها. يكبر بالله. وكلما ازداد قربًا منه، عرف أن ما لديه ليس ملكًا يتباهى به، بل نعمة يشكر عليها ومسؤولية يحملها بتواضع.
لذلك، حين يأتي المديح، فلنرفضه بتواضع مصطنع، ولنبتلعه بغرور. لنضعه فقط في مكانه الصحيح.
إن قالوا فينا خيرًا، فلنشكر الله.
وإن رأوا فينا نجاحًا، فلنتذكر من أعاننا.
وإن ارتفعت أسماؤنا في عيون الناس، فلنحذر أن ترتفع ذواتنا في أعيننا.
فالمديح لا يضرّ الإنسان حين يمرّ عبره إلى الله؛ إنما يضرّه حين يتوقف عنده.
ربما كان أنضج ما نصل إليه روحيًا أن نفرح بما أعطانا الله، من دون أن نفتخر به؛ وأن نقبل محبة الناس، من دون أن نعيش عليها؛ وأن نسمع المديح، ثم نتركه يعبر منّا إلى الله.
لأن الإنسان الذي يعرف مصدر النعمة، لا تسكره كلمات الناس؛
والذي يعرف قيمته عند الله، لا تهدمه كلماتهم؛
والذي تعلّم من مريم أن يشير دائمًا إلى المسيح، يعرف أن أجمل مجد يمكن أن يناله الإنسان هو أن لا يأخذ المجد لنفسه.
وحين كان يمكنها أن تكون هي محور المشهد، أشارت إلى المسيح. في عرس قانا الجليل قالت: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ» (يوحنا ٢: ٥). لم تقل: انظروا إليّ، بل قالت: انظروا إليه. وهذه ربما أعظم صورة لتواضعها: أن تكون حاضرةً بكل عظمتها، من دون أن تستولي على المجد الذي ليس لها.
فالناس يمدحون اليوم وينتقدون غدًا. فئة ترى فيك ما يستحق الإعجاب، وأخرى ترى في الأمر نفسه ما يستحق الاعتراض أو الحسد. وقد ترفعك كلماتهم إلى مكان لا يشبه حقيقتك، ثم تتركك كلمات أخرى في مكان لا تستحقه أيضًا. لذلك لا ينبغي أن يكون ميزان الإنسان في أفواه الناس.
وهنا تكمن المعركة الأصعب: العُجَب.
فقد يبدأ الأمر بفرح طبيعي بإنجاز تحقق، ثم يتسلّل شيء آخر إلى القلب: أن أحب صورتي في عيون الآخرين، وأن أحتاج إلى تصفيقهم كي أشعر بقيمتي. عندها لا يعود المديح مجرد كلمات تُقال لنا، بل يصبح غذاءً للذات.
لذلك يأتي صوت الرسول بولس واضحًا: «لِيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي ٢: ٥).
يقول الإنجيل إن مريم «كانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرة به في قلبها». كانت تكبر من الداخل، لا في عيون الناس. لم تكن بحاجة إلى أن تتحدث عن عظمتها، لأن حياتها كانت تتكلم عنها.
وهنا يكمن الفرق بين من يريد أن يبدو كبيرًا ومن هو كبير حقًا.
لذلك، حين يأتي المديح، فلنرفضه بتواضع مصطنع، ولنبتلعه بغرور. لنضعه فقط في مكانه الصحيح.
إن قالوا فينا خيرًا، فلنشكر الله.
وإن رأوا فينا نجاحًا، فلنتذكر من أعاننا.
وإن ارتفعت أسماؤنا في عيون الناس، فلنحذر أن ترتفع ذواتنا في أعيننا.
فالمديح لا يضرّ الإنسان حين يمرّ عبره إلى الله؛ إنما يضرّه حين يتوقف عنده.
ربما كان أنضج ما نصل إليه روحيًا أن نفرح بما أعطانا الله، من دون أن نفتخر به؛ وأن نقبل محبة الناس، من دون أن نعيش عليها؛ وأن نسمع المديح، ثم نتركه يعبر منّا إلى الله.
لأن الإنسان الذي يعرف مصدر النعمة، لا تسكره كلمات الناس؛
والذي يعرف قيمته عند الله، لا تهدمه كلماتهم؛
والذي تعلّم من مريم أن يشير دائمًا إلى المسيح، يعرف أن أجمل مجد يمكن أن يناله الإنسان هو أن لا يأخذ المجد لنفسه.