بدا الاستقبال الذي سبق عرض فيلم "شربل" في "Beirut Media Zone" عبورًا إلى مساحة يتقدّم فيها الإيمان، لا مجرّد تمهيد لعرض سينمائي. هنا، حيث تعانق أشجار الزيتون اللون الأخضر الذي يطبع المكان، وحيث للبخور رائحة تستدعي الصلاة، وللترنيمة وقع يتجاوز حدود السمع، استُقبل المدعوون في ليلة أرادها رئيس مجلس إدارة مجموعة "mtv" ميشال المرّ تحيّة لقدّيس تجاوزت سيرته حدود لبنان، لتبلغ قلوب المؤمنين في أصقاع العالم.

في التاسع من تشرين الأول، تاريخ إعلان قداسة مار شربل عام 1977، اختارت "Beirut Media Zone" أن تحتضن حفل إطلاق الفيلم الذي يحمل اسمه، من إنتاج "mtv" و"NMPRO"، برعاية فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وحضوره.

هوية بصرية تنطق بالإيمان

لكن، في انتظار انطفاء الأضواء وبدء العرض، كانت الحكاية قد بدأت في الخارج؛ في باحة الاستقبال، وبين الممرّات الخضراء، وعلى الوجوه التي وصلت تباعًا، وفي مشهد صُمّم ليكون على قدر المناسبة: بسيطًا، مهيبًا، ومحمَّلا بدلالات لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

لم تكن الفخامة غاية المشهد، فحين تكون المناسبة مكرّسة لرجل اختار العزلة والتجرّد، وقضى سنواته الأخيرة في محبسة عنايا متعبّدًا ناسكًا زاهدًا، يصبح التواضع أكثر تعبيرًا من أي استعراض، وتغدو البساطة شكلا من أشكال الوفاء لسيرة القدّيس. من هذا المعنى انطلقت الهوية البصرية للاستقبال، فبدت العناصر متكاملة من دون تكلّف أو تعقيد.

تولّت "Mine Events" تنفيذ التصاميم، بتخطيط باميلا منصور، منظّمة الفعاليات والحفلات، والمهندس رمزي مطر، مهندس التصميم الداخلي والديكور. انسجمت المعالجة مع طبيعة "Beirut Media Zone"، مستفيدة من تفاصيل المكان بما يتناسب مع المناسبة.

أما الأشجار على أنواعها، فشكّلت عنصرًا أساسيًا في المشهد، وكانت جزءًا من لغته؛ من السنديان، بما يحمله من دلالة على التجذّر والثبات، والذي بدا امتدادًا لمعنى الإيمان المتأصّل في الأرض، إلى الزيتون الذي استحضر ذاكرة روحية في وجدان المسيحية، لدلالاته في إيماننا المسيحي ولطابع السلام الذي يضفيه.

وفي أرجاء المكان، حضرت صور مار شربل على الشاشات وفي تفاصيل "الديكور"، من أكياس الشموع إلى العبارات التي رافقت الضيوف، وفي مقدّمها "يا شربل صلّي عنّا".

كان الحضور البصري الموزّع لصورة القدّيس خيطًا يصل أجزاء المكان بعضها ببعض، ويذكّر بأنّ المناسبة، قبل أن تكون احتفاء بعمل سينمائي، هي لقاء مع سيرة صارت جزءًا من الذاكرة الروحية اللبنانية والعالمية.

أما اليدان الكبيرتان المفتوحتان نحو السماء، فقد اختزلتا بلغة الشكل ما حاولت بقية العناصر التعبير عنه: يدان في هيئة صلاة، تطلبان من الناظر أن يتأمّل التصميم وحده، متلمّسًا ما وراءه من خشوع وتضرّع.

وهكذا، اجتمعت التفاصيل في هوية بصرية متكاملة لتصنع مشهدًا متماسكًا، وليكون الاستقبال أشبه بتهيئة وجدانية للقاء مع سيرة مار شربل؛ لقاء لا يحتاج إلى الكثير كي يترك أثره، لأنّ ما يستند إليه أعمق من المشهد.

من "Gethsemane" إلى "BlackBox"

ولأنّ استقبال الضيوف هو العتبة الأولى لأيّ حدث، فقد أُعدّت حركة الوصول بعناية، من استقبال الشخصيات الرسمية التي وصلت بسياراتها، إلى خدمة العربات الكهربائية (Golf Carts) التي تولّت نقل المدعوين من المواقف الخارجية إلى داخل "Beirut Media Zone". كان التنظيم جزءًا من التجربة، لا تفصيلا لوجستيًا على هامشها؛ فالمسار الذي يسلكه الضيف، منذ لحظة وصوله إلى حين بلوغه مساحة الاستقبال، يهيّئه للانتقال من الخارج إلى أجواء الليلة.

إلى جانب التصميم البصري، أسهم تكامل الحواس، من خلال ما تلتقطه العين وتسمعه الأذن وتستشعره حاسة الشم، في تعميق أجواء الاستقبال والتمهيد للقاء مع الفيلم، بحيث عبق المكان بالبخور، فيما أخذت التراتيل تملأ المساحة، لتستقبل الحاضرين بنبرة تمنح الصمت حينًا، والكلمات حينًا آخر، مساحة للتأثير.

في قلب هذا المشهد، تولّت "جوقة جامعة سيدة اللويزة"، بقيادة الأب المايسترو خليل رحمة، إحياء الأجواء الروحية التي رافقت استقبال الضيوف. ثم انضمّت الفنانة رفقا فارس إلى الجوقة، في لقاء تداخل فيه الأداء الفني مع الطابع الإيماني للمناسبة.

ولعلّ اختيار حديقة "Gethsemane" موقعًا لبدء المناسبة يعود إلى ما تحمله من رمزية تتجاوز كونها مجرّد مساحة خضراء للصلاة داخل "Beirut Media Zone"؛ إنّها استحضار لمكان ارتبط بصلاة السيد المسيح قبل أن يُقتاد إلى الصلب. ووفق الأناجيل، تقع "Gethsemane" عند جبل الزيتون، وترتبط بليلة الصلاة التي سبقت الآلام، حين تجلّى الإيمان في أقصى درجاته الإنسانية، بين الرجاء والتسليم.

وفي هذه الأجواء، بارك الأباتي هادي محفوظ، الرئيس العام لـ "الرهبانية اللبنانية المارونية"، القرابين والمسابح التي وُزّعت على المشاركين الذين تجاوز عددهم الألف، لترافقهم نفحة من البركة، مستحضرين روحانية مار شربل القائمة على الصلاة والبساطة والتجرّد.

ومع توالي وصول المدعوين، كانت الاستعدادات تتجه إلى اللحظة التالية: الانتقال إلى استوديو "BlackBox"، حيث أُعدّ المكان لاستقبالهم لمشاهدة الفيلم. والاستوديو الأكبر في الشرق الأوسط، المصمّم ليكون مساحة متعدّدة الاستخدامات، تحوّل ليلة أمس إلى صالة سينمائية مزوّدة بشاشة تُعدّ الأكبر في لبنان، ونظام صوتي استثنائي، بما يتيح للحاضرين اختبار تجربة مشاهدة مختلفة. علمًا أنّ "BlackBox" يستعيد بعد العرض قدرته على التكيّف مع طبيعة الأحداث والبرامج، ومنها استضافة "Dancing with the Stars"، بفضل المدرّج (Telescopic Grandstand) القابل للفتح والإغلاق، والذي يسمح بتغيير المساحة وتجهيزاتها في نحو عشر دقائق فقط.

إلّا أنّ قيمة المكان، مساء أمس، لم تُقَس بحجم شاشته أو اتّساعه أو قدرته التقنية وحدها، إنّما بما استطاع أن يحتضنه من معانٍ. فالتجهيزات، على أهميتها، بقيت في خدمة المناسبة، فيما تقدّم المشهد الإنساني والروحي إلى الواجهة. وهذه، ربما، كانت الفكرة الأوضح في استقبال "شربل": أن يلتقي الحدث مع رسالته.

ففي سيرة مار شربل، لا تنفصل العظمة عن التواضع، إنّما تُقاس بما تتركه في النفوس من أثر. من بقاعكفرا، حيث وُلد يوسف مخلوف عام 1828، إلى عنايا، حيث عاش سنواته الأخيرة في النسك والصلاة، ثم إلى العالم الذي عرفه قدّيسًا وطلب شفاعته، امتدّت حكاية تجاوزت حدود المكان والزمن.