حين صار الراتب يكفي للنجاة فقط: هكذا تمّ ابتلاع الطبقة الوسطى...
المشكلة ليست فقط في ارتفاع الفقر ، بل في تقلص المساحة التي كانت تفصل الأسرة ال لبنان ية عن السقوط؛ فحين تتآكل قدرة الناس على الادخار وتحمل الصدمات والتخطيط للمستقبل، يبدأ الاقتصاد بخسارة طبقته الأكثر أهمية.
لم تكن الطبقة الوسطى اللبنانية ، في أفضل أيامها، طبقة ثرية. كانت ببساطة تلك التي تستطيع أن تعيش من دخلها، وتدفع تعليم أبنائها، وتواجه مرضًا طارئًا، وتدخر جزءًا من دخلها، وربما تشتري منزلًا أو تبدأ مشروعًا صغيرًا. ميزتها الأساسية لم تكن مستوى الرفاه، بل وجود هامش أمان يسمح للأسرة بأن تخطط للغد من دون أن تكون صدمة واحدة كفيلة بإسقاطها في العجز.
هذا الهامش هو الذي تعرض للتآكل خلال السنوات الماضية، والأرقام تقول ذلك بوضوح. فدراسة البنك الدولي للفقر وعدم المساواة، المبنية على مسح للأسر أُجري بين كانون الأول 2022 وأيار 2023 وشمل خمس محافظات هي عكار وبيروت والبقاع وشمال لبنان ومعظم جبل لبنان، أظهرت أن نسبة الفقر بحسب الاستهلاك في المناطق المشمولة ارتفعت من 12 في المئة عام 2012 إلى 44 في المئة عام 2022، فيما ارتفعت بين اللبنانيين من 11 إلى 33 في المئة. ولا تغطي هذه البيانات بعلبك الهرمل والجنوب والنبطية، ولذلك لا يجوز اعتبارها نسبة وطنية كاملة، لكنها تكشف بوضوح اتجاه التحول الاجتماعي داخل المناطق التي شملها المسح.
لكن الرقم الأكثر دلالة على موضوعنا ليس ارتفاع الفقر وحده، بل تقلص الفئة الواقعة في المساحة الآمنة بين الفقر والثراء. فبحسب تعريف البنك الدولي، انخفضت حصة الطبقة الوسطى بين اللبنانيين في المحافظات المشمولة من 36 في المئة في 2012 إلى 23 في المئة في 2022/2023، بينما أظهرت المقارنة لجميع السكان المشمولين بالمسح تراجع هذه الشريحة من 35 إلى 18 في المئة. وفي المقابل، بقي نحو 32 في المئة من اللبنانيين في المناطق نفسها ضمن فئة المعرّضين للسقوط في الفقر، أي الذين تزيد احتمالات وقوعهم تحته خلال السنة المقبلة عن 10 في المئة.
هذه ليست أرقامًا تصف انتقال بعض الأسر من خانة إلى أخرى في جدول إحصائي فحسب. معناها الاقتصادي أن المساحة التي كانت تسمح لعائلة بالوقوف على قدميها أصبحت أضيق، وأن عددًا أكبر من اللبنانيين بات يعيش أقرب إلى الحافة حتى لو لم يدخل بعد في خانة الفقر.
من الاستقرار إلى الهشاشة
يمكن أن يكسب الموظف اليوم دخلًا يبدو مقبولًا، لكنه يصبح في وضع اقتصادي هش إذا كان هذا الدخل يذهب بمعظمه إلى السكن والغذاء والتعليم والاستشفاء والطاقة والنقل من دون أن يترك مجالًا للادخار. وهنا تكمن أهمية الأرقام: تقرير البنك الدولي لا يصف فقط ارتفاع الفقر، بل يظهر أيضًا أن متوسط الاستهلاك الحقيقي للفرد بين اللبنانيين في المناطق المشمولة انخفض بنحو 32 في المئة تراكميًا بين 2012 و2022، مع تراجع بلغ 35 في المئة لدى الشريحة الأدنى مقابل 31 في المئة لدى الشريحة الأعلى. وهذا يعني أن الانكماش لم يكن محصورًا في الفئات الأشد فقرًا، بل طال مختلف شرائح المجتمع، وإن بدرجات متفاوتة.
وحين ينخفض الاستهلاك الحقيقي بهذه النسبة، لا يكون الأمر مجرد تقشف مؤقت. الأسرة تبدأ بتغيير مستوى معيشتها: تخفّض الإنفاق على الطعام، تؤجل العلاج، تختار خدمات أقل كلفة، تؤخر شراء منزل أو سيارة، وتستهلك مدخراتها بدل أن تراكمها. وقد أظهر المسح بالفعل أن الأسر اللبنانية خفّضت استهلاكها من اللحوم والأسماك والمأكولات البحرية بصورة كبيرة مقارنة بعقد سابق، فيما ارتفع استهلاك الخبز والحبوب الأقل كلفة بأكثر من 20 في المئة.
والأكثر دلالة أن الشعور بالتدهور لم يكن محصورًا في الفقراء. فقد قال 56 في المئة من الأسر اللبنانية في المسح إنها تعتبر نفسها فقيرة أو فقيرة جدًا في 2022/2023، بعدما كانت النسبة 19 في المئة فقط في 2011/2012. حتى الشريحة الأعلى دخلًا لم تكن بمنأى عن هذا الشعور، إذ قال نحو 30 في المئة من الأسر الواقعة في أعلى خُمس التوزيع إنها تشعر بأنها فقيرة أو فقيرة جدًا.
هنا تتحول الأرقام إلى معنى اجتماعي واضح: الأزمة لم تُفقِر فئات محددة فحسب، بلأضعفت إحساس شرائح واسعة ب الأمان الاقتصادي .
وهذا هو الفارق بين الفقر والهشاشة. الفقير يعرف أنه لا يملك ما يكفيه، أما الأسرة الهشة فقد تملك منزلًا ودخلًا وتعليمًا لأبنائها، لكنها تعلم أن مرضًا طويلًا أو فقدان وظيفة أو ارتفاعًا حادًا في الأسعار يمكن أن يغيّر وضعها بالكامل. وقد وجد البنك الدولي أن المخاطر الناتجة من تقلبات الدخل والاستهلاك كانت عاملًا مهمًا في تفسير هشاشة اللبنانيين غير الفقراء، أي أن المشكلة لم تعد نقص الموارد وحده، بل عدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث لها.
وهنا يبدأ الاقتصاد بفقدان شيء لا تقيسه نسب الفقر مباشرة:القدرة على الصعود.
اقتصاد يفقد وسطه
الطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة اجتماعية تقع بين الفقير والغني؛ إنها من أهم محركات الطلب المحلي، ومن أكثر الشرائح ارتباطًا بالتعليم والسكن والادخار والاستهلاك والخدمات و المشاريع الصغيرة . وحين تهبط من الاستقرار إلى الهشاشة، يتغير سلوكها الاقتصادي قبل أن تتغير تسميتها الاجتماعية.
الأسرة التي كانت تدخر تبدأ باستهلاك مدخراتها، ومن كان يفكر في شراء منزل يؤجل القرار، ومن كان يخطط لإنشاء مشروع صغير يبحث عن وظيفة أكثر أمانًا، ومن كان مستعدًا للاستثمار في تعليم أبنائه يبدأ في البحث عن الخيارات الأقل كلفة. ومع اتساع هذه السلوكيات، ينكمش الطلب على قطاعات تعتمد عليها الطبقة الوسطى، فتتراجع قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التوسع والتوظيف.
وهكذا تتشكل حلقة يصعب الخروج منها: ضعف الدخل الحقيقي يقلص الاستهلاك والادخار، وتراجع الطلب يضعف الاستثمار والتوظيف، وضعف الاستثمار يضيق فرص الصعود أمام جيل جديد، فتزداد الهشاشة مرة أخرى.
والواقع الاقتصادي الحالي يزيد هذه الحلقة حساسية. فبعد نمو قدره 4.2 في المئة في 2025، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 في المئة خلال 2026، فيما يرجع جزءًا من الضرر إلى تراجع السياحة والاستهلاك والاستثمار، ويحذر من أن النزوح وتدمير رأس المال وتعطل التعليم والصحة ومغادرة العمال المهرة يمكن أن تترك آثارًا دائمة على القدرة الإنتاجية.
هذه الأرقام لا تعني أن الطبقة الوسطى ستنهار بالكامل، لكنها تقول شيئًا أكثر أهمية: الاقتصاد لم يستعد بعد القدرة التي تسمح لهذه الطبقة بإعادة إنتاج نفسها.
فلكي تكبر الطبقة الوسطى، يحتاج الاقتصاد إلى وظائف منتجة ومستقرة، وإلى رواتب تسمح بتكوين مدخرات، وإلى خدمات عامة لا تبتلع جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة، وإلى نظام مصرفي يستطيع أن يستقبل الادخار ويموّل الاستثمار. أما عندما ترتفع كلفة الكهرباء والنقل والتعليم والاستشفاء، ويصبح التمويل المصرفي ضعيفًا، وتضيق فرص العمل النوعية، فإن رفع الدخل الاسمي لا يكفي لإنقاذ الأسرة من الهشاشة.
ومن هنا لا تبدو حماية الطبقة الوسطى مسألة توزيع مساعدات أو زيادة رواتب فحسب. إنها مسألة إعادةبناء البيئة التي تجعل العمل منتجًا بما يكفي لتكوين أمان اقتصادي.
من يبقى؟
هنا يصبح السؤال سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي. ماذا يحدث لمجتمع ينحسر فيه الوسط، فيما تتوسع الحاجة إلى المساعدة لدى الفئات الأضعف، وتمتلك الفئات الأعلى دخلًا وسائل أكثر لحماية أصولها وتنويعها؟
الخطر أن يصبح المجتمع أكثر استقطابًا اقتصاديًا، وأن تضيق المساحة التي تسمح للإنسان بأن ينتقل تدريجيًا من دخل متواضع إلى استقرار، ومن الاستقرار إلى امتلاك أصل أو إنشاء مشروع. وإذا ضاقت هذه المساحة، يصبح الصعود الاجتماعي أصعب، وتتحول الهجرة إلى وسيلة أسرع لبناء مستقبل مختلف.
وهنا تلتقي الطبقة الوسطى بمقال الهجرة السابق، ولكن من زاوية جديدة. فالهجرة لا تصبح فقط نتيجة لغياب الوظيفة، بل نتيجة لغياب المسار. الشاب الذي يرى أن دخله الحالي لن يسمح له ببناء منزل أو ادخار أو تأسيس مشروع أو تأمين تقاعده قد لا ينتظر سنوات طويلة لاختبار تحسن الوضع؛ قد يختار السوق الذي يمنحه مسارًا أوضح.
وهكذا تخسر البلاد على مستويين: الأسرة التي تبقى تصبح أكثر اعتمادًا على التحويلات ، والاقتصاد الذي يغادره الشباب يفقد جزءًا من القوة البشرية التي يحتاج إليها كي يعيد بناء طبقته الوسطى.
لكن الحل لا يكون بمحاولة منع الناس من السفر، كما لا يكون بإغراق الفئة المتعثرة بالمساعدات. المطلوب هو إعادة بناء السلم الاقتصادي نفسه: وظيفة منتجة تقود إلى دخل أفضل، ودخل يسمح بالادخار، وادخار يتحول إلى أصل أو مشروع، وأصل يمنح الأسرة قدرة أكبر على تحمل الصدمات.
وهذا يحتاج إلى إصلاحات تبدأ من المصارف ولا تنتهي عندها، مرورًا بالطاقة والخدمات والضرائب وسوق العمل والقضاء والإدارة العامة. فالأسرة لن تصبح أكثر أمانًا لأن الدولة أعلنت أن الطبقة الوسطى أولوية؛ ستصبح كذلك عندما ينخفض مقدار ما تدفعه للحفاظ على حياتها الأساسية، ويرتفع ما تستطيع الاحتفاظ به من ثمرة عملها، وتعرف أن قواعد الاستثمار والادخار لن تتغير عليها فجأة.
الأرقام التي كشفها مسح البنك الدولي تكشف جوهر المشكلة بدقة: عندما انتقلت نسبة اللبنانيين الواقعين تحت خط الفقر في المناطق المشمولة من 11 إلى 33 في المئة، وانخفضت حصة الطبقة الوسطى من 36 إلى 23 في المئة، لم يكن ما حدث مجرد توسع في الفقر؛ كان تآكلًا في المنطقة التي كانت تفصل عددًا كبيرًا من الأسر عن السقوط. وهذا هو المعنى الذي يجب أن يلتقطه صانع القرار.
لبنان لا يحتاج فقط إلى خفض الفقر، بل إلى منع الأسر التي ما زالت تقف فوقه من الانزلاق نحوه، وإلى إعادة فتح الطريق أمام من سقط كي يصعد من جديد. فالاقتصاد الذي ينجح في نقل الناس من الهشاشة إلى الاستقرار يخلق مستهلكين ومدخرين ومستثمرين ودافعي ضرائب، بينما الاقتصاد الذي يتركهم عالقين في المنطقة الرمادية يستهلك طاقاتهم في البقاء بدل استخدامها في النمو.
لذلك ربما تكون المشكلة الاقتصادية الأكثر خطورة في لبنان ليست أن عدد الفقراء ارتفع، بل أن الأمان الاقتصادي نفسه أصبح امتيازًا أصعب حصولًا.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس كم أسرة ما زالت قادرة على دفع فواتيرها، بل كم أسرة تستطيع بعد دفعها أن تحتفظ بشيء للمستقبل.
فحين يصبح كل شهر معركة للبقاء، لا تعود الطبقة الوسطى مجرد شريحة اجتماعية تتراجع في الإحصاءات؛ تصبح فكرة الصعود نفسها مهددة. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
لبنان لا يحتاج فقط إلى إخراج الناس من الفقر؛ يحتاج إلى إعادة بناء الطبقة التي تمنعهم من السقوط فيه.