منذ اندلاع المواجهة على الجبهة الجنوبية في تشرين الأول 2023، انتقل لبنان بين محاولات احتواء التصعيد ومساعي وقف الحرب وصولاً إلى اتفاق 27 تشرين الثاني، من دون أن يتمكن أي من هذه المسارات من إقفال الجبهة على تسوية ثابتة. وبعد كل التحولات التي فرضتها الحرب، يعود النقاش اليوم إلى نقطة سبقت معظم الطروحات التي جاءت بعدها؛ اتفاقية الهدنة والقرار 1701، في وقت لا تزال إسرائيل تحتل أراضي لبنانية وتواصل اعتداءاتها، فيما ينتقل ملف سلاح " حزب الله " إلى صدارة المواجهة السياسية والضغوط الخارجية. وامام هذا المشهد يعيد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي طرح المقاربة التي وضعها منذ بداية الحرب، ولكن أمام واقع تبدّلت فيه موازين كثيرة وبقيت شروط الحلّ معلّقة.

وفي العودة إلى هذه المقاربة، يضع ميقاتي اتفاقية الهدنة والقرار 1701 كأساس للحل، متمسكاً بمسار رافق موقفه منذ الأشهر الأولى للحرب، حين كان يدفع باتجاه المرجعيات القائمة لوقف المواجهة وتثبيت الاستقرار على الحدود. ولم يبتعد اتفاق 27 تشرين الثاني عن هذا المسار، إذ استند إلى القرار 1701 ووضع آلية لمتابعة تنفيذه، فيما بقيت اتفاقية الهدنة خارج الصيغة التي اعتمدها الاتفاق. أما اليوم، فيعيد ميقاتي الجمع بين المرجعيتين في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم استكمال الانسحاب، بما يعيد البحث إلى صيغة تتجاوز وقف العمليات العسكرية نحو معالجة الأسس التي تسمح بتثبيت الاستقرار على الحدود.

ولعلّ ميقاتي لا يضع هذا المسار في إطار الوصول إلى سلام أو تطبيع مع إسرائيل، إذ يرى أن ذلك مستحيل في الظروف الحالية، بل يحصره في ترتيب يكرّس الاستقرار من دون أن يغيّر طبيعة العلاقة معها. ومن هنا يكتسب القرار 1701 موقعه في استكمال هذه المقاربة، بما يفرضه من حضور للدولة والجيش في الجنوب، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ، لتصبح المسألة مرتبطة بكيفية تنفيذ الالتزامات التي بقيت موضع خلاف، لا بالبحث عن صيغة سياسية جديدة للعلاقة مع إسرائيل.

غير أن الانتقال من هذه الصيغة إلى التنفيذ يصطدم بالعقدة التي رافقت كل المحاولات السابقة، أي ترتيب الالتزامات بين الأطراف. فإسرائيل تربط استكمال انسحابها من الأراضي اللبنانية بمعالجة سلاح "حزب الله"، فيما يربط "الحزب" أي بحث في هذا الملف بإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. وبين المسارين، تجد الدولة نفسها أمام معادلة يصعب فصل أحد عناصرها عن الآخر، إذ لا يمكن تثبيت سيادتها على كامل أراضيها في ظل استمرار الاحتلال، كما لا يمكن حسم ملف السلاح من دون معالجة الأسباب التي يضعها "الحزب" في أساس بقائه.

في المقابل، يبرز الموقف الإسرائيلي كأحد أبرز العوامل التي ستحدد إمكان التقدم في طرح ميقاتي، خصوصاً أن «تل أبيب» رفعت سقف مطالبها ولم تعد تتعامل مع الهدوء على الحدود باعتباره كافياً، بل تسعى إلى تكريس واقع أمني يمنع "حزب الله" من استعادة قدراته ويمنحها ضمانات طويلة الأمد. لذلك يبقى مدى تقاطعها مع هذا الطرح مرتبطاً بما إذا كانت مستعدة للعودة إلى إطار تضبطه تفاهمات دولية، أم أنها ستتمسّك بالوقائع التي فرضتها الحرب وبحرية الحركة التي منحتها لنفسها منذ ذلك الحين.

ولا تبدو واشنطن بعيدة عن جوهر هذا الطرح، إذ يلتقي في جانب أساسي منه مع ما تدفع إليه منذ أشهر لجهة حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش، فيما سبق أن تولّت دوراً أساسياً في الوصول إلى اتفاق 27 تشرين الثاني وفي الآلية التي رافقته. غير أن انتقال طرح ميقاتي إلى مسار قابل للتنفيذ يحتاج إلى دور أميركي يتجاوز إدارة التفاهمات إلى تأمين التزام إسرائيلي بها، وهو ما سيحدد عملياً ما إذا كانت واشنطن قادرة على توفير الغطاء الذي يتحدث عنه ميقاتي، أم أن الطرح سيصطدم مجدداً باختلال الالتزامات بين لبنان وإسرائيل.

أما في الداخل، فتزداد تعقيدات تطبيق هذا المسار، لأن معالجة ملف السلاح لا ترتبط بقرار الدولة وحدها، بل بموقف "حزب الله" من التسوية التي ستنتج عنه. فـ"الحزب" لا يتعامل مع سلاحه كملفّ مستقلّ عن الصراع مع إسرائيل، بل يربط بقاءه باستمرار الاحتلال والاعتداءات وبحاجة لبنان إلى القدرة على مواجهتهما، ما يجعل أي انتقال إلى بحث جدّي في مستقبل السلاح مرتبطاً بالنسبة إليه بتغير هذه الوقائع أولاً. ومن هنا، لا تكفي الضغوط الخارجية لدفع هذا الملف نحو الحسم، كما لا يكفي الاتفاق على 1701 إذا بقي الخلاف قائماً حول ترتيب الخطوات. أما إذا نجح المسار في تثبيت الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات ضمن ضمانات واضحة، فذلك من شأنه أن يغيّر الإطار الذي يستند إليه "الحزب" في مقاربته للسلاح، وينتقل النقاش عندها إلى موقعه داخل الدولة ومستقبل دوره العسكري في ظلّ واقع جديد على الحدود.

لكن موقف "حزب الله" لا ينفصل بدوره عن العامل الإيراني الذي أدخله ميقاتي صراحة في حسابات أي تسوية مقبلة. فمسار العلاقة بين واشنطن وطهران سيكون حاضراً في الخلفية، خصوصاً إذا وصل البحث إلى مستقبل سلاح "الحزب" ودوره، وهي مسألة تتجاوز التوازنات اللبنانية وترتبط أيضاً بالموقع الإقليمي لإيران. لذلك يكتسب ما يجري بين طهران وواشنطن أهمية مباشرة بالنسبة إلى فرص تقدم هذا الطرح، إذ يمكن لأي تفاهم بينهما أن يخفّف من تعقيدات الملف اللبناني، فيما سيجعل استمرار المواجهة بينهما الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة. ومن هنا، لا يبدو الغطاء الدولي الذي يتحدث عنه ميقاتي منفصلاً عن المناخ الإقليمي الذي سيحيط به، لأن نجاح أي صيغة في لبنان سيحتاج إلى ظروف تسمح بترجمتها داخلياً، لا إلى تفاهم دولي يبقى معزولاً عن حسابات القوى المؤثرة في الملف.

وعليه، لا تبدو عودة ميقاتي إلى اتفاقية الهدنة والقرار 1701 مجرد استعادة لطرح سابق، بقدر ما تشكّل محاولة لإعادة وضع سقف سياسي واضح لأي تسوية مقبلة. فالطرح لا يحتاج إلى مرجعية جديدة بقدر حاجته إلى توافق يسمح بتحويل المرجعيات القائمة إلى مسار قابل للتنفيذ، وهي النقطة التي أخفقت عندها المحاولات السابقة. ومنذ ذلك الحين حتى اليوم، لم يتغير مضمون الاتفاقات بقدر ما تغير حجم الضغط الذي يدفع مختلف الأطراف إلى البحث عن مخرج، من دون أن يعني ذلك أن الشروط اللازمة للوصول إليه أصبحت متوافرة.

في المحصلة، لا تأتي عودة ميقاتي إلى اتفاقية الهدنة والقرار 1701 من فراغ، بل تعكس محاولة لإعادة النقاش إلى أساس سياسي وقانوني سبق أن طُرح منذ الأيام الأولى للحرب، قبل أن تدفع التطورات الميدانية والسياسية بالملف في اتجاهات أكثر تعقيداً. وبعد كل ما شهدته المرحلة الماضية، يعود هذا المخرج إلى الواجهة لا بوصفه وصفة جاهزة للحل، وإنما كأرضية يمكن أن يبدأ منها البحث عن نهاية مختلفة للمواجهة المستمرة. وهنا تكمن دلالة طرح ميقاتي اليوم، إذ لا يقدم مساراً جديداً بقدر ما يعيد طرح مسار قديم في لحظة مختلفة، قد تكون هي التي تحدد هذه المرة إن كان سيبقى في حدود الطرح السياسي، أم يجد طريقه إلى تسوية تنقل لبنان من إدارة الحرب إلى تثبيت استقرار قابل للاستمرار.