في بلد يطالب مواطنيه بضرائب ورسوم متزايدة، لا تكمن المشكلة في حجم الجباية وحده، بل في قدرة الدولة على الوصول إلى كل نشاط اقتصادي يستفيد من السوق والخدمات العامة، أيًا كانت جنسية صاحبه، وتحصيل المستحقات القانونية منه.

هناك سؤال لا يبدو سياسيًا للوهلة الأولى، لكنه يكشف جانبًا أساسيًا من أزمة الدولة ال لبنان ية: من يدفع فعلًا؟

لا يتعلق الأمر بجنسية من يدخل السوق اللبنانية، ولا بتحميل فئة بعينها مسؤولية أزمة مالية عمرها سنوات. المسألة أكثر بساطة: عندما يمارس شخص أو مؤسسة نشاطًا اقتصاديًا داخل لبنان، أو يحقق دخلًا من سوقه، أو يستهلك خدمة عامة، هل تستطيع الدولة الوصول إليه وتحصيل ما يترتب قانونًا على نشاطه من ضرائب ورسوم ومستحقات؟

القواعد القانونية موجودة. وزارة المالية تفرض ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات المستهلكة في لبنان، وتضع أحكامًا خاصة بغير المقيمين الذين يمارسون نشاطًا خاضعًا للضريبة، كما تنص على اقتطاع ضرائب محددة من بعض المبالغ المدفوعة لغير المقيمين. إذًا، المشكلة ليست في غياب التشريع، بل في الوصول والرقابة والتحصيل.

القاعدة والتطبيق

يمكن للدولة أن تصل بسهولة أكبر إلى الموظف المسجل، أو الشركة المصرح عنها، أو صاحب المهنة الموجود في السجلات. لكن الاقتصاد الفعلي أوسع من البيانات الرسمية؛ فهناك أعمال نقدية، ومؤسسات صغيرة، ومهن فردية، وعمالة غير منظمة، وأنشطة تجارية لا تعكس سجلاتها دائمًا حجم أعمالها الفعلي.

وهنا تدخل مشكلة الاقتصاد غير المنظم . فقد وثقت منظمة العمل الدولية ، في مسح نشرته عام 2021 وشمل فئات من العاملين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، معدلات مرتفعة جدًا للعمل غير المنظّم، بلغت 95 في المئة بين السوريين و93.9 في المئة بين الفلسطينيين و64.3 في المئة بين اللبنانيين من الأسر الهشة في العينة نفسها. وهذه الأرقام قديمة ولا تصلح لقياس الوضع الحالي لكل سوق العمل، لكنها تكشف حجم الفجوة التي يمكن أن تنشأ بين النشاط الاقتصادي الفعلي وقدرة الدولة على تنظيمه واحتساب مستحقاته.

المشكلة هنا لا تتعلق بجنسية العامل. فالاقتصاد غير المنظم يضم لبنانيين وغير لبنانيين، لكن اتساعه يعني أن جزءًا من الدخل والنشاط يبقى أصعب على الإدارة العامة أن ترصده وتفرض عليه ما يترتب قانونًا.

وهذا ينعكس على المنافسة أيضًا. فالمؤسسة المسجّلة التي تتحمل الضرائب والرسوم وكلفة الضمان ومتطلبات العمل تخوض السوق نفسها مع نشاط قد لا يتحمل كامل الالتزامات ذاتها. عندها تصبح الفجوة الضريبية مشكلة اقتصادية، لا مسألة محاسبية فقط.

الخدمة والتحصيل

الكهرباء تقدم مثالًا أكثر وضوحًا من أي نقاش نظري.

في 14 آب 2026، أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أنها ستفعّل التواصل مع المعنيين للبدء بتحصيل فواتير استهلاك الكهرباء في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين خلال شهر، بالتوازي مع التشديد على تحصيل المتأخرات من الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات ومكافحة التعديات على الشبكة.

هذه الواقعة لا تعني أن المخيمات الفلسطينية «لا تدفع» بصورة مطلقة، كما لا تعني أن عدم التحصيل يخصها وحدها. لكنها تكشف بوضوح الفرق بين حق الدولة في الجباية وقدرتها الفعليّة على تحصيله.

وفي ما يخصّ مخيمات النازحين السوريين ، بدأت مؤسسة كهرباء لبنان منذ تشرين الثاني 2023 تحرير محاضر لاستهلاك الكهرباء استنادًا إلى قراءات نحو 900 عداد إلكتروني، ووضعت القيم المستحقة قيد التحصيل. كما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن جزءًا من مساعداتها النقدية يأخذ في الاعتبار كلفة الكهرباء.

المشهد إذًا ليس «من يدفع ومن لا يدفع» بالمعنى المجرد، بل إلى أي مدى تنجح المؤسسة العامة في الوصول إلى المستهلك وتحصيل بدل الخدمة منه بانتظام. وهذه المشكلة لا تقتصر على المقيمين غير اللبنانيين؛ فمؤسسة كهرباء لبنان نفسها أشارت إلى متأخرات مستحقة على جهات عامة وضعف في الجباية وخسائر غير فنية.

ومن هنا تصبح المسألة أوسع من قضية المخيمات أو النازحين. إنها تتعلق بقدرة الدولة على تحصيل حقوقها من كل مستهلك للخدمة، ومن كل جهة مدينة لها، وفق القواعد نفسها.

من يدخل الحساب؟

ينطبق الأمر نفسه على سوق العمل والخدمات والأنشطة التجارية التي يشارك فيها لبنانيون ومقيمون غير لبنانيين. فقد وضعت الدولة في 2025 و2026 إجراءات لتسوية أوضاع العمال السوريين والحصول على إجازات عمل وإقامات قانونية مرتبطة بها، ومُدّدت إحدى المهل حتى 30 حزيران 2026. وهذا يعكس محاولة لإخراج جزء من النشاط من العمل غير المنظم وإدخاله في الإطار النظامي.

أما في النشاط الفني، فقد أصدرت وزارة المالية في 2026 تعليمات للتأكد من استيفاء الضرائب والرسوم على عقود الفنانين غير المقيمين، بما فيها ضريبة الدخل والضريبة على القيمة المضافة وبعض الرسوم المرتبطة بالحفلات، مع التشدد في التحقق من التصاريح والاقتطاع والتحصيل.

وهذا المثال مهم لأنه يوضح أن خروج المال من لبنان ليس هو المشكلة بحد ذاته؛ فالأموال تتحرك في الاقتصادات المفتوحة باستمرار. القضية هي ما إذا كانت الخزينة قد استوفت أولًا الضرائب والرسوم المستحقة على النشاط الذي أنتج هذا الدخل.

وهذا المبدأ يجب أن يكون عامًا: لا يهم إن كان النشاط يملكه لبناني أو مقيم غير لبناني أو شركة أجنبية. المعيار هو طبيعة النشاط، والدخل المتحقق، والإقامة الضريبية، والقواعد التي ينص عليها القانون.

ولهذا فإنّ لبنان لا يحتاج إلى المزيد من النصوص الضريبية بقدر حاجته إلى إدارة قادرة على تنفيذ الموجود منها. فالقانون الذي لا يصل إلى المكلف، أو لا تستطيع الدولة تحصيل مستحقاته، يبقى خطوة ناقصة مهما كان دقيقًا على الورق.

الدولة المنهكة ماليًا لا تستطيع أن تنظر إلى التحصيل باعتباره إجراءً إداريًا ثانويًا. كل مبلغ لا يُحصّل يعني موردًا مفقودًا للخزينة، وقد يتحول في المقابل إلى عبء إضافي على من هم داخل النظام الرسمي.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للعدالة.

ليس المطلوب أن يدفع الجميع المبلغ نفسه، لأنّ طبيعة الدخل والنشاط والالتزام القانوني تختلف. المطلوب أن يخضع كل من تنطبق عليه القاعدة للقاعدة نفسها، وأن تكون قدرة الدولة على التحصيل متقاربة مع قدرتها على فرض التكليف.

أما إبقاء جزء من الاقتصاد في منطقة يصعب رصدها، ثم تحميل الجزء الأكثر وضوحًا مزيدًا من الضرائب والرسوم، فيخلق نتيجة معاكسة لما يفترض أن تفعله الجباية: يضعف الامتثال بدل أن يعززه، ويشوّه المنافسة، ويفقد المواطن الثقة بأن النظام عادل.

وهنا يمكن فهم السؤال الذي يختصر القضية كلها: من هو داخل الاقتصاد اللبناني، ومن تستطيع الدولة الوصول إليه فعلًا؟

ليس لأن كل من هو خارج السجلات متهرّب، ولا لأن كل من يحمل جنسية غير لبنانية معفى من شيء؛ بل لأنّ أي دولة تحتاج إلى معرفة حجم النشاط الاقتصادي الموجود على أرضها، ومن يمارسه، وما الذي يترتب عليه قانونًا، ثم تحصيله بصورة منتظمة.

هذه هي الحلقة المفقودة بين التشريع والمالية العامة.

فلبنان يستطيع أن يقر قانونًا ضريبيًا جديدًا، أو يرفع رسمًا، أو يضيف تكليفًا. لكن ذلك لن يحل المشكلة إذا بقي جزء من الوعاء الضريبي خارج قدرة الإدارة على الرصد والتحصيل.

والأهم أن هذا المبدأ يجب أن يشمل المواطن والمقيم غير اللبناني والمؤسسة المحلية والشركة الأجنبية والنشاط الفردي والمشروع الكبير، من دون استثناءات غير مبررة.

فالخزينة لا تُموَّل بما يُكتب في القوانين، بل بما يدخل إليها فعلًا.

وإذا كانت الدولة تريد من اللبناني أن يلتزم بما عليه، فعليها في المقابل أن تثبت أنها تملك القدرة نفسها على الوصول إلى كل من يستفيد من سوق لبنان وخدماته، وأنها لا تنتقي من تجبي منه لأن الوصول إليه أسهل.

في النهاية، العدالة الضريبية لا تبدأ عند رفع النسبة، ولا تنتهي عند إصدار القانون.

تبدأ عندما يصبح الالتزام قاعدة عامة، والتحصيل ممارسة فعلية، والامتياز استثناءً لا حقًا مكتسبًا.

وفي بلد يرزح تحت ضغط مالي واجتماعي غير مسبوق، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحًا أقل تعقيدًا مما يبدو:

ليس كم ضريبة جديدة تستطيع الدولة أن تفرض، بل كمّ من المستحقات التي تملك حق تحصيلها ولا تزال عاجزة عن الوصول إليها.