عندما يصبح الغد غير قابل للتوقع، يتغير سلوك الناس اليوم؛ فيتراجع الاستثمار، وتتبدل عادات الإنفاق والادخار، ويصبح الاحتفاظ بالسيولة أكثر إغراءً من المخاطرة، فيما يتحول قرار الهجرة أحيانًا إلى قرار اقتصادي قبل أن يكون خيارًا شخصيًا.

قد لا يظهر الخوف في حسابات المصارف أو جداول الناتج المحلي أو أرقام الموازنة، لكنه قد يكون من أكثر العوامل تأثيرًا في الاقتصاد ال لبنان ي. فهو يتسلل إلى القرارات الصغيرة التي تصنع الاقتصاد في مجموعه: رجل أعمال يؤجل مشروعًا، عائلة تحتفظ بأموالها بدل استثمارها، شاب يسرّع خطته للسفر، مستهلك يؤجل شراء سلعة مرتفعة الكلفة، أو صاحب مؤسسة يفضّل الاحتفاظ بسيولة جاهزة تحسبًا لما قد يأتي.

عندما يفقد الناس القدرة على رؤية المستقبل بوضوح، لا يتوقف الاقتصاد بالضرورة، لكنه يبدأ بالتصرف بطريقة مختلفة. وهذا ما يجعل عدم اليقين مشكلة اقتصادية بحد ذاته.

فلبنان خرج من سنوات من الانهيار المالي والمصرفي، ثم دخل مرحلة تعافٍ هش خلال 2025، قبل أن يؤدي تجدد الصراع في 2026 إلى عكس جزء كبير من الزخم الذي كان قد بدأ يظهر. ويقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد سينكمش بنسبة 6.4 في المئة خلال 2026، فيما يُتوقع أن يرتفع التضخم إلى 17.5 في المئة، وسط اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن والطاقة، مع تأكيده أن ارتفاع مستويات عدم اليقين سيضغط على الاستهلاك والاستثمار.

وهنا لا تعود المسألة مجرد تباطؤ في النشاط، بل تبدلًا في طريقة تفكير الاقتصاد نفسه.

مال ينتظر

في الظروف الطبيعية، يفترض الاقتصاد أن الناس يتخذون قراراتهم بناءً على الدخل والكلفة والعائد. أما حين يصبح المستقبل شديد الغموض، يدخل عامل آخر إلى المعادلة: الاحتياط. قد لا يسأل صاحب المؤسسة فقط: كم سأربح إذا استثمرت؟ بل أيضًا: ماذا لو ساءت الظروف بعد شهرين؟ ولا تسأل الأسرة فقط: ماذا نستطيع أن نشتري؟ بل: ماذا لو ارتفعت الأسعار أو فقد أحد أفرادها وظيفته أو ظهرت أزمة جديدة؟

لهذا قد يصبح الاحتفاظ بالسيولة قرارًا عقلانيًا في بيئة غير مستقرة، حتى لو كان أقل فائدة للاقتصاد ككل. فالاقتصاد يحتاج إلى إنفاق واستثمار كي يتحرك، لكن الأسر والشركات تحتاج في الوقت نفسه إلى هامش أمان كي تشعر بأنها قادرة على مواجهة الصدمة المقبلة.

وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن إعادة الثقة إلى القطاع المصرفي بعد إعادة هيكلته ستكون عاملًا أساسيًا للحد من الاعتماد على النقد وإعادة إطلاق الوساطة المصرفية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد النقدي واسعًا.

هذه الإشارة مهمة لأنها تكشف جانبًا من المشكلة التي تتجاوز المصارف نفسها. فعندما يفضّل الناس الاحتفاظ بأموالهم خارج المؤسسات المالية، يصبح جزء من الاقتصاد منفصلًا عن دورة التمويل والاستثمار الطبيعية، وتفقد المدخرات جزءًا من قدرتها على التحول إلى قروض ومشاريع وفرص عمل.

لكن لا يمكن إقناع المواطن بعكس هذا السلوك بمجرد دعوته إلى «الثقة». من عاش تجربة مالية قاسية لن يبني قراراته على الكلمات، بل على ما يراه من قواعد واضحة وتجارب مستقرة. وهكذا تتشكل حلقة يصعب كسرها: غياب الثقة يدفع إلى مزيد من التحوط، والتحوط يضعف الاستثمار، وضعف الاستثمار يبطئ النمو، وبطء النمو يجعل المستقبل أقل وضوحًا.

اقتصاد يؤجل

الاستثمار هو أول ما يدفع ثمن الغموض. قد تستمر المشاريع القائمة، وقد يتحسن الاستهلاك في بعض الفترات، لكن القرارات التي تربط المال بالسنوات المقبلة تصبح أكثر صعوبة. وقد ذكر البنك الدولي أن التعافي الذي بدأ يتشكل في النصف الثاني من 2025 كان مدفوعًا بزيادة الاستهلاك والاستثمار والسياحة وبعض المؤشرات الاقتصادية، قبل أن يؤدي التصعيد الجديد في 2026 إلى الضغط على السياحة والطلب المحلي والاستثمار.

المشكلة هنا ليست فقط في الخسارة التي وقعت بالفعل، بل في الفرص التي لم تُتخذ قراراتها أصلًا: مشروع لم يبدأ، مصنع لم يتوسع، شركة لم توظف، تاجر لم يستورد، ومستثمر فضّل الانتظار.

هذه الأشياء لا تظهر بسهولة في الإحصاءات لأنها وقائع لم تحدث، لكن تراكمها قد يكون أكثر كلفة من بعض الخسائر المباشرة. فالاقتصاد الذي يؤجل الاستثمار يؤجل معه قدرته على خلق الوظائف وزيادة الإنتاج وتحسين الدخل.

ولهذا يمكن أن يصبح عدم اليقين أشبه بضريبة غير معلنة: لا تسددها الخزينة، لكن يدفعها المستثمر في صورة هامش ربح أقل، والمستهلك في صورة أسعار أعلى، والعامل في صورة فرص عمل أقل.

والأخطر أن الحذر قد يتحول تدريجيًا إلى عادة. فإذا اعتادت الأسر والشركات إدارة حياتها الاقتصادية وفق أسوأ الاحتمالات، يصبح التخطيط الطويل المدى استثناءً بدل أن يكون قاعدة. قد تختار الأسرة الاحتفاظ بسيولة أكبر، وقد يفضّل المستثمر أصلًا يحفظ القيمة على مشروع يحتاج إلى سنوات، وقد يبحث الشاب عن فرصة في الخارج بدل المخاطرة بإنشاء مشروع داخل بلده.

لا يعني ذلك أن كل قرار مالي سببه الخوف، أو أن كل مشروع مؤجل مرتبط بالأوضاع الأمنية والاقتصادية. لكن تراكم الصدمات يجعل الاحتياط يتحول من رد فعل مؤقت إلى سلوك اقتصادي مستمر.

وهنا تبدأ المشكلة الأعمق: الاقتصاد الذي يعيش طويلًا على إدارة الطوارئ يفقد تدريجيًا القدرة على التفكير في المستقبل.

الهروب من الغد

أوضح القرارات التي تكشف هذه المعادلة هو قرار الهجرة، لكن حتى هنا يجب الابتعاد عن التعميم. فالشاب الذي يغادر لبنان قد يفعل ذلك بسبب فرصة مهنية، أو راتب أفضل، أو رغبة في تطوير نفسه، أو بحث عن استقرار شخصي. لكن عندما يصبح التخطيط للمستقبل داخل البلد أكثر صعوبة، قد تتحول الهجرة من فرصة إلى وسيلة لتقليل المخاطر.

وهذا فرق مهم. فالمهاجر لا يهرب بالضرورة من الحاضر؛ قد يحاول ببساطة بناء مستقبل يمكن التنبؤ به.

ومن منظور اقتصادي، تعني هذه الخطوة أن رأس المال البشري الذي كان يمكن أن ينتج داخل لبنان يبدأ إنتاجه في سوق أخرى. وقد حذّر البنك الدولي من أن مغادرة العمال المهرة، إلى جانب النزوح وتعطل التعليم والصحة، يمكن أن تترك آثارًا طويلة الأمد على القدرة الإنتاجية للبنان وعلى آفاق النمو في المدى المتوسط.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: الشخص الذي يغادر قد يبقى جزءًا من اقتصاد البلد عبر التحويلات أو الاستثمار أو العلاقات المهنية، لكنه لم يعد جزءًا من قوته العاملة المحلية بالمعنى المباشر. ولذلك لا يمكن معالجة آثار عدم اليقين بمجرد مطالبة الناس بالبقاء، بل بجعل البقاء خيارًا اقتصاديًا يمكن الدفاع عنه.

وهذا يبدأ من قدرة الدولة على منح الناس ما افتقدوه طويلًا: إمكانية التخطيط.

لا تحتاج الأسرة إلى ضمان بأن السنوات المقبلة ستكون خالية من الأزمات؛ فهذا غير موجود في أي اقتصاد. لكنها تحتاج إلى قواعد أكثر استقرارًا: نظام مصرفي يمكن الوثوق به، خدمات عامة يمكن الاعتماد عليها، قوانين لا تتغير بصورة مفاجئة، وقضاء يمكن اللجوء إليه.

ويحتاج المستثمر إلى البيئة نفسها، إضافة إلى تمويل واضح وسوق يستطيع أن يحسب كلفته وعائده.

لهذا فإن استعادة الثقة ليست ملفًا منفصلًا عن الإصلاح الاقتصادي، بل نتيجة له. فعندما تصبح المصارف أكثر شفافية، يصبح الاحتفاظ بالأموال خارجها أقل جاذبية. وعندما تستقر القواعد الضريبية، يصبح الاستثمار أسهل. وعندما تتحسن الكهرباء والمياه والنقل، تنخفض كلفة الإنتاج. وعندما يستقر الوضع الأمني، يعود الأفق الزمني للمشاريع إلى الاتساع.

لا تستطيع الحكومة أن تأمر الناس بعدم الخوف من المستقبل، لكنها تستطيع أن تخفف الأسباب التي تجعلهم يخافون منه. وهذا هو الفرق بين خطاب يطلب الثقة وسياسة تنتجها.

في النهاية، قد يبدو الاقتصاد اللبناني كأنه يتعامل يوميًا مع أزمات منفصلة: مصرف، وديائع، كهرباء، أسعار، استثمار، هجرة، إعادة إعمار. لكن وراء هذه الملفات خيطًا واحدًا يجمعها: القدرة على توقع الغد.

فعندما يثق الإنسان بأن ما يقرره اليوم يمكن أن يستمر غدًا، يجرؤ على الاستثمار والعمل وبناء مشروع وتوسيع شركة. أما عندما يصبح المستقبل مجهولًا بصورة دائمة، فإن الانتظار يتحول إلى الخيار الأكثر عقلانية، حتى لو كان أكثر الخيارات كلفة على الاقتصاد.

وقد يكون الانتظار هو أكثر ما يستطيع الاقتصاد تحمّله في المدى القصير، لكنه يصبح في المدى الطويل أحد أكثر العوامل استنزافًا للنمو.

لذلك فإن التحدي أمام لبنان ليس فقط أن يحقق نموًا في الناتج المحلي أو يخفض التضخم أو يجذب أموالًا جديدة. التحدي أن يستعيد الإحساس بالمستقبل.

فالبلد الذي لا يستطيع مواطنوه أن يخططوا لثلاث سنوات مقبلة، سيجد صعوبة في إقناع المستثمر بأن يبني مشروعًا لعشر سنوات. والاقتصاد الذي يعيش على ردود الفعل قد ينجو من أزمة بعد أخرى، لكنه لا يبني بالضرورة مستقبلًا.

قد لا يظهر الخوف في موازنة الدولة، لكنه يظهر في كل مشروع لم يبدأ، وكل وظيفة لم تُخلق، وكل رأس مال بقي مجمدًا، وكل شاب قرر أن يبني حياته في مكان آخر. ولهذا فإن استعادة الاقتصاد اللبناني لا تبدأ فقط من الأرقام.

إنها تبدأ من اليوم الذي يصبح فيه الغد، مرة أخرى، شيئًا يمكن للبناني أن يخطط له بدل أن يخشاه.