من لبنان الكبير... إلى لبنان المصير
د.نبيل خليفة - نداء الوطن
أولاً: معلومات عامة
من الضروري العودة إلى تاريخ عائلة الحويك في قرية حلتا- البترون لمعرفة مسار الأحداث بنويًا وعائليًا واقليميًا. إن التعرّف إلى الواقع العائلي والبشري والثقافي يساعد على فهم الأحداث التي شهدتها عائلة الحويك في تلك القرية الصغيرة من بلاد البترون. والتي كان لها تأثيرها على واقع لبنان: الكيان والسكّان والانتماء.
1 – البطريرك الياس الحويك من مواليد قرية حلتا البترونيّة في 4 كانون الأول 1843 والده الخوري بطرس الحويك ووالدته غرّة طنوس الحويك، وهو بكر أولاد العائلة الذكور السبعة بمن فيهم شقيقه سعدالله الحويك. تلقّى علومه في مدرسة مار يوحنا في كفرحي البترون. دخل الاكليريكيّة في سنّ السادسة عشرة في غزير بإشراف الآباء اليسوعيين وفيها درس إلى جانب اللاهوت والفلسفة قواعد اللّغات التي شكّلت القاعدة الكبرى لثقافته ومحوره الديني وفيها: قواعد اللّغات العربيّة والسريانيّة والفرنسيّة واللاتينيّة واليونانيّة. سيم كاهنًا عام 1870، وعيّنه البطريرك بولس مسعد عام 1872 أمين سر البطريركيّة المارونيّة.
- عام 1899 رفعه البطريرك بولس مسعد إلى درجة الأسقفية.
- زار النمسا والتقى الامبراطور جوزف الأول. ثم اسطنبول حيث التقى السلطان عبد الحميد الثاني.
- عمل على تنفيذ مشروعه بإنشاء رهبانيّة نسائيّة جديدة بمساعدة من الأم روزالي نصر وهكذا ولدت رهبانيّة العائلة المقدسة المارونيات صيف 1895 في جبيل وتمّ الاحتفال بإنشائها رسميًا في عبرين عام 1896.
- لدى وفاة البطريرك يوحنا الحاج في كانون الأول 1898 كان الأسقف الحويك في روما فعاد إلى لبنان ولدى وصوله انعقدت الخلوة الانتخابية للأساقفة الموارنة وكان شبه اجماع على انتخاب الحويك البطريرك الثاني والسبعين في الطائفة المارونية.
2 – العلاقة بين البطريرك الحويك وشقيقه سعدالله الحويك.
هذه العلاقة وما شابها من إشكالات وتباينات تمثّل أحد أخطر وأعمق الصعوبات، الخاصّة والعامة، التي شهدها البطريرك خلال وجوده على الكرسي البطريركي. وحتى تاريخه لم يصدر تقرير خاص يحلّل ويشرح بعمق وليس بالتصوّرات التخيليّة الخادعة، الأسباب الحقيقية لهذا الخلاف بين الشقيقين: رجل الدين ورجل السياسة. حول أمور وموضوعات كثيرة ومن أهمّها موضوع: النظرة إلى لبنان في ذاته: لبنان الكبير كما عمل له البطريرك ولبنان الدائم كما سعى إليه سعدالله.
أ – يعود التباين الحاصل بين البطريرك الياس الحويك وأخيه سعدالله الحويك إلى أسباب سياسية:
- فالبطريرك الياس عُرف منذ زمن المتصرفية والحرب العالميّة الأولى بتأييده لفرنسا والسياسة الفرنسية في المنطقة ولا سيما في لبنان، حيث كان من أشد انصار مشروع لبنان الكبير. ومن أبرز الداعين إلى تحقيقه. وهو ما عكسه إعلان الجنرال الفرنسي غورو لدولة لبنان الكبير في أيلول 1920.
- أما شقيقه السيد سعدالله فكان أقرب إلى السياسة الإنكليزية وممثليها من الساسة اللبنانيين والعرب ونموذجها الحكومة العربية في دمشق، حكومة الملك فيصل الأول التي عملت بدايةً لاتحاد لبنان مع سوريا ورفضت الانتداب الفرنسي ثم انتقلت الى صيغة تعايش واعتراف متبادل بين الحكومة العربية في دمشق وكيان جبل لبنان.
- سعت الدبلوماسية الإنكليزية متأثرة بعقيدة المفكّر الألماني فريدرتش راتزل حول الدول الحاجزة (ETATS – TAMPON) لتدعو في مشروع جديد إلى السلطات المنتدبة في لبنان بأربعة بنود:
- "استقلال لبنان التام والمطلق.
- حياده السياسي بحيث لا يحارِب ولا يُحارَب ويكون بمعزل عن كل تدخل حربي.
- إعادة المسلوخ منه سابقًا.
- دراسة المسائل الاقتصادية مع سوريا بواسطة لجنة مشتركة".
كان رد الفعل الفرنسي قاسيًا ومباشرًا لسببين:
إن الداعين لم يذكروا الانتداب كحقيقة راهنة.
إنهم يدعون إلى حياد لبنان بديل انحيازه لفرنسا وهم بذلك "يسعون لبيع البلاد للشريف حسين وابنه فيصل".
- لكن بالنسبة للسلطات الفرنسية المنتدبة: لا استقلال ولا حياد للبنان بل انحياز ثابت ومؤكد وملحق لفرنسا.
وهكذا في 19/7/1920 حكم على سبعة من أعضاء مجلس الإدارة (أي البرلمان اللبناني ) بالابعاد ما بين ستة وعشرة أعوام وتمّ نفيهم إلى جزيرة كورسيكا ومنهم شقيق البطريرك سعدالله الحويك وهم الذين تلقوا مبلغًا من المال يساوي 250,000 فرنك من حكومة الملك فيصل الأول في دمشق وذلك لقاء قيامهم بنشاط سياسي ضد فرنسا.
- اعتبر الجنرال غورو هذه الأموال بمثابة رشوة سياسية وقام باعتراض وفد مجلس الإدارة وفيه السيد سعدالله الحويك على طريق دمشق واعتقالهم ونفيهم إلى جزيرة ارواد.
- كان من الطبيعي أن ينعكس هذا الأمر على بكركي ما يشكّل إحراجًا كبيرًا للبطريرك الياس الحويك الذي تبرّأ من مشاريع شقيقه مؤكدًا استقلالية الصرح البطريركي عن أي تحوّل أو تحالفات إقليميّة لا تنسجم مع رؤيته التاريخيّة الدائمة والثابتة للبنان الكبير برعاية فرنسا.
- كان سعدالله الحويك رجل أعمال وسياسة، ولذا استغل موقع شقيقه على رأس الكنيسة لتعزيز نفوذه السياسي والمالي. في العام 1912 انتدب الحويك للقيام بحاكمية جبل لبنان بالوكالة في انتظار تعيين المتصرف الجديد فأظهر حكمة ودراية.
- في أواخر العام 1921 عاد إلى لبنان من جزيرة كورسيكا بعد أن أمضى سنتين في المنفى. لكن عودته لم تكن طبيعية. فلقد عكست وانعكست فيها أزمته النفسية العائلية وبدا ذلك في مجرى حياته:
أ. لم يعد للسكن في منزله العائلي في حلتا بل قرر الإقامة لدى ابنته في بلدة حارة صخر (كسروان).
ب. أوصى بأن يصلى عليه في كنيسة حارة صخر وهو ما حصل لدى وفاته عام 1928.
ج. ترأس الصلاة على جثمانه شقيقه البطريرك الحويك في موقف شديد الدقة تخطاه البطريرك بإقامة علاقة بين الموت والرجاء وأخذ عن كلام أيوب الصديق عنوانًا لعظته: "الرب أعطى الرب أخذ فليكن اسم الرب مباركًا.
د. تأكيدًا لقراره بالاستقلالية العائلية أوصى بدفنه في مدفن كنيسة حارة صخر وليس في مدفن العائلة في حلتا البترون.
منذ أوائل القرن العشرين يتعرض لبنان الوطن والانسان، إلى صراعات منوّعة: سياسيّة وأيديولوجيّة واجتماعيّة لعل أبرزها ما شهده زمن الانتداب بين القيادات ذات التوجه الفرنسي في مقابل التيارات ذات التوجه الإنكليزي. من ثم القول بلبنان الوطن في مواجهة سوريا وإسرائيل ذلك أن بعض التوجهات القانونية ما زالت إلى الآن تعتبر لبنان وطنًا موقتًا باعتباره جزءًا من سوريا أو من إسرائيل العقائدية.
على أن لبنان الدائم هو لبنان المحيّد.