من يملك آخر قطرة ماء في لبنان؟
المشكلة لم تعد في كمية المياه التي تسقط من السماء فقط، بل في قدرة الدولة على تخزينها وإدارتها وحمايتها وتوزيعها قبل أن يتحول النقص الموسمي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية دائمة.
في بلد اعتاد أن ينظر إلى المياه باعتبارها واحدة من ثرواته الطبيعية، قد يبدو الحديث عن «آخر قطرة» مبالغًا فيه.
لكن الأرقام بدأت تغيّر هذه الصورة.
في 4 أيلول 2026، أعلن وزير الطاقة والمياه أن المتساقطات تراجعت بنسبة 51 % عن المعدل العام، محذرًا من شحّ كبير في المياه هذا العام، ومشيرًا إلى أن دولًا عدة تتحضر لمثل هذه الظروف قبل سنوات من حدوثها عبر تأهيل البنى التحتية، وإنشاء مخزون احتياطي، ووضع خطط طوارئ استباقية. أما لبنان ، وفق ما قاله الوزير، فلم يتخذ بالقدر الكافي من الإجراءات الاستباقية لمواجهة هذا النوع من الظروف.
هنا تحديدًا تصبح المسألة أكبر من موسم جاف.
فإذا كان لبنان الذي طالما عُرف بكثرة الأمطار والأنهار والينابيع قادرًا على الدخول في مرحلة يصبح فيها شح المياه عنوانًا عامًا، فإن السؤال لم يعد: هل يملك لبنان مياهًا كافية؟ السؤال الحقيقي هو: هل يملك لبنان القدرة على إدارة ما يملك من المياه؟ وهذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من كمية الأمطار نفسها.
ف البنك الدولي يشير إلى أن لبنان، رغم امتلاكه أحد أعلى مستويات الهطول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يواجه نقصًا في توافر المياه بسبب تركّز الأمطار موسميًا وضعف قدرة البلاد على تخزين المياه السطحية، فيما يمكن ل تغير المناخ أن يخفض المياه المتاحة في موسم الجفاف بما يصل إلى 50 في المئة بحلول عام 2040.
أي أن المشكلة اللبنانية قد لا تكون أن السماء ستتوقف عن إعطاء الماء. بل أن الماء الذي يصل لن يكون بالضرورة موجودًا عندما يحتاج إليه لبنان.
ماء كثير... وعطش
هذه هي المفارقة الأولى. يمكن للبنان أن يشهد هطولًا غزيرًا في فترة قصيرة، ثم يواجه بعد أشهر شحًا واضحًا في المياه. وما بين الأمرين توجد مشكلة التخزين والإدارة والبنية التحتية.
فالماء الذي لا يُخزّن، أو الذي يتسرب من الشبكات، أو الذي يُضخ من الآبار بصورة غير منظّمة، أو الذي يذهب إلى البحر من دون أن تستفيد منه الدولة، لا يتحول تلقائيًا إلى مورد متاح في الصيف.
ولهذا فإن الحديث عن أزمة المياه لا يجب أن يبدأ من السماء فقط، بل من الأرض أيضًا.
كم نخزن؟ كم نهدر؟ كم يصل إلى المشتركين؟ كم يضيع في الشبكات؟ وكم ندفع اليوم لتعويض ما كان يمكن تخزينه أو إدارته بصورة أفضل؟
وزارة الطاقة والمياه أقرت أصلًا « الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه 2024– 2035 »، وهي تتعامل مع زيادة الطلب على مياه الشرب والري، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية والإدارة. وتقدّر الاستراتيجية أن عدد المقيمين في لبنان قد يقترب من 9 ملايين نسمة عام 2035 وفق فرضياتها السكانية، ما يعني أن الطلب على المياه سيزداد بالتوازي مع الضغوط المناخية.
لكن الخطر لا يأتي من ازدياد الطلب وحده. فالمناخ نفسه يتغير. وتقول خطة التكيف الوطنية للبنان للفترة 2025–2035 إن البلد يواجه ارتفاعًا في درجات الحرارة، وتراجعًا في الهطولات، وفترات جفاف أطول، وأحداثًا مناخية متطرفة، وتضع «الموارد المائية» ضمن القطاعات الثمانية الأكثر حساسية للمناخ. كما تشير الخطة إلى أن التكيف يحتاج إلى حوكمة وتمويل وبيانات ومراقبة وآليات تنسيق بين المؤسسات.
أي أن أزمة المياه المقبلة لن تكون نتيجة المناخ وحده. ستكون نتيجة المناخ زائد طريقة إدارة الدولة الغائبة للمياه. وهذا فارق بالغ الأهمية.
لأن الدولة لا تستطيع التحكم في كمية الأمطار التي تهطل، لكنها تستطيع أن تقرر كم ستخزن، وكيف ستوزع، وما الذي ستفعله بالفاقد، وكيف تحمي المياه الجوفية ، وكيف تخطط للمدن والقرى والزراعة في السنوات الأكثر جفافًا.
ومن هنا يصبح السؤال سياسيًا، وليس بيئيًا فقط.
عندما يصبح الماء سوقًا
هناك وجه آخر للأزمة قد يكون أكثر قربًا إلى حياة اللبناني اليومية. عندما تضعف الشبكة العامة أو تنقطع المياه، لا يختفي الطلب. بل يظهر السوق. صهريج المياه يحل مكان الشبكة. الخزان المنزلي يحل مكان انتظام التزويد. البئر الخاص يحل مكان المصدر العام.
وفي بعض المناطق، يصبح الحصول على المياه مرتبطًا بالقدرة على دفع ثمنها، لا بمجرد وجودها كمرفق عام. وهنا يمكن أن تتكرر تجربة الكهرباء، ولكن بصورة أخطر.
في الكهرباء، أدى ضعف الخدمة العامة إلى توسع المولدات، ثم إلى انتشار الطاقة الشمسية والبطاريات، فنشأ اقتصاد كامل حول الفجوة بين ما تستطيع الدولة توفيره وما يحتاج إليه المواطن.
هل يمكن أن يحدث الأمر نفسه في المياه؟ المؤشرات تستحق الانتباه.
فالبنك الدولي أطلق مشروع «تزويد المياه الكبرى لبيروت الثانية» لزيادة موثوقية المياه وتحسين جودتها وتقليل الاعتماد على مصادر المياه الخاصة المكلفة، في وقت تركز الإصلاحات على خفض الفاقد، ورقمنة العمليات، وتحسين أنظمة الفوترة والتحصيل والإدارة التشغيلية.
واللافت أن وزارة الطاقة والمياه عقدت في تموز 2026 ورشة لمناقشة «الدليل الوطني لإدارة الفاقد من المياه»، مؤكدة أن الفاقد يتجاوز المعدلات المقبولة دوليًا بصورة كبيرة، بما يؤدي إلى استنزاف الموارد ويؤثر في الاستدامة المالية لمؤسسات المياه واستمرارية الخدمة.
هذه النقطة ربما تكون أهم من أي حديث عن الجفاف. فإذا كانت المياه شحيحة، ثم نفقد جزءًا كبيرًا منها قبل أن يصل إلى الناس، فإن لبنان لا يواجه فقط مشكلة نقص في المورد، بل مشكلة هدر في قيمة المورد.
وهنا يدخل الاقتصاد مباشرة إلى قلب الأزمة. فكل متر مكعب يضيع من الشبكة يعني مالًا صرف على إنتاجه أو ضخه أو نقله ثم فقدانه قبل أن يتحول إلى خدمة.
وكل ساعة تنقطع فيها المياه تحتاج الأسرة أو المؤسسة إلى بديل. وكل زيادة في الاعتماد على الصهاريج والمصادر الخاصة تعني انتقال جزء من كلفة المرفق العام إلى المواطن. وهذا يقود إلى سؤال العدالة أيضًا:
من يستطيع شراء المياه إذا أصبحت الشبكة العامة أقل موثوقية؟
قد يستطيع منزل ذو قدرة مالية مرتفعة تركيب خزانات أكبر، أو حفر بئر، أو شراء أنظمة متقدمة لضخ المياه وتخزينها.
لكن ماذا عن العائلة التي لا تستطيع تمويل أي من هذه البدائل؟ عندها لا تصبح المياه مجرد قضية بيئية.
تصبح قضية اجتماعية.
من يملك الماء؟
ربما يكون هذا السؤال هو الأصعب. ليس المقصود فقط من يملك المياه قانونيًا، بل من يملك القدرة على التحكم في الوصول إليها وتحديد أولويات استخدامها: الدولة؟ مؤسسات المياه؟ البلديات؟ المزارعون؟ أصحاب الآبار؟ القطاع الخاص؟ السوق؟
في بلد يعاني ضغوطًا مالية ومؤسساتية، يمكن أن تتوزع مسؤولية المياه بين عدة جهات بطريقة تجعل الجميع مسؤولًا، وبالتالي لا يكون أحد مسؤولًا بما يكفي.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، بل إلى وضوح في المسؤولية.
من يخطط؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ من يحاسب على الفاقد؟ ومن يحدد الأولويات عندما يصبح الماء أقل؟ هذه الأسئلة تزداد أهمية مع ارتفاع قيمة المياه اقتصاديًا.
فالزراعة تعتمد عليها، والصناعات الغذائية تعتمد عليها، والسياحة تحتاج إليها، والمدن تحتاج إليها، والطاقة نفسها يمكن أن تتأثر بتوافر الموارد المائية.
ومع ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الجفاف، تصبح الزراعة تحديدًا أمام اختبار صعب. وقد حذر البنك الدولي من أن تغير المناخ يمكن أن يؤدي إلى خسائر سنوية تصل إلى 250 مليون دولار في الزراعة اللبنانية وحدها، وإلى 75 مليون دولار في السياحة، في ظل تأثيرات المناخ على قطاعات أساسية للنمو وسبل العيش.
وهذا يعني أن قطرة الماء ليست فقط موردًا للشرب. إنها جزء من سلسلة قيمة اقتصادية كاملة.
المزارع يحتاج إليها لإنتاج الغذاء. المصنع يحتاج إليها للإنتاج. الفندق يحتاج إليها لخدمة الزائر. المستشفى يحتاج إليها للعمل. والمدينة تحتاج إليها لكي تستمر. ولهذا فإن نقص المياه لا يظهر فقط في الصنبور.
قد يظهر غدًا في سعر التفاح، والخضار، والصناعات الغذائية، والفنادق، وفواتير الخدمات.
وهنا نصل إلى النقطة الأشد حساسية: الماء يمكن أن يتحول إلى عامل تضخم. كلما ارتفعت كلفة تأمينه ونقله وضخه، ارتفعت كلفة ما يعتمد عليه.
وهذا يعني أن إدارة المياه يجب أن تصبح جزءًا من السياسة الاقتصادية، لا أن تبقى ملفًا تقنيًا محصورًا بوزارة أو مؤسسة.
لبنان لديه بالفعل إطار وطني للمياه حتى عام 2035، كما لديه خطة وطنية للتكيف المناخي حتى عام 2035. لكن التحدي الذي تواجهه الدولة ليس في غياب الأوراق فقط، بل في الانتقال من الاستراتيجيات إلى التنفيذ، ومن الاستجابة بعد وقوع الأزمة إلى التخطيط قبل وقوعها. وهنا تحديدًا يجب أن يتعلم لبنان من تجربة الكهرباء. لقد دفع اللبناني ثمن سنوات من غياب الاستثمار والإصلاح في الكهرباء، ثم اضطر إلى بناء حلول بديلة من جيبه.
أما المياه، فما زال هناك وقت لبناء نموذج مختلف. يمكن تقليل الفاقد، تحسين التخزين، حماية المياه الجوفية، تطوير إعادة استخدام المياه المعالجة في الري حيثما كان ذلك آمنًا ومناسبًا، تحديث شبكات التوزيع، تعزيز أنظمة الرصد والبيانات وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار، شرط أن تبقى الدولة هي الجهة التي تنظم وتحمي المصلحة العامة.
المهم ألا يصل لبنان إلى اللحظة التي يصبح فيها السؤال: من أين أشتري الماء؟ بدل أن يكون: كيف تضمن لي الدولة حق الوصول إلى الماء؟ وهنا تحديدًا يصبح عنوان المقال أكثر من سؤال أدبي، من يملك آخر قطرة في لبنان؟
ربما لا تكون الإجابة في اسم جهة واحدة. فالقطرة الأخيرة قد تكون في نهر، أو خزان، أو بئر، أو شبكة مياه، أو بحيرة جبلية، أو حتى في قدرة الدولة على تخزين ما يسقط من السماء قبل أن يضيع.
لكن ما يبدو واضحًا أن قيمة الماء في لبنان ستزداد كلما تغير المناخ وضعفت الموارد المتاحة في موسم الجفاف. ولهذا، فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على المياه التي يملكها لبنان، بل بالقدرة على إدارتها بعدالة وكفاءة واستدامة.
قد يستطيع لبنان أن يعيش موسمًا جافً ويستورد ما يحتاج إليه من طاقة أو غذاء عندما ترتفع الكلفة. لكن استيراد الماء ليس خيارًا واقعيًا لبلد يعتمد على موارده المحلية في تأمين هذه الخدمة الأساسية. وهذا يجعل الماء مختلفًا عن معظم السلع. فاللبناني يستطيع أن يشتري وقودًا من الخارج، يستورد القمح والألواح الشمسية.
أما الماء، فمصدره في النهاية هنا.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق وصول «آخر قطرة» ليس من سيحصل عليها، بل ماذا فعلت الدولة قبل أن تصبح الأخيرة.
فالماء الذي لا يخسره لبنان بسبب الجفاف يمكن أن يفقده بسبب سوء الإدارة، والماء الذي لا يضيع في الطبيعة قد يضيع في الشبكات، وما لا يضيع في الاثنين قد يتحول إلى سلعة لا يستطيع الجميع تحمل كلفتها.
وعندها لن تكون أزمة لبنان أنه يفتقر إلى الماء فقط. بل أنه يملك الماء... ولا يملك ما يكفي من القدرة على حمايته.