يواجه ال لبنان يون موجة جديدة من الغلاء، تبدو أكثر حدّة في ظل القفزة الكبيرة في أسعار المحروقات وارتفاع كلفة مختلف الحاجات الأساسية، في وقت لا يزال لبنان يرزح تحت تداعيات الحرب الإسرائيلية، بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والمالية والانهيار الذي بدأ عام 2019 وأصاب القدرة الشرائية للأجور بمزيد من التآكل.

وازدادت وطأة الأزمة مع حلول أيلول، الذي يصفه اللبنانيون بأنه اشبه بـ"شهر الميم": المدارس، والمؤونة، والمحروقات. ثلاثة أعباء مالية تتزامن في فترة واحدة، فتضع الأسر أمام استحقاقات متراكمة تبدأ مع انطلاق العام الدراسي، ولا تنتهي بهمّ تأمين مؤونة الشتاء، في وقت تسجل أسعار المازوت والبنزين والغاز ارتفاعات حادة، بالتوازي مع ارتفاع أجور النقل وكلفة اشتراكات المولدات، فيما تبقى أجور شريحة واسعة من العاملين عاجزة عن مواكبة الارتفاع المضطرد في الأسعار.

وبحسب آخر دراسة أعلنها الخبير الاقتصادي محمد شمس الدين ، ارتفعت كلفة المعيشة لأسرة مؤلفة من أربعة أشخاص من نحو 900 دولار إلى 1260 دولاراً شهرياً، أي بزيادة تقارب 40 في المئة، في مقابل بقاء الرواتب والأجور على حالها، الأمر الذي يفاقم الضغوط الاجتماعية ويرفع مخاطر اتساع رقعة الفقر.

ولا تبدو الصورة أقل سواداً على المستوى العمالي والنقابي، فقد علّق نقابيّ جنوبيّ، في حديث لـ "النشرة"، على الوضع المعيشي واصفاً اياه بأنه "لا يبشر بالخير"، محذراً من انحدار سريع "من السيئ إلى الأسوأ"، مشيراً إلى أن استمرار تراجع القوة الشرائية وفقدان اللبناني القدرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة بكرامة، ينذران بانفجار اجتماعي وشيك. وكشف عن اجتماعات وتحضيرات تجري على المستوى العمالي والنقابي تمهيداً لتحركات احتجاجية في الشارع، على أن تبدأ في بيروت وتمتد إلى مناطق أخرى بالتزامن أو تباعاً، في حال عدم الوصول إلى معالجة جدية للمطالب المعيشية.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس اتحاد نقابات عمال صيدا والجنوب عبد اللطيف الترياقي لـ"النشرة" أن الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها الطبقة العمالية "حرجة"، في ظل ارتفاع معدلات البطالة نتيجة الأوضاع الأمنية والسياسات الضريبية التي تثقل كاهل المواطنين عموماً والعمال بصورة خاصة.

ويشير الترياقي إلى أن اجتماعاً مهماً سيُعقد اليوم الاثنين بين وفد من الاتحاد العمالي العام ولجنة وزارية للبحث في الأوضاع المعيشية والمطالب العمالية، بالتزامن مع قرار الاتحاد تنفيذ إضراب عام يوم الأربعاء المقبل. وبحسب الترياقي، فإن التوصل إلى اتفاق خلال الاجتماع قد يؤدي إلى تأجيل الخطوات التصعيدية، فيما سيبقى خيار الإضراب الشامل قائماً في حال عدم التوصل إلى تفاهم.

ويضع الاتحاد العمالي العام، وفق الترياقي، مجموعة من الملفات في صدارة مطالبه، أبرزها: تصحيح الرواتب والأجور، وتأمين بدل النقل، والمساعدات المدرسية، وتحسين تقديمات الضمان الاجتماعي، وهي مطالب تمس تطال مباشرة حياة العمال وأسرهم، في ظل فجوة متسعة بين الأجور وكلفة المعيشة.

ويحذّر الترياقي من أن استمرار ارتفاع الأسعار وبقاء الأجور من دون زيادات تتناسب مع حجم الغلاء، يضع الطبقات العمالية ومحدودي الدخل تحت ضغوط متزايدة، مؤكداً أن "اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في صيدا والجنوب" حذّر مراراً من أن فرض المزيد من الضرائب في هذه الظروف يمكن أن يفاقم الاحتقان الاجتماعي ويرفع أعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر.

ويؤكد الترياقي أن عمال صيدا والجنوب لطالما أدوا دوراً مؤثراً في المعادلة الوطنية والنقابية، ولم يتأخروا عن المشاركة في التحركات الاحتجاجية التي يرون أنها تصب في مصلحة الطبقة العاملة، مشدداً على أن صوت العمال "سيرتفع من أجل إنصاف العامل قبل فوات الأوان".

في ظل هذا المشهد، يبدو ان الأزمة المعيشية تجاوزت حدود ارتفاع الأسعار وتحولت إلى قضية اجتماعية ضاغطة، تضع العمال والنقابات أمام خيارات تصعيدية ومنها اللجوء الى الشارع. وبينما تتجه الأنظار إلى الاجتماع الوزاري - العمالي المرتقب، يبقى السؤال المطروح ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من احتواء الغضب عبر إجراءات ملموسة، أم أن الشارع سيكون أمام موجة جديدة من التحركات الاحتجاجية.