توّجت كلمة لبنان أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي ألقاها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام عصر أمس أسبوع تحرك ديبلوماسي كثيف اضطلع به سلام وأجرى خلاله، مع وزير الخارجية يوسف رجي، عدداً قياسياً من اللقاءات مع الوفود ورؤساء دول وحكومات ووزراء كانت خلالها الجوانب الأساسية للملف اللبناني مطروحة على أعلى منبر دولي. وإذا كانت معظم المواقف السيادية والإصلاحية التي تضمنتها كلمة الرئيس سلام جاءت بمثابة تثبيت للثوابت التي تطبع خطاب رئيس الحكومة والحكومة ورئيس الجمهورية بعناوينها الكبيرة، فإن ذلك لم يقلل من أهمية الدلالات والأبعاد التي اكتسبها إطلاق سلام هذه المواقف والثوابت السيادية أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة وفي هذه الظروف المعقدة والخطيرة التي تحاصر لبنان إقليمياً ودولياً.
وبرز في هذا السياق اختصار رئيس الحكومة للمعادلة الكبيرة التي تواكب عملية النهوض بلبنان، إذ أعلن أن "ثقةٌ تُبنى، وقراراً يُستعاد، وأرضاً تُحرَّر. تلك هي معادلة النهوض بلبنان". واستدرك أن "هذه ليست ثلاثية تحديات منفصلة، بل ثلاثة أوجه لقضية واحدة: استعادة دولةً يثق بها مواطنوها، وتملك قرارها، وتمارس سيادتها على كامل أراضيها". وأوضح "أن الثقة التي نريد استعادتها ليست ثقةً بالكلمات، بل بالمؤسسات التي تحمي الحقوق، وبالقضاء الذي يضمن العدالة، وباقتصاد يعيد إلى الناس الازدهار، وإلى الشباب فرصهم بمستقبل أفضل". ولفت إلى أنه "لا يمكن أن نتحدث عن استعادة الثقة من دون استحضار انفجار مرفأ بيروت. فجرح الرابع من آب لا يزال مفتوحاً، ولا يمكن أن يندمل من دون الحقيقة والعدالة والمحاسبة. وهي آتية لا محال".
ولفت سلام في كلمته إلى أن "البعض قد يرى أن حكومتنا لم تفِ بعد بكل ما تعهّدت به. ونحن لا ندّعي أن المهمة قد أُنجزت. لكن الإنصاف يقتضي ألّا نُغفل حجم التركة التي ورثناها: مؤسسات أصابها الشلل، وإدارة تراجعت فاعليتها، واقتصاداً فقد مقوّمات نموّه، ودولة أضعفتها أزمات متراكمة وتدخلات خارجية امتدّت عقوداً. ومع ذلك، لم نتخذ من صعوبة الظروف ذريعةً للتراجع عن التزاماتنا".
وفي تداعيات الحرب وملف المفاوضات مع إسرائيل قال "مع اتساع الحرب في المنطقة وتعدّد المبادرات الرامية إلى إنهائها، تمسكنا بمبدأ لا يقبل المساومة: لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية. صحيح أن لبنان يتأثر بما يجري في محيطه، لكن ذلك لا يعني أننا نقبل بأن يعود ساحة لصراعات الآخرين، أو ورقة تفاوض في أيديهم. إن مستقبل لبنان لا يُقرَّر بالنيابة عنه، ولا يجوز أن يكون أمنه واستقراره ثمناً لتسويات تُعقد في غيابه".
وأضاف "دخلت الدولة اللبنانية في مفاوضات مع إسرائيل، برعاية مشكورة من الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها، من أجل التوصّل إلى ترتيبات تضمن إنهاء الحرب واستعادة لبنان كامل سيادته. والسيادة التي نتمسّك بها لا تتجزأ: فهي تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سلطة الدولة اللبنانية، بقواها الذاتية، على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها وحدها. وعلى هذين المبدأين، وعلى قاعدتي التبادلية والمرحلية، يقوم الإطار الثلاثي الذي تمّ التوصّل إليه في المفاوضات. لكن نجاح أي اتفاق لا يُقاس بالنيات المعلنة، بل بتنفيذ الالتزامات. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو استكمال ترجمة هذا الإطار إلى خطوات عملية، ضمن جدول زمني واضح، وآلية تحقق تضمن تنفيذ جميع بنوده". وينتقل الرئيس سلام في عطلة الأسبوع إلى واشنطن استعداداً لإجراء مجموعة لقاءات أخرى لعل أبرزها مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاثنين المقبل، بحيث يتناول اللقاء القضايا الشائكة المتصلة بالمفاوضات مع إسرائيل التي تشهد جموداً منذ جولتها السابعة الأخيرة.
وكان لافتاً حضور السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى قاعة الجلسات في الأمم المتحدة واستماعه إلى كلمة الرئيس سلام، وأشاد على الأثر بالكلمة، مؤكداً أن الرئيس سلام هو الأقرب إلى الانسجام مع الاتجاهات الأميركية في لبنان، ولم يحسم عيسى بأي موعد للجولة المقبلة من المفاوضات في روما، لافتاً إلى أنها تأجلت قليلاً عن الأسبوع الأول من تشرين الأول ولا موعد محسوماً بعد، وكرر أن تسليم "حزب الله" سلاحه يفتح الباب أمام السلام والفرص تضيع مع الاحتفاظ به، وإذا نزع سلاح الحزب تنسحب إسرائيل ولن تكون حاجة لليونيفيل.
أما وزير الخارجية يوسف رجي الذي سيشارك في اللقاء مع روبيو في واشنطن، فيعقد لقاء مساء الثلاثاء المقبل في البيت الأبيض مع نائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام المقرب جداً من وزير الخارجية الأميركي.
وأما في ما يتصل بلقاء الرئيس سلام والوزير رجي الخميس مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية الإيراني عراقجي، فأفادت تقارير عدة بأن اللقاء كان في حصيلته سلبياً، إذ عكس التباينات الكبيرة في مواقف لبنان وإيران من العلاقات الثنائية على خلفية التدخل الإيراني السافر بدعم "حزب الله" وتمسك الجانب الإيراني بهذا الدعم. كما أن خلافاً متجدداً نشب بين الجانبين في شأن تبديل السفير الإيراني في لبنان الذي جدد الرئيس سلام والوزير رجي رفض لبنان للسفير المعين والمجمدة مهمته، ولكن وزير الخارجية الإيراني تشدد بالتمسك به متحدياً موقف الحكومة اللبنانية، فرد عليه بصرامة كل من سلام ورجي ولم يتم التوصل إلى أي تسوية.
في سياق آخر، اعتبر رئيس الجمهورية جوزف عون أمس "أن الجيش بضباطه وعناصره هو الأساس، وليس فقط الحجر الذي نبني عليه دولتنا، فأنتم الصخرة التي هي أساس الوطن". وقال خلال وضعه الحجر الأساس لمشروع بناء مساكن تعاضد للرتباء والأفراد في الجيش اللبناني في منطقة المرداشة - بعبدا، "كما أن هذا المشروع لبناء مساكن، فإن جميع اللبنانيين مؤمنون بأن وحده سلاحكم المشروع هو المشروع لبناء مساكن لكم، وبأن يكون لنا وطن". وأضاف: "من دونكم، حتى من يتهجمون عليكم، لن يكون لهم متر مربع يتحدثون منه، وحتى الذين يجرّحون بكم لن يجدوا أي منصة يتحدثون منها، ولا من يسمع حملات التجريح بحقكم. هكذا أنتم، عنوان الشرف والتضحية والوفاء". مشيراً إلى أن "عناصر الجيش يضحّون حتى من أجل من يقفون ضدنا وضد الدولة". وأضاف: أن ثقة اللبنانيين هي "أهم سلاح"، مشدداً على أن الشعب يدعم الجيش اللبناني ويحترمه، معتبراً أن ذلك "أكبر فخر".
وفي المواقف الديبلوماسية من لبنان أكَّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري خلال حفل استقبال لمناسبة العيد الوطني الـ 96 للمملكة، في دارته في اليرزة، أن "المملكة العربية السعودية تؤكد وقوفها ومساندتها للبنان من أجل استعادة سيادته على أراضيه ومقدراته كافة، ولم يكن قرار المملكة برفع تعليق الصادرات اللبنانية إلى المملكة قبل أشهر قليلة إلا دليلاً واضحاً إلى التماسنا للجهود الإيجابية المبذولة من القيادة والحكومة اللبنانية".
أما في المقلب المتصل بوضع الجنوب، وفيما اعتبر مصدر أمني إسرائيلي "أن فعالية الجيش اللبناني على الأرض شرط لتنفيذ الاتفاق بين إسرائيل ولبنان"، لفت ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية من أن الجيش الإسرائيلي سيدخل مرحلة جديدة من القتال في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة، بعدما استكمل عملية تدمير البنية التحتية لـ"حزب الله" في منطقة الخط الأصفر.
وتوغلت صباح أمس قوة للجيش الإسرائيلي إلى محلة سدانة في خراج بلدة كفرشوبا. وأقدمت على تطويق مزرعة تعود لعائلة غازي نبعة، بداخلها عدد من الرعاة. وبالتزامن، أطلقت القوات الإسرائيلية النار في محيط المزرعة، فيما سُجّل إطلاق قذائف مدفعية عدة في محيط المحلة. كما تعرضت أطراف بلدة الهبارية في منطقة العرقوب لقصف مدفعي متقطع، ترافقت مع عملية تمشيط واسعة بالرشاشات الثقيلة، كما تزامن ذلك مع تحرك لآليات الجيش الإسرائيلية في المنطقة. وشن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على المنطقة الواقعة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا بالتزامن مع قصف مدفعي لأطراف كفرتبنيت ثم على زوطر الشرقية تكراراً. وبعد الظهر، شنت القوات الإسرائيلية غارة على وادٍ بين فرون والغندورية تسببت بحريق كبير وتمشيط بالرشاشات باتجاه المنصوري وبيت ياحون وكذلك على القصير ووادي الخنازير متسبباً بحرائق واسعة النطاق. وفي وقت لاحق نفذت تفجيراً كبيراً في محيط الطيبة - دير سريان. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه رصد إطلاق صاروخ اعتراضي نحو هدف جوي مشبوه رُصد في المنطقة التي تعمل فيها قواته في جنوب لبنان.
المصدر:
النهار
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة