آخر الأخبار

في الأمم المتحدة: خطابان للحرب... ومفاوضات للنجاة

شارك

في نيويورك، بدا المشهد للوهلة الأولى كأن واشنطن وطهران تتحدثان بلغة واحدة فقط: لغة الحرب. وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول معلنًا أن أمام إيران خيارًا بين اتفاق أو «إبادة» الجمهورية الإسلامية، ومؤكدًا أنّها لن تحصل على سلاح نووي، فيما دعا العالم إلى عزلها اقتصاديًا. لكنه، في الجملة نفسها تقريبًا، توقع اتفاقًا بعد الانتخابات النصفيّة الأميركية.

في اليوم التالي، جاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليقلب الرواية. لم يكتفِ برفض توصيف ترامب لبلاده كدولة راعية للإرهاب، بل قدّمها بوصفها ضحية للحرب، وأكد أنها لا تريد سلاحًا نوويًا لكنها لن تتنازل عن حقها في التكنولوجيا النووية السلمية. والأكثر أهمية أنه قال إن إيران مستعدة للحوار والدبلوماسية والمفاوضات، ولكن من دون لغة القوة.

هنا تحديدًا ينبغي تحدّي القراءة السهلة: هل كان الرجلان يخاطبان بعضهما فعلًا؟

الأرجح أن خطابي نيويورك كانا موجّهين، في جزء كبير منهما، إلى جمهورين مختلفين.

ترامب يفاوض بالتهديد

ترامب لم يأتِ إلى الأمم المتحدة طالبًا فتح تفاوض متكافئ. لقد أراد تثبيت صورة أن الولايات المتحدة هي صاحبة اليد العليا، وأن الحرب والعقوبات أضعفتا إيران، وأن الكرة في ملعب الأخيرة.

لكن العبارة الأكثر أهمية ربما لم تكن «سأدمر إيران»، بل «بعد الانتخابات».

فقد قال بوضوح إن الاتفاق قد يأتي بعد انتخابات تشرين الثاني، ثم سارع إلى نفي أن تكون الانتخابات حاضرة في حساباته. هذا التناقض الظاهري يكشف شيئًا سياسيًا: البيت الأبيض يريد إبقاء الحرب خارج التفسير الانتخابي، لكنه في الوقت نفسه يربط نهاية الحرب زمنيًا بهذا الاستحقاق الأميركي. وهو بذلك يمنح طهران معلومة تفاوضية ثمينة: نافذة الضغط الأميركية ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

والظروف الداخلية تزيد أهمية هذه الرسالة. فقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos في 21 من الجاري أن تأييد ترامب تراجع إلى 32%، وأن 34% فقط أيدوا تعامله مع الضربات على إيران، فيما رأى 82% أن الحرب مرشحة للاستمرار فترة طويلة.

لذلك قد يكون تهديد «الإبادة» أداة تفاوضية بقدر ما هو موقف عسكري: رفع سقف المطالب قبل الوصول إلى الطاولة.

بزشكيان يشتري الوقت

أما بزشكيان فاختار معادلة مختلفة: لا استسلام، لكن لا إغلاق لباب التفاوض.

كان عليه أن يفعل شيئين في آن واحد: أن يحافظ على خطاب الصمود أمام الإيرانيين، وألا يغلق الباب الذي فتحته الدبلوماسية. ولهذا جاء حديثه عن الحوار مقيدًا بشرط أساسي هو غياب القوة والإكراه.

حتى قضية هرمز دخلت في هذه المعادلة. فإيران أبلغت عبر الوسطاء استعدادها لإعادة فتح المضيق خلال أيام إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت الحصار البحري، فيما تحدثت مصادر إقليمية عن خريطة طريق تشمل وقفًا للنار لمدة تصل إلى 60 يومًا وإعادة فتح المضيق تدريجيًا.

وهذا يعني أن طهران لا تعرض «تنازلًا»، بل تبادلًا: هرمز مقابل رفع الضغط، والهدوء مقابل إجراءات أميركية.

الاجتماع الأهم

لكن المفاجأة الحقيقيّة حدثت خارج القاعة.

في 22 الجاري، جرت اتصالات استمرت نحو ثلاث ساعات بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف و جاريد كوشنر والوفد الإيراني الذي كان عباس عراقجي في صدارته، بوساطة قطرية. ترامب وصف الاجتماع بأنه «جيد جدًا» ومثمر، فيما قال ويتكوف إن جولة النقاش كانت بناءة ويُفترض أن تستمر الاتصالات.

والأكثر إثارة أن الروايات لم تكن متطابقة حول شكل اللقاء: بعض التقارير وصفته بأنه اجتماع مباشر بين عراقجي وويتكوف، فيما أشارت مصادر أخرى إلى أن الاتصالات جرت عبر وسطاء ولم يكن اللقاء المباشر بالصيغة التي أوحت بها بعض الروايات.

وهنا تكمن دلالة سياسية كبيرة: الجانبان لم يكونا مستعدين بعد لتحمّل كلفة الاعتراف العلني بتفاوض مباشر، لكنهما كانا مستعدين للتفاوض فعلًا.

ما وراء الستار

الأهم أن الاجتماع لم يبدأ من الصفر. طهران كانت قد نقلت إلى واشنطن في 16 أيلول مقترحًا لإنهاء القتال، وكانت قد أعطت وفدها في نيويورك صلاحية متابعة المسار الدبلوماسي.

إذن، لم تكن الجمعية العامة هي المكان الذي بدأت فيه المفاوضات، بل المكان الذي تقاطعت فيه مع الحرب الإعلامية.

وهنا يبدو التناقض أكثر وضوحًا: ترامب يرفع سقف التهديد أمام العالم لكي يدخل التفاوض من موقع قوة، وبزشكيان يرفع سقف الرفض لكي يدخل التفاوض من دون أن يبدو مستسلمًا.

لا يعني ذلك أن اتفاقًا أصبح قريبًا. فما زالت القضايا الجوهرية مفتوحة: البرنامج النووي، العقوبات، الحصار، هرمز، والأدوار الإقليمية الإيرانية. كما أن واشنطن لم تعلن استعدادها لرفع الحصار قبل أن ترى خطوات إيرانية ملموسة.

لكن ما حدث في نيويورك يكشف شيئًا ربما أهم من احتمال الاتفاق نفسه: الحرب وصلت إلى النقطة التي أصبح فيها استمرارها يحتاج إلى مفاوضات، بينما أصبحت المفاوضات نفسها تحتاج إلى خطاب حرب كي ينجو أصحابها سياسيًا.

ولهذا ربما لم تكن خطابات نيويورك إعلانًا عن جولة جديدة من التصعيد بقدر ما كانت مسرحًا تفاوضيًا متنكرًا بثياب التصعيد.

والسؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كان ترامب وبزشكيان يريدان الكلام. لقد تكلما بالفعل، ولو عبر الوفود والوسطاء.

السؤال هو: من سيقدّم أول تنازل يمكن تسويقه في الداخل باعتباره «صفقة» لا «هزيمة»؟

هناك، لا في منصة الأمم المتحدة، توجد نهاية هذه الحرب.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا