آخر الأخبار

الاستثمار يحتاج حدودًا... هل تدفع المصالح إلى إقفال الملفات العالقة بين لبنان وسوريا؟

شارك

بدا مشهد الوفد السوري الذي زار بيروت خلال الساعات الماضية مختلفًا عما اعتاده اللبنانيون في العلاقات اللبنانيةالسورية خلال السنوات الأخيرة. فبدل أن يتصدر الصورة مسؤولون أمنيون أو لجان تبحث في الحدود والموقوفين والنازحين، ضم الوفد الحكومي الموسع وزراء الاقتصاد والصحة والسياحة والزراعة والنقل، إلى جانب مسؤولي الاستثمار والطيران المدني، في زيارة عنوانها الأساسي المنتدى اللبناني - السوري للاستثمار .

صحيح أنّ الوفد الحكومي السوري الموسّع جاء إلى بيروت للمشاركة في المنتدى اللبناني-السوري للاستثمار، إلا أنّ حضوره بحدّ ذاته حمل رسالة تتجاوز المنتدى، انعكست بصورة أو بأخرى خلال اللقاء الذي جمعه مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، حيث تحدّث الأخير عن "علاقات متوازنة" وتكامل اقتصادي في المنطقة على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي، فيما تحدث الجانب السوري عن شراكات ومشاريع مشتركة وعن مرحلة جديدة.

لكن الخطاب الاقتصادي، على أهميته، لا يكفي لقراءة ما يجري. فالعلاقة التي تنتقل إلى لغة الأسواق والممرات والاستثمارات ما زالت تحمل ملفات لم تُحسم، من ترسيم الحدود والمفقودين اللبنانيين في سوريا إلى القضايا القضائية وتنظيم المعابر ومراجعة ما ورثه البلدان من المرحلة السابقة. فهل تتحول المصالح الجديدة إلى حافز لإقفالها، أم تتقدم الحركة الاقتصادية فيما تبقى الأسئلة السياسية والسيادية في مكانها؟

من إدارة المشكلات إلى صناعة المصالح

طوال الأشهر الماضية التي أعقبت سقوط النظام السابق في سوريا، تركز الجزء الأكبر من التواصل بين بيروت ودمشق على إدارة مشكلات فرضت نفسها بقوة الجغرافيا والوقائع، وعلى رأسها ضبط الحدود وصولًا إلى ترسيمها، المفقودون، المطلوبون، السجناء السوريون في لبنان، وعودة النازحين. وقد وضع عون ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الملفات الأكثر إلحاحًا، مؤكدًا لاحقًا جاهزية اللجنة اللبنانية للشروع في الترسيم.

من هنا، يمكن القول إنّ زيارة الوفد الحكومي السوريتضيف طبقة أخرى إلى هذا المسار. فالجغرافيا التي تنتج المشكلات تنتج مصالح أيضًا. لبنان يحتاج إلى الأراضي السورية لعبور جزء أساسي من تجارته البرية نحو الأردن والعراق والخليج، فيما تستطيع سوريا الاستفادة من المرافئ اللبنانية وقطاع الخدمات والشركات اللبنانية في مرحلة إعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية.

لذلك يحمل الانتقال من الحديث عن المعابر والموقوفين إلى النقل والاستثمار والزراعة والسياحة معنى سياسيًا أيضًا.فوجود هذا العدد من الوزراء في بيروت يعكس محاولة لنقل التواصل إلى مستوى مختلف، خصوصًا أن الجانب اللبناني يتحدث صرحة عن جعل العلاقة "مؤسساتية" من خلال الاتفاقيات والبروتوكولات. وبهذا المعنى، يبدو الطرفانوكأنهما يحاولان الانتقال من علاقة تقوم على حل الأزمات إلى علاقة يصبح فيها شيء يمكن بناؤه معًا.

إطار مؤسساتي أمام امتحان التطبيق

سبق التحرك الاقتصادي الحالي تغيير أكثر عمقًا في الشكل المؤسساتي للعلاقة. فقد وقع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 2 تموز اتفاقية إنشاء " اللجنة العليا اللبنانيةالسورية المشتركة "، ثم أُبرمت الاتفاقية بمرسوم لبناني في 17 تموز. وهي تشكل الإطار المؤسساتي الأعلى للتشاور والتنسيق، وتتيح إنشاء لجان قطاعية وفنية ومتابعة الملفات والاتفاقيات بين الجهات المختصة في البلدين.

تكتسب هذه الخطوة دلالتها من محاولة إعادة إدارة العلاقات عبر الحكومتين والوزارات واللجان القطاعية، بعد عقود ارتبط فيها تنظيم العلاقة بمعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق والمجلس الأعلى اللبناني–السوري. بهذا المعنى، تفتح الاتفاقية الجديدة إطارًا للتعاون يشمل السياسة والاقتصاد والقضاء والأمن والنقل والطاقة والبنية التحتية والصحة وغيرها، مع إعطاء المؤسسات الرسمية دور المتابعة والتنفيذ.

لذلك، لا تكمن أهمية الصيغة الجديدة في استبدال اسم بآخر بعد مرحلة المجلس الأعلى اللبناني–السوري. فالمعيار الحقيقي هو طريقة إدارة الملفات، وتحديدًا ما إذا كانت الملفات الثنائية ستتحول إلى قضايا بين دولتين تعالجها مؤسسات مسؤولة وفق قواعد واضحة. عندها يصبح الاتفاق الاقتصادي امتدادًا للعلاقة الرسمية، ويصبح الخلاف الحدودي بدوره ملفًا ينبغي أن يجد طريقه إلى لجانه المختصة، بدل أن يبقى رهينة الظروف السياسية.

تغيّر ميزان الحاجة

ثمة تحول آخر ينبغي إدخاله في الحساب. طوال سنوات العقوبات والعزلة الاقتصادية السورية، امتلك لبنان بحكم موقعه ومرافئه وقطاعه الخاص قيمة مضاعفة بوصفه منفذًا قريبًا من سوريا. أما دمشق اليوم فتتحرك في بيئة أوسع نسبيًا، خصوصًا بعدما رفع الاتحاد الأوروبي في أيار 2025 العقوبات الاقتصادية عن سوريا، مع إبقاء تدابير مرتبطة بأسباب أمنية وأفراد وكيانات محددين، ثم أعاد في أيار 2026 التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا.

لا يلغي ذلك قيمة لبنان الجغرافية والاقتصادية بالنسبة إلى سوريا، لكنه يعني أن هذه القيمة لم تعد تعمل في الفراغ. أمام دمشق خيارات وشركاء ومسارات اقتصادية أوسع، ما يجعل فكرة "التكامل" التي يطرحها الطرفان أكثر حاجة إلى مصالح محددة ومشاريع قابلة للحياة، وأقل قابلية للبناء على افتراض أن حاجة أحد البلدين إلى الآخر تكفي وحدها لدفع الملفات السياسية إلى الحل.

هنا يصبح الوقت مهمًا بالنسبة إلى بيروت أيضًا. فإذا كانت المصالح قادرة على توفير حافز لتسوية الملفات العالقة، فإن تحويلها إلى هذه الوظيفة يحتاج إلى تفاوض ومؤسسات وجداول واضحة قبل أن تتسع شبكة العلاقات الاقتصادية ويصبح فصلها عن القضايا السياسية أمرًا واقعًا.

ملفات لا تصبح هامشًا

مع ذلك، لا يمكن التعامل مع كل الملفات بالمنطق نفسه. قضية المفقودين اللبنانيين في سوريا، مثلًا، ليست ورقة في مقايضة اقتصادية، وإنما قضية إنسانية تتصل بحق العائلات في معرفة مصير أبنائها. وقد بدأ تعاون بين الهيئتين المعنيتين في البلدين لتبادل المعلومات والعمل على كشف الحقيقة.

في المقابل، يقدم اتفاق نقل المحكومين نموذجًا لما تستطيع المؤسسات إنجازه. فقد وقع البلدان في شباط اتفاقية لنقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسيتهم، بعد مسار تفاوضي وقانوني امتد أشهرًا. لم يحل ذلك بقية القضايا القضائية، لكنه أثبت أن تحويل ملف خلافي إلى مسار مؤسساتي يمكن أن يقود إلى نتيجة محددة.

المطلوب، إذًا، ليس وضع الملفات السيادية والإنسانية تحت سقف الاقتصاد، وإنما منع نشوء مسارين لا يلتقيان: تعاون اقتصادي يتقدم سريعًا، وملفات أساسية تتحول تدريجيًا إلى قضايا مؤجلة.

الاستثمار يحتاج حدودًا

تلتقي هذه المسارات عند الاقتصاد نفسه. فالاستثمار الذي يبدو أكثر سهولة من السياسة يحتاج عمليًا إلى كثير مما يجعل الملفات الأخرى ملحة. الترانزيت المنتظم يحتاج إلى معابر مضبوطة، والتجارة إلى قواعد جمركية مستقرة، والمشاريع المشتركة إلى قوانين واضحة، والمستثمر إلى تعاون قضائي وآليات تحمي العقود وتحل النزاعات. أما مشاريع النقل والربط البري والطاقة، فتجعل مسألة الحدود أكثر التصاقًا بالاقتصاد، لا أقل.

من هنا لا يصبح الاقتصاد بديلًا من السياسة، وإنما كاشفًا لكلفة إبقائها معلقة. كل طريق جديد وكل اتفاق تجاري أو استثماري يطرح في النهاية أسئلة الدولة والحدود والقانون والجهة التي تملك صلاحية اتخاذ القرار وتنفيذه.

لهذا يبدو الاختبار الحقيقي للعلاقة اللبنانية–السورية أكبر من نجاح منتدى استثماري أو كثافة زيارات الوفود. لدى البلدين اليوم إطار مؤسساتي جديد ومصالح يمكن أن تتوسع، فيما بقيت بينهما ملفات عمر بعضها عقود. إذا دفعت هذه المصالح نحو تسويتها، يكون الاقتصاد قد ساهم في بناء علاقة أكثر انتظامًا بين دولتين. أما إذا توسعت الأسواق وبقيت القضايا الأساسية معلقة، فستكون العلاقة الجديدة قد تقدمت فوق الأسئلة القديمة من دون أن تجيب عنها.

وفي النتيجة، تبدو المعادلة التي أظهرتها زيارة بيروت بسيطة في ظاهرها وأكثر تعقيدًا في نتائجها: الاستثمار يحتاج إلى استقرار، والاستقرار بين دولتين متجاورتين يبدأ من معرفة أين تنتهي حدود إحداهما وتبدأ الأخرى، وما هي القواعد التي تحكم ما بينهما.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا