آخر الأخبار

بعد 6 سنوات... هل بدأت محاكمة العهد العوني؟

شارك
للمرة الأولى منذ انفجار مرفأ بيروت ، يبدو أن السؤال لم يعد يتمحور فقط حول الجهة أو الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية الكارثة، بل أصبح أكثر حساسية من ذي قبل، وبالأخص إذا أُجيز للمحللين الذهاب بعيدًا في طرح السؤال التالي: هل بدأ لبنان بالفعل، وبعد ست سنوات، في مساءلة السلطة التي كانت تدير البلاد عندما وقع الانفجار؟ فطلب النيابة العامة التمييزية توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون ، على خلفية ما نسب إليه من علم مسبق بوجود نيترات الأمونيوم في المرفأ وبخطورتها من دون اتخاذ الإجراءات اللازمة أو طرح الأمر أمام المجلس الأعلى للدفاع، يضع ملف 4 آب أمام مرحلة مختلفة، خصوصًا أن النيابة حدّدت في مطالعتها مسؤوليات أكثر من سبعين شخصًا، فيما يبقى القرار الاتهامي النهائي من صلاحية المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.

وهنا تبدأ القصة السياسية، وليس نهايتها. فميشال عون ليس اسمًا إضافيًا في ملف المرفأ، بل كان رئيس الجمهورية يوم وقعت الكارثة، وكان " العهد " يومها عنوانًا لمرحلة سياسية كاملة بكل ما رافقها من تحالفات وصراعات وقرارات ومؤسسات ومسؤولين. ولذلك فإن وصول التحقيق إلى موقع رئاسة الجمهورية السابقة يطرح سؤالًا يتجاوز شخص عون نفسه: هل يستطيع القضاء اللبناني أن يصل إلى رأس الهرم السياسي عندما تكون الوقائع التي يبحث فيها قد حصلت أثناء ممارسة السلطة، أم أن هناك حدودًا دستورية وسياسية تجعل الاقتراب من هذا الموقع مختلفًا عن ملاحقة أي مسؤول آخر؟

المفارقة أن الطريق إلى هذه المساءلة يمر بدوره عبر الدستور . فالمادة 60 تنص على أن رئيس الجمهورية لا يمكن اتهامه بسبب الجرائم العادية أو خرق الدستور أو الخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب، بقرار يصدر بغالبية ثلثي مجموع أعضائه، على أن يحاكم أمام المجلس الأعلى. وهذا النص يفتح بابًا دستوريًا لا يمكن تجاهله في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن الشخص المعني لم يعد رئيسًا في منصبه، فيما الأفعال موضوع الملاحقة تعود إلى فترة كان فيها على رأس الدولة.

ومن هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن النيابة العامة طلبت اتهام رئيس سابق. فالسؤال الحقيقي هو: هل تنتهي الآلية الدستورية الخاصة بمساءلة رئيس الجمهورية بانتهاء ولايته، أم أن الأفعال المنسوبة إليه، إذا كانت قد وقعت أثناء وجوده في سدة الرئاسة، تبقى خاضعة للأصول التي رسمها الدستور حتى بعد مغادرته قصر بعبدا ؟ هذه ليست مسألة سياسية يمكن حسمها بالشعارات، ولا قضية يمكن أن يقررها الرأي العام، بل سؤال دستوري وقضائي قد يصبح هو العقدة الأساسية في المرحلة المقبلة من ملف المرفأ.

لكن، في المقابل، ثمة حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها. فالتحقيق الذي تعطّل لسنوات طويلة بفعل الطعون والدعاوى والخلافات والصدامات السياسية والقضائية وصل اليوم إلى مرحلة متقدمة. فالمحقق العدلي أنهى تحقيقاته، والنيابة العامة سلّمت مطالعتها، وحددت مسؤوليات أكثر من سبعين شخصًا، وأصبح البيطار أمام مهمة اتخاذ القرار بشأن ما ورد في هذه المطالعة، مستندًا إلى ما خلص إليه تحقيقه من وقائع وأدلة. وهذا يعني أن الملف انتقل من مرحلة انتظار التحقيق إلى مرحلة انتظار القرار، وهي نقلة لا يجوز التقليل من أهميتها بعد أكثر من ست سنوات على الانفجار.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة اللبنانية . فالسلطة التي كانت قائمة يوم وقعت الكارثة تغيّرت، والرئيس الذي كان في قصر بعبدا أصبح رئيسًا سابقًا، والحكومات تعاقبت، والمسؤولون تبدلت مواقعهم، لكن آثار المرحلة لم تتبدل. بقي انفجار المرفأ حاضرًا في ذاكرة أهالي الضحايا والجرحى والمتضررين، وبقي السؤال نفسه معلّقًا: من كان يعلم، من كان يستطيع أن يتصرف، ومن كان يمتلك السلطة ولم يستخدمها في الوقت المناسب؟

لذلك فإن دخول عون إلى دائرة الاتهام المحتمل لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حكمًا عليه، ولا باعتباره إدانة للعهد الذي ترأسه. طلب النيابة ليس حكمًا قضائيًا، والقرار الاتهامي ليس حكمًا بالإدانة، كما أن المسؤولية لا تثبت إلا من خلال الأدلة والأصول والمحاكمة أمام الجهة المختصة. وهذه نقطة أساسية حتى لا تتحول القضية إلى تصفية حساب سياسية جديدة بدلًا من أن تكون مسارًا قضائيًا يبحث في المسؤوليات.

لكن المسألة السياسية الأعمق تبقى قائمة: ماذا يعني أن يبدأ لبنان، بعد انتهاء ولاية رئيس، في البحث في مسؤولية ما جرى خلال تلك الولاية؟ هنا لا يعود الملف متعلقًا بميشال عون وحده، بل بفكرة السلطة نفسها. ففي الدول التي تحترم قواعد المحاسبة، لا يفترض أن يكون انتهاء الولاية نهاية المسؤولية، كما لا يفترض أن تكون ممارسة السلطة حصانة دائمة من السؤال والمساءلة. وفي المقابل، فإن المحاسبة لا تكون صحيحة إذا تحولت إلى انتقام من مرحلة سياسية أو إلى محاولة لإدانة عهد كامل من خلال مسؤولية شخص أو أكثر.

ولذلك، قد يكون لبنان أمام اختبار يتجاوز انفجار المرفأ نفسه. فإذا انتهى المسار إلى اتهام عون أو غيره، فإن المطلوب ألا يُنظر إلى ذلك كغلبة فريق سياسي على فريق آخر، بل كاختبار لقدرة الدولة على تطبيق القانون عندما يصل إلى شخص كان في أعلى موقع دستوري في البلاد. وإذا انتهى المسار إلى عدم اتهامه، فإن المطلوب أيضًا أن يكون ذلك نتيجة قانونية مبنية على الأدلة والصلاحيات، لا نتيجة تسوية سياسية أو ضغط من أي جهة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا