آخر الأخبار

دير ميماس تختبر سلطة الدولة في الجنوب

شارك
لم يعد النقاش حول سلطة الدولة في الجنوب محصوراً بالخطابات السياسية أو بالسجال حول السلاح وحصرية القرار، إذ جاءت أحداث «دير ميماس» أمس لتضع واحدة من أبرز معادلات المرحلة الحالية أمام اختبار مباشر، بعدما تقدمت قوة إسرائيلية باتجاه نقطة للجيش اللبناني أُقيمت بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان لمواكبة الأهالي أثناء تفقد أراضيهم الزراعية، وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما دفع الجيش إلى تعزيز وجوده وحصل استنفار ميداني بين الجانبين، وسط معلومات ميدانية تحدثت عن تهديد إسرائيلي باستهداف العناصر في حال بقائهم في المكان. واستتبع ذلك اتصالات عبر مجموعة التنسيق العسكري انتهت بمغادرة القوة الإسرائيلية وعودة عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي في البلدة.

ولعل أهمية الحادثة لا تكمن فقط في تفاصيلها الميدانية، بل في توقيتها ودلالاتها، إذ يقوم المسار الرسمي اللبناني اليوم على تعزيز حضور الدولة جنوباً، وتوسيع انتشار الجيش، وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية، بالتوازي مع الرهان على الدبلوماسية والاتصالات الدولية لمعالجة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. لكن ما جرى في «دير ميماس» يطرح سؤالاً حول ما يمكن أن تفعله الدولة حين تدفع بالجيش إلى توسيع انتشاره وبسط سلطتها في الجنوب، فيما يواجه ضغطاً إسرائيلياً مباشراً يقيّد قدرته على أداء مهمته.

وهنا يبرز دور القرار السياسي وحدود مسؤوليته، فالجيش يتحرك في الجنوب ضمن مهمة تحددها الدولة وسقف سياسي ترسمه السلطة التنفيذية، ما يجعل قدرته على التعامل مع الضغط الإسرائيلي مرتبطة بما توفره له هذه السلطة من غطاء وإمكانات وخيارات، ويضع أمامها مسؤولية حماية المسار الذي اختارته وتأمين الشروط التي تسمح للجيش بتثبيت حضوره وممارسة مهماته.

وترى مصادر أمنية مطّلعة أن الإشكالية تتعمّق اكثر مع إصرار إسرائيل على التعامل مع مناطق في الجنوب بوصفها «منطقة أمنية»، تفرض داخلها حدود الحركة والانتشار وفق حساباتها العسكرية، بما يضع المسار اللبناني أمام تناقض أساسي بين السعي إلى تكريس الجيش كقوة عسكرية شرعية تتولى بسط سلطة الدولة، وبين واقع تحاول فيه إسرائيل الاحتفاظ لنفسها بحق تحديد نطاق انتشاره.

وفي هذا السياق، تعيد «دير ميماس» إلى الواجهة النقاش الذي رافق تلّة «علي الطاهر»، حين تركّز السجال انذاك على تسليم المواقع للجيش ومدى قدرته على حمايتها، فيما اختصر جزء من الخطاب الداخلي المشكلة بوجود " حزب الله " فيها. إلا أن أحداث «دير ميماس» نقلت النقاش، وفق المصادر، إلى مستوى أبعد من مسألة مَن يسيطر على الموقع ومَن يتسلّمه، لأن تسلّم الجيش للمواقع وانتشاره فيها يحسم مسألة المرجعية العسكرية من جهة الدولة، لكنه لا يمنحها تلقائياً القدرة على تثبيت سيادتها في مواجهة إسرائيل، وهو ما يجعل المرحلة التالية لتسلّم المواقع جزءاً أساسياً من المعادلة، بما تتطلبه من أدوات وضمانات سياسية وميدانية تتيح للجيش تثبيت انتشاره والاستمرار في أداء مهماته.

ومما لا شك فيه أن الاتصالات عبر مجموعة التنسيق العسكري أدت دوراً في احتواء التوتر وإنهاء الاحتكاك ومغادرة القوة الإسرائيلية المكان، ما أظهر قدرة هذه الآلية على منع الحادثة من التطور ميدانياً، غير أن فاعلية هذا المسار، بحسب المصادر، تتجاوز إدارة الحوادث عند وقوعها إلى قدرته على تثبيت قواعد واضحة تحمي انتشار الجيش وتمنع إسرائيل من فرض قيودها عليه، خصوصاً أن الرهان الرسمي على الدبلوماسية والاتصالات الدولية يرتبط في جوهره بقدرة الدولة على تكريس سيادتها وضمان استمراريتها.

وفي ضوء ذلك، تكتسب الحادثة بعداً سياسياً إضافياً، لأنها تضع الرهان الرسمي أمام حالة تختلف عن تلك التي بُني عليها جزء كبير من النقاش الداخلي، حيث ارتبطت الاعتداءات الإسرائيلية في كثير من الأحيان بوجود مواقع لـ"حزب الله" أو نشاط عسكري خارج إطار الدولة، بينما كان الجيش في هذه المرة هو الموجود في «دير ميماس»، ضمن مهمة معلنة وبتنسيق مع الآلية العسكرية المعتمدة، ومع ذلك تقدمت القوة الإسرائيلية باتجاهه، ما يفتح النقاش حول مدى قدرة انتقال المسؤولية الأمنية إلى الدولة على تغيير السلوك الإسرائيلي، وحول الأدوات التي تملكها السلطة السياسية عندما يمتد الضغط الإسرائيلي إلى المؤسسة التي تعتمد عليها لتثبيت حضور الدولة جنوباً.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إلى المهمة التي أُقيمت من أجلها النقطة في «دير ميماس»، إذ ارتبط وجود الجيش بمواكبة المواطنين خلال تفقد أراضيهم الزراعية، ما يضع الحادثة في صلب مفهوم السيادة الذي تقوم عليه المقاربة الرسمية للجنوب، باعتبار أن قدرة الدولة على تأمين وصول مواطنيها إلى أراضيهم وحماية وجود جيشها أثناء قيامه بهذه المهمة تشكل جزءاً أساسياً من ممارسة سلطتها، فيما يكشف التدخل الإسرائيلي في هذه الحالة حجم التحدي الذي يواجه الدولة في تحويل هذا الحضور إلى سلطة ثابتة ومحمية.

وبذلك، تعيد «دير ميماس» المسؤولية إلى مستوى القرار السياسي، إذ إن الجيش يتحرك ضمن قرار الدولة والإمكانات والغطاء اللذين توفرهما له، فيما تقع على السلطة السياسية مسؤولية تأمين الشروط التي تمنحه القدرة على تنفيذ المهمة التي وضعتها في صلب مقاربتها للجنوب. فاستعادة سلطة الدولة تكتسب معناها الفعلي عندما يصبح انتشار الجيش محمياً بقرار سياسي وأدوات قادرة على تثبيته في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، لأن السيادة التي تراهن عليها الدولة ترتبط في النهاية بقدرتها على حماية حضور مؤسساتها وضمان استمراره على كامل أراضيها.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا