قدّمت حادثة دير ميماس نموذجًا عمليًا لهذا التحدي. فأوضحت قيادة الجيش اللبناني، في بيان، أنه في "سياق المهمات التي تنفذها الوحدات العسكرية داخل بلدة دير ميماس – مرجعيون، أقامت دورية للجيش، في 10 أيلول 2026، نقطة مراقبة موقتة مستحدثة عند أطراف البلدة، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، لمواكبة الأهالي أثناء تفقدهم الأراضي الزراعية.
وفي 18 أيلول 2026، اقتربت قوة تابعة للاحتلال الإسرائيلي من النقطة المستحدثة داخل ما يسمى "المنطقة الأمنية"، وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما دفع الجيش إلى تعزيز النقطة وأدى إلى استنفار بين الجانبين. ونتيجة الاتصالات التي جرت عبر MCG4L، غادرت القوة التابعة للاحتلال الإسرائيلي المكان، قبل أن يعود عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي في البلدة".
وفي هذا الإطار، لفت مصدر مطّلع لـ"نداء الوطن" إلى أن الحادثة قدّمت نموذجًا عمليًا لكيفية إدارة الدولة أي احتكاك أو خرق إسرائيلي في الجنوب، عبر تعزيز الحضور العسكري الشرعي على الأرض، وربطه بقنوات تنسيق واتصالات دولية من شأنها احتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.
وأضاف المصدر أن ما جرى يعيد إلى الواجهة الفارق بين نهج الدولة ومسار التفاوض الذي يتمسّك به لبنان، وبين تجربة "حزب الله" العسكرية والسياسية، التي لم تجلب سوى الخراب والدمار، ولم تتمكّن من "تحرير" شبر واحد من الجنوب أو دفع الإسرائيلي مترًا واحدًا إلى الوراء. فالمعادلة التي تسعى الدولة إلى تثبيتها اليوم لا تقوم على السلاح وحده، بل على الجمع بين القوة الشرعية اللبنانية المتمثّلة بالجيش اللبناني، والشرعية السياسية والدبلوماسية، والعلاقات الدولية.
ومن هنا، لا تبدو دير ميماس منفصلة عما جرى في باريس، ولا عما ينتظر لبنان في نيويورك وواشنطن. ففي بعبدا، وضع رئيس الجمهورية جوزاف عون رئيس الحكومة نواف سلام في أجواء لقاءاته في العاصمة الفرنسية مع الرئيس إيمانويل ماكرون والملك الأردني عبدالله الثاني، ومداولات الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، فيما انتقل البحث إلى المرحلة التالية المتمثلة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي سيرأس سلام وفد لبنان إليها، والاجتماعات المرتقبة في واشنطن لبحث الوضع اللبناني.