لم يكن انفجار تلة علي الطاهر في
جنوب لبنان حدثاً عسكرياً عابراً. ففي العاشر من أيلول، دوّت سلسلة تفجيرات ضخمة استهدفت بنية تحتية تحت الأرض، وأعلنت
إسرائيل أنها دمّرت شبكة أنفاق لـ"
حزب الله " تمتد لنحو كيلومترين، وتضم منشآت قيادة وتخزين أسلحة ومواقع تحت الأرض. وأفادت تقارير بأن كمية المتفجرات المستخدمة قُدّرت بنحو 1100 طن، فيما سُجلت اهتزازات أرضية بلغت قوتها 4.1 درجات.
لكن ماذا حدث للبيئة بعد هذه التفجيرات؟
انفجار بهذا الحجم لا ينتهي عندما يتوقف الدخان. آثاره المحتملة قد تبدأ في الهواء، ثم تنتقل إلى التربة والمياه والنباتات، وقد تمتد زمنياً لسنوات إذا بقيت مخلفات متفجرة أو معادن ثقيلة أو مواد ملوّثة في الأرض.
فتلة علي الطاهر ليست
جزيرة معزولة، بل جزء من منظومة طبيعية وعمرانية وزراعية في قضاء النبطية، ومحيط كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر ومناطق أخرى، وهي منطقة تعرضت أصلاً لأشهر من القصف والحرائق والدمار.
أولاً: الهواء.. الساعات الأولى الأكثر حساسية
في هذا الإطار، يقول خبير بيئي عبر "
لبنان 24 " إن "أول أثر بيئي مباشر للانفجار هو الهواء. فعندما تُفجّر كميات ضخمة من المواد في منطقة جبلية، لا ينتج فقط وميض وصوت وموجة ضغط، بل ترتفع إلى الجو كميات كبيرة من الغبار والجسيمات الدقيقة الناتجة عن تفكك الصخور والتربة والخرسانة والمعادن، إضافة إلى نواتج احتراق المتفجرات والمواد الموجودة في المنشآت المستهدفة".
ويُشير إلى أن "المشكلة تزداد إذا كانت هذه الأنفاق تضم مخازن أسلحة وذخائر ومواد أخرى، إذ إن احتراق أو انفجار هذه المواد يمكن أن يضيف ملوثات كيميائية إلى الغبار والهواء".
ويضيف: "وجود خطر محتمل لا يعني أن مادة سامة محددة ثبت وجودها في هواء النبطية. فحتى الآن، لا تتوافر نتائج منشورة لقياسات جوية مخبرية شاملة بعد تفجيرات علي الطاهر تحدد تركيزات المعادن الثقيلة أو المركبات الناتجة عن المتفجرات. لكن الدراسات والخبرة العلمية في مناطق الحروب تُشير إلى أن الذخائر يمكن أن تطلق معادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة، وأن تقييم الأثر الحقيقي يحتاج إلى عينات من الهواء والغبار والتربة والمياه".
ثانياً: التربة.. الخطر الذي قد يبقى بعد اختفاء الدخان
يُشير الخبير البيئي إلى أن "الضرر الأكثر أهمية على المدى
الطويل هو ذلك الذي لا يُرى بالعين. فالمتفجرات العسكرية لا تختفي كلها بالضرورة بعد التفجير، وقد تبقى في التربة مخلفات من المواد المتفجرة أو نواتج تحللها، إضافة إلى بقايا المعادن والمواد الناتجة عن الذخائر والمنشآت المدمرة".
ويتابع: "تُشير مراجعة علمية حديثة نُشرت عام 2026 إلى أن مركبات مثل TNT وRDX وHMX يمكن أن تبقى في التربة المتأثرة بالحروب، وأن بعضها قادر على التحرك عبر البيئة والوصول إلى المياه الجوفية والنباتات".
ويُشدد على أن "التحقق الحقيقي يتطلب أخذ عينات من التربة السطحية في موقع الانفجار وعلى أطراف الموقع وفي اتجاهات الرياح، ومن التربة الزراعية في المناطق المحيطة، والرواسب التي قد تنقلها مياه الأمطار، والمناطق التي تعرضت للحرائق، إضافة إلى أماكن تخزين أو انفجار الذخائر والمعدات".
كما يجب البحث، بحسب نوع الذخائر والمواد التي كانت موجودة في الموقع، عن بقايا المتفجرات ومشتقاتها والمعادن الثقيلة والملوثات المرتبطة باحتراق الوقود والزيوت والبلاستيك والإلكترونيات.
ثالثاً: المياه الجوفية.. الخطر الصامت
يلفت الخبير البيئي إلى أن "المادة الملوّثة التي تستقر في التربة قد تبقى في مكانها، لكنها قد تتحرّك مع مياه الأمطار، علماً أن بعض المركبات المتفجرة أكثر قابلية للانتقال داخل التربة من غيرها. وقد وثقت الدراسات البيئية في مناطق عسكرية أخرى انتقال مركبات مثل RDX وHMX إلى أعماق التربة والمياه الجوفية، بينما يمكن لمركبات أخرى أن ترتبط بالتربة بدرجات مختلفة".
لذلك، فإن الخطر في علي الطاهر لا ينبغي أن يُقاس فقط بما حدث يوم الانفجار، بل إن مراقبة الموقع بعد هطول الأمطار ستكون مهمة لتقييم احتمال انتقال الملوثات، بحسب قوله.
فإذا كانت هناك مخلفات كيميائية في التربة، فإن الأمطار قد تعيد إذابتها أو نقلها إلى طبقات أعمق أو إلى مجاري المياه، بحسب طبيعة الصخور والتربة وموقع الملوث ومعدلات تسرب المياه. وهذا يستدعي إنشاء شبكة مراقبة تشمل الآبار والينابيع والمياه السطحية في محيط النبطية، وليس الاكتفاء بعينة واحدة بعد الانفجار.
رابعاً: النبطية.. مدينة تقع داخل حزام بيئي متضرر أصلاً
يُتابع الخبير: "منطقة النبطية ومحيطها تعرضتا خلال الأشهر الماضية لسلسلة واسعة من الضربات والحرائق وعمليات التدمير. وأظهرت مقارنة صور فضائية بين شباط وحزيران 2026 دماراً واسعاً في النبطية الفوقا، شمل أبنية وطرقاً ومنشآت ومساحات خضراء، مع ظهور آثار حرائق وأعمدة دخان في عدة مواقع".
ويضيف أن "هذا يعني أن البيئة المحلية لا تواجه اليوم مصدراً واحداً للتلوث، وإنما خليطاً من الآثار المتراكمة: القصف، والحرائق، والأنقاض، والمعادن، والزيوت والوقود، ومخلفات الذخائر، والتربة المكشوفة، وتدمير الغطاء النباتي، واحتمال وجود ذخائر غير منفجرة."
ومن هنا تأتي خصوصية النبطية: فالمدينة والمناطق المحيطة بها قد تصبح منطقة لتراكم الملوثات القادمة من أكثر من موقع عسكري ومدني متضرر.
خامساً: الركام.. مشكلة بيئية بحجم مدينة
يُضيف الخبير البيئي: "عندما تتحوّل المباني والمنشآت إلى أنقاض، فإن الركام لا يتكون من الحجر والباطون فقط. قد يحتوي على زجاج، ومعادن، وأسلاك، ودهانات، وبلاستيك، وعوازل، وأجهزة كهربائية، وزيوت، وبطاريات، وربما "أسبستوس" في بعض الأبنية القديمة، فضلاً عن مخلفات الذخائر".
ويشير إلى أن "وزارة البيئة تتعامل مع ركام الحرب باعتباره ملفاً بيئياً مستقلاً، وقد وضعت إجراءات خاصة لإدارة ركام الكوارث والنزاعات، تتضمن التحقق من مخاطر الذخائر غير المنفجرة والمواد الخطرة، ثم فرز الركام ونقله وتخزينه ومعالجته أو إعادة تدويره وفق معايير بيئية".
وهذا مهم جداً في النبطية تحديداً، لأن الخطأ الأكبر سيكون في التعامل مع الركام باعتباره مجرد "بحص يمكن نقله". فالركام الملوث، إذا نُقل إلى مكب عشوائي، أو استُخدم في ردم الأراضي، أو طُحن من دون فرز، يمكن أن ينقل المشكلة من مكان الانفجار إلى مكان آخر.
سادساً: الأشجار والزراعة.. ضرر قد يستمر لسنوات
أظهرت صور الأقمار الصناعية السابقة للمنطقة المتضررة آثار حرائق ومساحات خضراء تأثرت بالعمليات العسكرية. والحرائق تؤثر في الغطاء النباتي مباشرة، لكن المشكلة لا تنتهي بانطفاء النار.
فاحتراق الأشجار والشجيرات يغير بنية التربة ويزيد قابليتها للانجراف، فيما يؤدي فقدان الغطاء النباتي إلى تعريض التربة لمياه الأمطار والرياح.
أما إذا ترافقت الحرائق مع ترسبات ملوثة من المتفجرات أو المعادن أو احتراق الوقود، فقد تدخل بعض هذه المواد إلى التربة ثم إلى النباتات.
وهنا تظهر أهمية فحص المنتجات الزراعية في المناطق المتأثرة قبل العودة إلى زراعتها أو تسويق محاصيلها، إذا أظهرت تحاليل التربة والمياه وجود تلوث.
سابعاً: التنوع الحيوي يدفع الثمن
يقول الخبير البيئي إن "الانفجارات والحرائق والضجيج والحركة العسكرية المستمرة تؤدي إلى إزعاج الحيوانات البرية وتدمير موائلها، فيما يمكن أن تؤدي إزالة الأشجار وتغيير شكل الأرض إلى تجزئة الموائل الطبيعية".
وفي حالة علي الطاهر، فإن التغيير الجيومورفولوجي نفسه يستحق الدراسة: إزالة أجزاء من التلة، والحفر، والردم، والانهيارات الصخرية، وتغيير مسارات تصريف مياه الأمطار، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في البيئة المحلية حتى من دون وجود تلوث كيميائي.
ثامناً: ما الذي يجب فعله قبل العودة إلى الأرض؟
قبل أي أعمال حفر أو إزالة للركام أو إعادة تأهيل للموقع، تبرز الحاجة إلى تقييم متكامل للمخاطر، يجمع بين المسح البيئي والمسح المتخصص للذخائر غير المنفجرة.
فالعودة إلى المناطق المتضررة لا تتعلق فقط بإزالة آثار الحرب الظاهرة، وإنما بالتأكد من عدم نقل الملوثات من مكان إلى آخر أو تعريض السكان والعاملين للخطر.
تاسعاً: الخطر الأخطر قد يكون ما لم ينفجر
يلفت الخبير البيئي إلى أنه "بعد حرب 2006، بقيت الذخائر العنقودية غير المنفجرة مشكلة بيئية وأمنية وإنسانية كبيرة، وقد وثقت
الأمم المتحدة مخاطرها ضمن تقييمها البيئي للبنان".
ولهذا، فإن العودة إلى محيط علي الطاهر أو إزالة الركام أو فتح طرق جديدة يجب ألا تتم قبل إجراء مسح متخصص للذخائر غير المنفجرة.
وهذه ليست مسألة أمنية فقط، بل بيئية أيضاً: فالذخيرة التي تبقى في الأرض قد تصبح مصدراً مستمراً للملوثات، فضلاً عن خطر انفجارها لاحقاً أثناء الحفر أو الزراعة أو أعمال إعادة الإعمار.
ما الذي يجب فعله الآن؟
يحذر الخبير البيئي من أن "الخطأ الأكبر سيكون انتظار انتهاء الحرب ثم البدء بالتفكير في البيئة"، مشدداً على أن "المطلوب في حالة علي الطاهر ومحيط النبطية هو إطلاق مسح بيئي طارئ ومستقل.
ويشمل ذلك:
أخذ عينات من الهواء والغبار والتربة في موقع الانفجار ومحيطه.
فحص المياه الجوفية والينابيع والآبار والمجاري السطحية.
تحليل التربة بحثاً عن بقايا المتفجرات ومشتقاتها والمعادن الثقيلة والملوثات المرتبطة بالحرائق.
إجراء مسح للذخائر غير المنفجرة قبل أي عملية حفر أو إزالة للركام.
رسم خرائط بالأقمار الصناعية للحرائق وتغير الغطاء النباتي وشكل الأرض.
مراقبة المحاصيل الزراعية في المناطق الأكثر تعرضاً.
إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة لنتائج التحاليل، بحيث يعرف السكان ما إذا كانت أراضيهم ومياههم آمنة.
منع نقل الركام عشوائياً، وإلزام أي جهة تتولى إزالته بفرزه وفحصه ومعالجته وفق المعايير المطلوبة.
مراقبة الموقع بعد كل موسم أمطار.
إعداد خطة لإعادة تأهيل التربة والغطاء النباتي والمناطق المتضررة."
هل نحن أمام "قنبلة بيئية مؤجلة"؟
يوضح الخبير البيئي أنه "لا يمكن علمياً القول، في هذه اللحظة، إن تفجيرات علي الطاهر لوّثت مياه النبطية أو تربة الجنوب بمواد محددة، فلا توجد بعد نتائج مخبرية منشورة تسمح بهذا الاستنتاج".
لكن يمكن القول إن حجم التفجير، وطبيعة الموقع العسكري المُعلن عنه، وتراكم القصف والحرائق والدمار في محيط النبطية، كلها تجعل إجراء فحص بيئي شامل أمراً ملحاً، وليس ترفاً.
فالدخان يتبدد خلال ساعات، وصوت الانفجار يختفي خلال دقائق، أما بعض الملوثات المحتملة فقد تبقى في التربة والمياه لسنوات.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا انفجر في علي الطاهر، بل ماذا بقي بعد الانفجار، وإلى أين يمكن أن يصل؟ والإجابة لا يمكن أن تكون بالتقدير أو التخمين، بل بالتحاليل الميدانية والمُراقبة العلمية المستمرة، قبل أن يتحوّل الخطر المحتمل إلى مشكلة بيئية يصعب احتواؤها.
ولا بد ختاما من التذكير بما اعلنته وزيرة البيئة تمارا الزين من ان تفجير تلة "علي الطاهر" بنحو 1100 طن من المتفجرات ولّد، وفق بيانات المركز الوطني للجيوفيزياء، موجات أرضية مشابهة لهزة بقوة 4.2 درجة على مقياس ريختر. ولفتت إلى أن الموقع يبعد نحو كيلومتر واحد عن فالق روم ونحو سبعة كيلومترات عن فالق اليمونة، ما يثير مخاوف من ارتدادات إضافية بالنظر إلى حجم التفجير وموقعه.